لماذا اعتقد الأوروبيون أن أبدان المصريين القدامى ستحمل لأجسادهم الشفاء؟

الثلاثاء 21 سبتمبر 202110:21 ص

في مساء عام 1581م، استقبل رصيف شحن ميناء إنجليزي شاحنة غير عادية. في جُنح ظلام الليل، هُرِّبت تلك الشحنة السرية إلى شارع  باكلرسبيري bucklersbury في لندن، حيث سيشمِّر الكيميائيون عن سواعدهم لمعالجة الشحنة المهرّبة سريعاً، حتى يحوّلونها إلى منتجات يحققون منها ربحاً خرافياً.

الشحنة هي: مومياء فرعونية مُهرّبة من مصر. الاستخدام الأوروبي لها: دواء لعلاج أصعب الأمراض، التي عجز الأطباء عن علاجها.

نعم، نحنُ لم نخطئ قراءة السطور السابقة، فلقد اعتاد الأوروبيون تناول مومياوات الفراعنة، وصناعة الأدوية منها باعتبارها علاجات حتى وقتٍ قريب.

كيف حدث هذا؟ ولماذا اقتنع الأوروبيون أن أبدان المصريين القدامى ستحمل لأجسادهم الشفاء؟ لهذا قصة طويلة.. ومخيفة.

لا روح هانيبال ولا مصاصو دماء هنا

إن كنتَ قد تشوّقت للحديث عن مشاهد دموية يقتنص فيها الإنسان الأوروبي ضحية مصرية من شارعٍ مظلم، ثم يشرع في أكلها حية داخل قبو خفي. آسف، سأحبطك.

صحيح أننا سنتحدث عن أكل جثث، لكن لا روح هانيبال ولا مصاصو دماء هنا. وإنما عن منظومة تجارية طبية كاملة أتقنت استلام رفات مومياوات المصريين المسروقة من صحاري الأهرام وجبال أودية الصعيد وغيرها، وتشريحها وتقطيعها وتحويلها إلى مساحيق ومراهم لا يختلف شكلها أو طعمها كثيراً عمّا نبتاعه اليوم في الصيدليات.

اعتاد الأوروبيون صناعة الأدوية من مومياوات الفراعنة، باعتبارها علاجات. كيف حدث هذا؟ ولماذا اقتنع الأوروبيون أن أبدان المصريين القدامى ستحمل لأجسادهم الشفاء؟ لهذا قصة طويلة

اعتقد الأوروبيون أن الروح تبقى في الجسد بعد موت صاحبها، وأن أكلها سيزيد من قوة الشخص جسدياً ونفسياً.

ولذا كانت جثث الفراعنة المحنّطة خياراً مثالياً للباحثين عن "العلاج بالجثث"؛ لاعتقادهم أن التحنيط سيُبقي الأنسجة بحالة جيدة صالحة للأكل، و الروح معها بالتبعية، ما يضمن لآكل المومياء تمتّعه بتفوّق على الصعيدين الصحي والنفسي، وكأن شخصيته تتلقّى دعماً ومدداً من روحٍ فرعونية تمنحه قوى أخروية مثل التي أعانت الفراعنة على إنجاز حضارتهم!

كما جرى الاعتقاد بأن الجثث المصرية القديمة المحنّطة تمتلئ بمادة البيتومين، التي تمتلك العديد من الخواص الشافية للإنسان.

يقول الطبيب وعالم النباتات كارل دانينفيلدت karl Dannenfeldt في أطروحته "المومياء المصرية: خبرة القرن الـ16" أو "Egyptian Mumia: The Sixteenth Century Experience and Debate": أسهبت كتب الطب القديمة في الحديث عن الفوائد الصحية الكبيرة لمادة البيتومين، بداية من الطبيب الشهير ديسقوريدس، كما تحدّث عنها علماء مسلمون برعوا في الطب والصيدلة، مثل ابن البيطار وابن سينا، وعنهم نقل الطب الأوروبي هوساً بالفوائد العلاجية لتلك المادة السحرية، واعتقادهم أن جثث الفراعنة تشرّبتها حتى النخاع ضمن إجراءات التحنيط.


وقع الأوروبيون في خطأ شنيع؛ فالمصريون القدماء لم يستخدموا البيتومين في التحنيط، وإنما مادة تُشبهه كثيراً في الشكل وهي الراتنج، والذي كانت ينسدل من مسام لفافات المومياوات المستكينة في الصحراء منذ آلاف السنين.

وبحسب مقالة البحث في المصريات وارين داوسن Warren R. Dawson "المومياء كدواء" Mummy as a Drug" (1927)" فإنه رغم خلو المومياوات المصرية من البيتومين استمرّ الأوروبيون في أكلها ضمن شيوع ظاهرة استخراج مستحضرات طبية من أجساد الموتى في أوروبا.

منظومة تجارية طبية كاملة أتقنت استلام رفات مومياوات المصريين المسروقة من صحاري الأهرام وجبال أودية الصعيد وغيرها، وتشريحها وتقطيعها وتحويلها إلى مساحيق ومراهم

أقبل الأوروبيون على الاهتمام بالجثث واستأثرت أجساد المصريين بالاهتمام كله، وراج الإقبال على مومياوات الفراعنة في كافة أراضي القارة العجوز، وأصبح من الشائع جداً سحق الرفات الفرعونية وتقديمها للناس مخلوطة بالكحول والشكولاتة كوصفة لعلاج أغلب الأمراض، كما انتشر على الألسنة مصطلح "موميا Mumia" للإشارة إلى أحد الأدوية التي قدّمها الصيادلة للناس بانتظام، وصار الاتجار والعلاج بالجثث المصرية من الأنشطة التجارية شديدة الربح.

لم يتوقف الاستغلال الطبي للمومياوات على العظام وحسب، وإنما شمل أيضاً ما بقي فيها من دهون؛ فاعتاد الأطباء الأوروبيون نقْع الضمادات في تلك الدهون، ثم ربطها حول الجروح، ظنّاً منهم أنها وسيلة ناجحة لتخفيف الآلام وتسريع الالتئام.

ولمدة ناهزت المائتي عام (القرن الـ17 والـ18)، وصلت تلك الأساليب لذروة مجدها التجاري؛ وأصبحت مستحضرات مثل مسحوق مومياء، أو كريم علاج مُشتقُّ من دهون جسد فرعوني، أدوية متداولة وتُباع علناً على رفوف الصيدليات الأوروبية ويكتبها الأطباء في وصفاتهم العلاجية.

لدرجة أرجع معها بعض الباحثين انخفاض عدد المومياوات المصرية المكتشف في المتاحف حالياً إلى عمليات الاتجار والأكل المنتظمة لها على مدار هذه السنوات.

وفقاً لداوسن، دشّنت حلقات تهريب من الإسكندرية شبكة كاملة لنهب القبور العتيقة، ومن ثم انتقاء أكثر الجثث قدماً -حتى لو لم تكن فرعونية- ليزوّدوا بها عملاءهم الأوروبيين الذين هرّبوها إلى بلادهم عبر عمليات بحرية معقدة، حتى وصلت إلى الصيدليات الكبرى حيث تجري عمليات تحويلها إلى مستحضرات طبية تُباع بأثمانٍ باهظة.

بعد عقود من الاستهلاك المنتظم، بات من الصعب العثور على مومياء مصرية تفي بالغرض، فلجأ الأوروبيون إلى بديلٍ آخر هو مومياوات غوانش (Guanche)، وهم أحد شعوب جزر الكناري، الذي استعمل وسائل تحنيط تُشبه كثيراً الأساليب الفرعونية، بالإضافة مقابر أخرى مجهولة في بعض الدول الأفريقية المنسية مثل جنوب أفريقيا، حفظت الحرارة الأبدان القديمة من التآكل والتعفن.

كيف استخدمت مومياوات مصرية في أدوية الأوروبيين... جانب ماديّ لافتتان المخيلة الغربية بالحضارة المصرية عبر العصور 

كما لجأ عدد من موردي الجثث للغشِّ، عبْر تزويد الصيدليات بجثث حديثة عُولجت كيميائياً لتُشبه المومياوات القديمة.

جرى، أيضاً، استخدام بقايا المومياوات أيضاً في صناعة الأصباغ ومستحضرات التجميل، واشتهر نوع من الصبغات يُدعى "موميا بُنية Mummy brown"، استعان بها عدد من الفنانين الأوروبيين في رسم لوحاتهم، وتحديداً خلال فترة عصر النهضة.

مسحوق الموميا

حكى الطبيب البريطاني روبرت جيمس Robert James عن تجربته في استعمال مستحضر "الموميا" (عُرف أيضاً بلقب لاتيني هو pissasphaltus)، قائلاً: "هو عبارة عن السوائل التي نستخرجها من الجثث المصرية، وهي جثث عاشت تحت الرمال آلاف السنوات، ونادراً ما نلقى هذه النوعية في بلادنا"، ثم وصف لنا هذا المستحضر تفصيلياً، قائلاً: "صلب، أسود لامع، ذو طعم لاذع ومُر، ورائحته عطرية". وأكد أن هذا المستحضر يسكِّن الآلام ويثبط السُعال، ويُعزز التئام الجروح، ويُنظِّم الدورة الشهرية عند النساء.

من القرن الـ18، عثر عليه في ألمانيا. 

كما أشار جيمس في أطروحته إلى أنه هناك استخدامات أخرى لـ"دهون الجثث" لتخفيف الألم، والعظام لعلاج نزلات البرد وغيرها.

ويُروى عن الملك الفرنسي فرانسيس الأولى (1494- 1547م)، بأنه كان يحمل مسحوق "الموميا" دائماً في حقيبته، كوسيلة احتياطية لعلاجه حال وقوع أي حادث له، بسبب قناعته بأن له قدرة كبيرة على وقف النزف.

وسجّل الجراح الملكي الفرنسي أمبرواز باري عام 1585م، أسفه لانتشار هذا السلوك، بقوله: "نحن مضطرون بحماقة وقسوة على حدٍّ سواء إلى التهام الجسيمات المهترئة والفاسدة من جثث أضعف الناس في مصر".

كان هذا الاعتراض الفرنسي مقدمة لسلسلة طويلة من المراجعات الأخلاقية العلمية الأوروبية لهذا السلوك العلاجي العجيب، في 1751م اعتبر الطبيب جون هيل أن ابتلاع "لحم وعظام زملائنا المخلوقات أمر مروّع"، وفي 1782م وصف الطبيب ويليام بلاك في مقالة له بأن العلاج بالمومياوات المصرية "أمر كريه".

وبالفعل لم تمضِ عدة سنوات على هذه المقولات الاعتراضية، حتى انتهى الاعتماد على المومياوات الفرعونية كدواء، في ختام القرن الـ18، بعدما توصّل العلم الحديث إلى بدائل طبية أكثر فاعلية (وإنسانية). 

بالمقادير... وصفة من أجساد بشر

لم يتوقف هذا الهوس الأوروبي العلاجي على جثث الفراعنة فقط، وإنما امتدَّ نشاط "الأكل الطبي" للجثث من الأعراق الأخرى، فإزاء استحالة توفير جثث مصرية تكفي للجميع، جرت مساعٍ محمومة لتزويد الصيدليات بجثث أوروبية، وهو ما زاد من سُرعة انتشار العلاج بالجثث في أنحاء القارة العجوز.

وقد كان هذا النشاط العلاجي شائعاً في بعض أجزاء الإمبراطورية الرومانية القديمة عام 25م. فبحسب كتاب "المومياوات وأكل لحوم البشر" لريتشارد سوج، المختصُّ في التاريخ الإنكليزي القديم، فإن الأطباء القدامى كانوا ينصحون الرومان بشُرب دمِّ المصارعين الذين ماتوا حديثاً، وهو النشاط الذي شاع بشدة في العصور الوسط.

"أعظم دواء للإنسان هو الإنسان"... اهتمّ الأوروبيون بمومياوات الفراعنة كمصدر للعلاج، وأصبح من الشائع سحق الرفات الفرعونية وتقديمها للناس مخلوطة بالكحول والشيكولاتة كوصفة علاجية

يقول أندريا مارشي الباحث في تاريخ العصور الوسطى الأوروبية في جامعة بولونيا لرصيف22، إن فكرة استخدام أجزاء من جسم الإنسان في التداوي قديمة قِدم الحضارة نفسها، وهناك عدد من الأطروحات الطبية التي وصلتنا، تمتدح استخدام جسم الإنسان في العلاج، مثل مخطوطة "extus Placitus 'Liber Medicinae ex animalibus"، التي تعود للقرن الرابع الميلادي، والمخطوطة اللاتينية "Flos naturarum"، المنقولة من نصٍّ عربي مفقود كتبه الكيميائي المسلم الشهير جابر بن حيان (721م-815م).

لكن بدءاً من القرن الثاني عشر، بدأ هذا السلوك ينتشر في أنحاء أوروبا بالتدريج، وبمرور الوقت شاع هذا السلوك تماماً في أنحاء أوروبا، حتى أصبحت "أدوية الجثث" تُستخدم لعلاج كل شيء؛ من النقرس حتى أخطر وأعمق الجروح. ويُنقل عن الطبيب السويسري باراسيلسوس (1493- 1541)، أنه قال: "أعظم دواء للإنسان هو الإنسان"!

كما يُروى عن الملك الإنجليزي تشارلز الثاني (Charles II)، أن أطباءه أعدّوا له دواءً من مسحوق جمجمة مخلوطة بمواد كيماوية أخرى عُرف بِاسم "قطرات الملك".

لم يتوقف الأمر على تشارلز وحسب، وإنما استعملها الكثير من الأمراء والملوك لمداواة أوجاعهم، وذاع الأمر بين الناس لدرجة تطلبّت أن تُوضع لها قواعد ومعايير محددة، للوسيلة المثلى لتحقيق أقصى استفادة مُثلى من التعالج بأجساد البشر.

وبحسب كتاب سوج، فإن بعض الوصفات التي نجت تحدثت عن استخدام بعض الأهداب، التي كانت تنمو داخل الجماجم، في علاج "نزيف الرأس" وشفاء الصرع وتخفيف نزيف الأنف، ووفقاً لسوج، فإن الصيادلة الأوروبيين طحنوا الفضلات البشرية وباعوها للناس باعتبارها مسحوقاً دوائياً شافياً.

لم يتوقف الأمر على هذا الحد، وإنما تحدّث بعض الأطباء الإنجليز عن الفائدة الطبية لـ"ماء الغُسل"، الذي يتبقّى عقب تحميم الميِّت قبل دفنه، والاعتقاد أن هذه المياه المتبقية لها دور في علاج الأمراض الجلدية!

وبالرغم من انزواء هذه المعتقدات والممارسات المرتبطة بها، بشكلٍ تام، إلا أن بعض الباحثين يعتبرون أن بعض بقاياها لا تزال باقية بيننا حتى فترة قريبة، مثل إقبال عددٍ من النساء الأمريكيات على أكل "المشيمة" الخاصة بهن بعد وضْع الأطفال، باعتبار أنها تُساعد في علاج اكتئاب ما بعد الولادة، وهو ما لم يثبت علمياً أبداً، رغم شيوعه في الولايات المتحدة، وإقبال مشاهير الممثلين عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard