سيدة أولى أجنبية مسيحية في بلد مسلم محافظ… ماذا فعلت اللبنانية رولا سعادة للأفغانيات؟

الاثنين 23 أغسطس 202102:29 م

بعد سبع سنوات في منصب "السيدة الأولى"، اضطرت اللبنانية رولا غني -رولا سعادة- إلى مغادرة أفغانستان مع زوجها الرئيس أشرف غني قبل أيام إلى الإمارات، عقب استيلاء "طالبان" على العاصمة كابول، مخلفةً وراءها آمال وإنجازات غير مكتملة والكثير من الآراء المتباينة حول ما قدمته لنساء "وطنها" غير الأصلي.

بعكس طفولتها، التي كانت هادئة تماماً في قرية ضهور الشوير بمحافظة جبل لبنان، لم تكن أي من محطات حياة رولا التالية عادية أو حتى متوقعة. ابنة الـ73 عاماً، المولودة في عائلة مسيحية مارونية، تلقت تعليمها الأولي في أحد أديرة الراهبات في جبل لبنان، قبل أن تستقر في فرنسا لإكمال دراستها.

وعقب عودتها، التحقت الشابة سعادة بالعمل في الصحافة، تحديداً في وكالة الأنباء الفرنسية مكتب بيروت، خلال عامي 1969 و1970.

لكن طموحها الأكاديمي كان أكبر من ولعها بالصحافة، فسرعان ما عادت إلى مقاعد الدراسة في الجامعة اليسوعية حيث درست الاقتصاد لمدة عام ثم إلى الجامعة الأمريكية في بيروت حيث التقت الرجل الذي سيغير حياتها تماماً.

كانت رولا تدرس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية حين قابلت الشاب الأفغاني أشرف غني، وارتبطا بقصة حب كُللت بالزواج عام 1975 رغم اختلاف اللغة والدين والعرق. وسافرت إلى موطن زوجها، أفغانستان، قبل أن يرحلا معاً إلى أمريكا بعدما حصل على منحة دراسية في جامعة كولومبيا في نيويورك، ليستقرا هناك 30 عاماً.

خلال إقامتهما في أمريكا، تنقل الزوج بين عدة مناصب رفيعة أبرزها في البنك الدولي، وحصلت هي على ماجستير ثانية في الصحافة واهتمت بتربية نجلهما طارق وابنتهما مريم.

بين من رآها "نقطة ضعف" زوجها ومن اعتبرها "امرأةً حديدية"… قصة رولا سعادة، زوجة الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، من قريتها اللبنانية الهادئة إلى صخب المعترك السياسي

في عام 2003، عادت الأسرة إلى أفغانستان حيث كان الزوج يتأهب إلى الدخول في معترك الحياة السياسية، في الوقت الذي انشغلت فيه زوجته بمراقبة المجتمع المحافظ الذي ستعيش فيه بقية عمرها على الأرجح.

نقطة ضعف أشرف غني؟

يعتقد العديد من المحليين أن رولا كانت إحدى النقاط الحساسة أو نقاط ضعف، التي استغلها خصوم زوجها خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، إذ كانت الزوجة الوحيدة لمرشح رئاسي التي تظهر علناً على المواطنين.

علاوة على ذلك، لم تكن هيئة أو رؤى رولا سهلة التقبل في أفغانستان، لا سيّما أنها أيدت القانون الفرنسي الذي يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة ويسمح بارتداء حجاب فقط.

ربما أيضاً لم يكن وجود سيدة مسيحية أجنبية في منصب "السيدة الأولى" في هذا المجتمع المسلم المحافظ متخيلاً قبل رولا.

لكن الانتقادات الشديدة آنذاك، فشلت في ثني الزوجة اللبنانية عن تجاوز الخطوط الحمراء أو إنهاء المحرمات الاجتماعية المتمثلة في ظهورها العلني مع زوجها وإلقاء خطب في مناسبات معينة. وهذا ما دأبت عليه خلال سبع سنوات من حكم زوجها.

وكان "الابتعاد عن الأضواء" التقليد الذي التزمته زوجات رؤساء أفغانستان السابقين بمن فيهن زينات كرزاي، زوجة حامد كرزاي الذي تولى رئاسة البلاد عقب إطاحة حركة طالبان عام 2001.

برغم اختلاف الدين والعرق واللغة، وتحديها بعض المحرمات، كانت رولا ذكية -ربما حذرة- في تعاملها مع المجتمع الأفغاني؛ فكانت تبدأ خطاباتها بتحية الإسلام، وأحياناً ببعض آياته، واستخدمت لهجتهم المحلية

في مقابلة مع فرانس برس، عقب تنصيب زوجها، عبرت رولا عن أملها في توظيف التعددية الثقافية التي تتمتع بها لخدمة هذه الدولة المنهكة بعد 35 عاماً من الحرب، مؤكدةً رفضها الانزواء في القصر الرئاسي ورغبتها في لعب دور في الحياة العامة.

ماذا قدمت للأفغانيات؟

حتى قبل دخولها القصر الرئاسي، لعبت رولا دوراً مهماً في تعزيز مكانة المرأة الأفغانية حين قدّم لها زوجها الشكر على كونها "شريكة حياته" وعلى مساهماتها لأجله ولأجل أفغانستان.

وفي مقابلة مع "بي بي سي"، قالت: "بإشارة زوجي إلي بهذه الطريقة في خطاب تكليفه أظهر بالضبط ماذا أعني بمساعدة المرأة الأفغانية، على أن تكون أكثر ثقة ووعياً بدورها وأكثر تقديراً له".

وفي مقابلة مع الإعلامي اللبناني ريكاردو كرم عام 2020، أضافت أن وجودها إلى جوار زوجها في المناسبات العامة كان ملهماً جداً للكثير من النساء ومؤثراً للغاية في المجتمع الأفغاني إذ سمح للنساء بالحضور مجتمعياً، مبرزةً أن الكثيرات أخبرنها ذلك.

لم تقع رولا في فخ الحديث نيابة عن المرأة الأفغانية أو الاعتماد على تقارير رسمية لمعرفة مشكلاتها، بل فتحت لهن مكتبها في القصر الرئاسي واستمعت إليهن وطلبت منهن اقتراح الحلول

لم تقع رولا في فخ الحديث نيابة عن المرأة الأفغانية أو الاعتماد على تقارير رسمية لمعرفة مشكلاتها. قالت لكرم: "الشغلة يلي عم جرب أعملها بأفغانستان هي أنو جرب جيب كل النسوان فرد محل وأقلن ‘كلنا أخوة وخلينا نلاقي حل المشكلة‘. وهيدا هو شغلي بأفغانستان ولهيك يمكن أنا عم بنجح بمسيري في أفغانستان لأنو يقعد مع النسوان وبسمعلن وبسمع شو عم بيقولو مشكلاتن وخليهن هن يفكرو شو الحل، لأن أنا كيف بدي قولن الحل أنا وقاعدة بالقصر؟".

ورفضت سعادة خلال المقابلة الصورة النمطية الرائجة عن نساء أفغانستان بأنهن ربات بيوت لا أكثر، قائلةً: "هالسيدات طبيعيين؛ بتشوفن عم يكتبوا، عم بيسايروا، عم بيناقشوا".

وعن آمالها للمرأة الأفغانية، أضافت لـ"بي بي سي": "أرغب في إعطاء النساء الأفغانيات الشجاعة والإمكانية لفعل شيء ما من أجل تحسين حياتهن". كما تمنت أن تسهم في أن "تتحلى النساء الأفغانيات بالشجاعة للتحدث عن مشاكلهن، لا بد أن يرفعن أصواتهن بالقول إنهن يرفضن وضعهن الحالي ولن يقبلن باستمراره".

وفي العام التالي لتنصيب زوجها، عام 2015، اختارتها مجلة "التايم" الأمريكية العريقة ضمن "أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم".

وبرغم تحديها بعض المحرمات، كانت رولا ذكية -ربما حذرة- في تعاملها مع المجتمع الأفغاني إذ صرّحت مراراً: "لا أتطلع إلى تغيير البنية المجتمعية القائمة". كذلك أبدت حرصاً على إظهار التقارب مع الأفغان، فكانت تبدأ خطبها، بما في ذلك في أي مناسبة خارج أفغانستان، بتحية الإسلام، وأحياناً بعض آياته. وتحدثت بلهجتهم المحلية.

وبينما أيدت القانون الفرنسي لحظر النقاب، عبّرت عن دعمها القوي لحق المرأة في ارتداء الحجاب والملابس الطويلة الفضفاضة "بما يتناسب مع قناعاتها الدينية".

رحلت رولا عن أفغانستان تاركةً سيرتها محل جدل بين من ينتقدها، ومن يشبهها بالملكة ثريا الطرزي، زوجة الملك السابق أمان الله خان، الليبرالية المولعة بنمط الحياة الغربية، ومن يرى فيها امرأة حديدية تحدّت ثقافة قائمة منذ قرون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard