كبرتُ وصرتُ أخاف أكثر

الجمعة 27 أغسطس 202112:37 م

كلّما كبرنا أكثر، كلّما نخاف أقلّ. هكذا يقول المنطق، ولكن في حالتي كبرتُ وصرتُ أخاف أكثر. بتّ أخاف كل شيء: احتمال حدوث الأمر وعدم حدوثه؛ قتل الوقت أو إجهاضه؛ تغيير عملي أو الثبات فيه...

بتّ أخاف كلّ احتمال حتى ذلك المفضّل لديّ. مقدمة الخوف هذه ضرورية كي أفسّر عملياً Amalgam المشاعر التي أعيشها حالياً. الخوف من الإقدام على مشاعر جديدة أصبح هاجسي الأكبر. أُعجبت بفتاة ولكنها مقيمة في الإمارات. بعدها بأسبوع، أعجبت بفتاة ولكنها ستسافر قريباً إلى فرنسا. أتمنى ألا أعجب بأحد بعد كي لا تذهب إلى أي مكان بعيد.

في المرّة القادمة، أتمنى أن تهيم فيّ فتاة لكي أقول لها أربع كلمات فقط لا غير: أنوي الرحيل إلى ( ...). النقاط الثلاث هذه هي مقدمة كل شيء في حياتنا بعكس موقع إيرادها في الجمل والذي غالباً ما يكون في النهاية.

من اسم المدينة، تبدأ كلّ التجارب التي ستعيشها لاحقاً. يا حبذا يا بيروت لو تعلّمينا كيف نرحل عنك بسرعة، وألّا نكفكف الدموع، ولا يأسرنا الحنين. علّمينا كيف ننجو من حبّك، وكيف نشفى من ذكرياتنا فيك، وألا نسمع فيروز في المهجر. علّمينا كيف نركب في أول طائرة متوفرة بعيداً عنكِ... عنكِ... عنكِ.

البعد مصدر الخوف، ولكن القرب هو مصدر خوف مضاعف. مشكلتي في اتّصالي القريب والمكثّف مع مشاعري. كلّ ما أفكّر فيه خاضع لأفكار متتالية كحبّات  Spiral مرتبّة بـ Bindingعميق سماكته بضعة ميليمترات من الذاكرة القوية والثاقبة.

أتمنى لو أنّي لا أملك هذه الذاكرة وأنسى غدر بعض الأعدقاء ومكرهم للحظات. كما أنّى أتمنى أن أنسى بعض التجارب المريرة التي عشتها والتي خيبّت آمالي. يذهلني خضوعي لمحطات فيها من التقلبات ما يكفي لأن تموت الروح... تقلبات في توقعاتي من الآخرين، وفي علاقاتي مع الآخرين، وفي تجارب مهنية وشخصية مرّت كقطار سريع، فأصبحتُ أخاف تجريب الجديد.

"الخوف من الإقدام على مشاعر جديدة أصبح هاجسي الأكبر. أُعجبت بفتاة ولكنها مقيمة في الإمارات. بعدها بأسبوع، أعجبت بفتاة ولكنها ستسافر قريباً إلى فرنسا. أتمنى ألا أعجب بأحد بعد كي لا تذهب إلى أي مكان بعيد"

بات الجديد في قاموس مصطلحاتي مرادفاً للخوف، فكيف أسمح بدخول تجربة جديدة وأنا ما زلتُ في طور امتصاص السابق. هذا التمرين يشبه سكب الماء في خزّان مثقوب.

قربي العميق من مشاعري حدا بكثيرين إلى اعتباري شخصاً صعب التكيّف معه. أنا وحيد جداً في علاقاتي الاجتماعية. حتى وإنْ كنت محاطاً بعدد. أنا وحيد لأنّي أميل إلى المزدوج ولا أحبّ المفرد. أبحث عن فتاة تفهمني لكي تحبني فنصبح اثنين، ثمّ لكل واحد صديقـ(ة) واحد(ة) على الأقلّ، فنصبح أربعة، وهكذا دواليك.

عانيتُ في حياتي من كثرة الذين يسألوني ومن قلّة الذين يسألون عنّي. أتمنى وأحب وأرغب (ثلاثة أفعال قوية) أن أُسأل عن التالي: عملي والصعوبات التي أواجها، خططي للمستقبل، كتاباتي ومشاريعي، قراءاتي وأحلامي.

أحبّ أن يتتبع أحد ما مساري ويستفسر إذا دوامت اليوم في مزيان، ماذا أكلت، وهل قدمّت لي غدير الخبز الإثيوبي أم نسيَت؟ أحبّ أن يستفسر أحد إذا كنت لا أزال مدمناً على الإسكالوب؟ وهل ذهبت اليوم إلى النادي الرياضي؟ وكم مرّة أعجبت بعاملة الباريستا؟ ولماذا ستتزوج بها وتسافران إلى براغ؟

"بات الجديد في قاموس مصطلحاتي مرادفاً للخوف، فكيف أسمح بدخول تجربة جديدة وأنا ما زلتُ في طور امتصاص السابق. هذا التمرين يشبه سكب الماء في خزّان مثقوب"

على الرغم من أنّ هذه الأسئلة هي التي عادة ما يتجنبها الناس، إلّا أنها تستهويني أكثر من أحاديث "طالبان" وطالبتان تنوينان الحديث معي حول كل أمور السياسة، بدءاً من محادثات فيينا ووصولاً إلى بنزين الـ95 أوكتان!

البارحة، اتّصلَت بي أمي قائلة لي إنها استأجرت غرفة في فندق في بيروت لكي تنعم بنوم في ظلّ مكيّف الهواء. استهوتني الفكرة وكنت أرغب في الذهاب إليها. من شدّة تعلقي بأماكني وأغراضي، لم أقوَ على ترك سريري لـ24 ساعة. في اليوم التالي، ضحكت من نفسي وقلت: إذا كنتُ لا أستطيع مغادرة سريري لبضع ساعات، فكيف لي أن أترك بلداً لنا فيه ما فيه.

صرت أخاف من تغيّر أحلامي إذا تغيّر الحيّز الجغرافي وأنا لا أريد لهذا أن يحدث. أريد أنّ أحبّ فتاة، أسافر وإياها إلى خيالي، نفتح مقهى سوياً في براغ، تدير مجلتي المسمّاةGrimace ، ويكون المقهى نقطة البيع الأساسية للمجلة... هنا وجب وضع النقاط الثلاث. في الصغر، يخاف الطفل من حلمه لأنه يخاله أمراً مجهولاً ويباغته كل يوم. حينما نكبر... يحدث العكس: لا نخاف من الحلم بل من عدم حدوثه. ها أنا كبرت وصرت أخاف أكثر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard