أنتِ مؤمنة، وصلاتُك هي قبُلاتك... أغنية من أفغانستان

الأربعاء 18 أغسطس 202101:59 م

مجاز الجِوار، مؤانسة الغرباء في البستان المجاور


الأغنية التي غنتها المطربة الأفغانية الشابة "غوغا تابان"، عام 2019 بمناسبة عيد الفلنتاين، وتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، تعود إلى الواجهة هذه المرة، ليس من أجل عيد الحبّ، بل عيد الهروب والخوف في أفغانستان. البلد الذي تأمل شعبه مستقبلاً أفضل من أيام المحنة التي عاشها، فتفاجأ هذه الأيام بتسليمه إلى يد حركة متطرفة وإرهابية، سارعت منذ يومها الأول بشطب صور النساء الجميلات من جدران كابول.

القصيدة للشاعر الأفغاني، رامين مَظهر، وقد كتبها في بدايات العشرين من عمره، وألقاها في أمسية شعرية في أفغانستان عام 2019 وبمناسبة عيد الحبّ أيضاً، وأهداها إلى ذكرى صديقه الشهيد خلال تفجير في أفغانستان، ولم تمكث كثيراً غوغا تابان لتغنيها.

في حوار له يقول الشاعر الذي يمتهن الصحافة والمراسلة أيضاً، إنه كتب هذه الكلمات بعد أن رأى صورة لمصرع صديقه المراسل "صميم"، في عملية تفجير، عندما كان الأخير يغطّي حدثاً بشكل ميداني.

رامين الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره عند الهجوم الأمريكي على أفغانستان عام 2001، كبر مع أمل بالحرية والحبّ والسلام في بلده وربّى هذا الأمل خلال 18 عاماً، لكنه رأى أحلامه تبددت أمام عينه بمقتل صديقه.

"كلّ شيء يتحوّل إلى فعل سياسي في بلد يتعلق كلّ شيء بالسياسة من شَعر النساء إلى لحى الرّجال، وفي مدينة، تكون فيها الجدران، والشوارع، واللغة، والدّين، والخبز، والماء، والطقس، أمور سياسية"

يؤكد رامين في الحوار أنه يحاول دائماً ألا يتحول شعره إلى بيان سياسيّ، لكن كل شيء في بلده هو أمر سياسي؛ "من وجهة نظر الناس والحركات السياسية والعكسرية ذات القدرة في هذا البلد، كتابة الشعر أمرٌ سياسي؛ المراسلة، والغناء، والرقص، والحبّ، كلّها أمور سياسية. كلّ شيء يتحوّل إلى فعل سياسي في بلد يتعلق كلّ شيء بالسياسة من شَعر النساء إلى لحى الرّجال، وفي مدينة، تكون فيها الجدران، والشوارع، واللغة، والدّين، والخبز، والماء، والطقس، أمور سياسية. نعم، كتابتي للشِّعر عملٌ سياسي، حتى إن لم أتحدث في الشّعرِ عن السياسة أبداً. حتى عدم كتابة الشعر أمرٌ سياسي. في هذا الزّمن، حتى الصمتُ يمكنه أن يكون أمراً سياسياً. لا شيء غير سياسيّ إطلاقاً؛ حتى إغماض العينين، والسكوت، والانزواء، وعدم التحدّث، كلّها أمور سياسية."

هنا نص القصيدة كاملة، مترجمة إلى العربية، والفيديو يتضمن ترجمة لما غني من هذه القصيدة. ورغم أنه في حديثي الأخير مع صديقي الأفغاني الشاعر، قال لي "إننا الآن في مساحة قد تجاوزت اليأس والإحباط"، ورغم شعورنا بالأسف الكبير على ما يحدث في هذا البلد الجميل الذي قدّم ما قدّم للثقافة الإنسانية خلال تاريخه العريق، نتشبث بخيط الأمل ونصدح: "أنتِ لا تخافين من الحبّ، ومن الأمل، ومن الغد".



أحبّك لحظة تلو لحظة، وبيتاً بعد بيت

أحبّك ضد التقاليد القاتلة

أنتِ مؤمنة وصلاتُكِ هي قبُلاتُك

أنتِ مختلفة؛ اعتراضُكِ هو قبُلاتُك

لا تخافين من الحبّ، من الأمل، من الغد

أقبّلك بين رجال "طالبان"، ولا تخافين

أقبّلك في زاوية المسجد، ولا ترتجفین

أقبّلك بين عطر النباتات البرّية، ولا ترتجفين

أقبّلك في التاكسيات، في الشوارع

أقبّلك ضدّ تكفير المسلمين

بين الجرح والقرح والدّم، أَقبِلي على شفتيّ

بين وابلِ الرّصاص أقبِلي على شفتيّ

أقبّلك بين الغصّات والمآتم

وتقبّلينني في خضمّ العمليات الانتحارية

تقبّلينني لنصعد لحظة إلى السماء

لنكون شباباً في مدينتهم الهرِمة المتهالكة

تقبّلينني لنصعد لحظة إلى السماء
لنكون شباباً في مدينتهم الهرِمة المتهالكة

رغم أن شبابنا كان نَصلاً على أعناقنا

والبكاء على أنين "ظاهر هويدا"،

رغم أن شبابنا لم يكن سوى وحشة في البيت، ووحشة في السفر

والرحيل بجيوبٍ فارغة إلى نهاية العالم

أن ننفجر تحت المطر كما لو أننا غصة

وأن ننفجر في الشّارع مع "سيد قطب"

ونقرأ "الغزالي" في الليل ونشاهد الكوابيس

أن نرى الأزهار في نظرات المرتدّين

ونتعلم قتل الإخوة في المدارس

وطعن الصنوبر من الخلف

أن نصبح شعراء، ونقضي ليالينا في حسرة النوم مع القمر

وأن ننام مع "خادم دين رسول الله"

نَصيبُكِ من هذه المدينة نكران المعروف

وكلّ دمعة في عيني، عنصر سياسي جيد

تأتين بهدوء وأحضنك بهدوء

لا تبكي، لا تبكي، أنا أموتُك بهدوء!

أقبّل الدموع المنسكبة على خدّيك

أقبّل شعرَكِ، وشفتيكِ اليابستين، وأقبّل صوتَك

حدّثيني رغم شفتيك المطبقتين كلّ هذا العمر

ولا تبكي، يا حديقة الرمّان التي أحبّ، رغم أنك محترقة

أيتها البرعمة النابتة على مرقدي!

اتركي رأسك على كتفي، يا كلّ ما أملك ولا أملك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard