انتصار جديد للحراك الشعبي... الجزائر تتسلم مسؤولاً سابقاً تسبب بإهدار مليار دولار

الخميس 5 أغسطس 202106:31 م


تسلمت الجزائر مساء الأربعاء 4 أغسطس/ آب، المسؤول السابق الهارب عبد المؤمن ولد قدور، المدير السابق لمجمع سوناطراك، وهي الشركة الجزائرية القابضة التي تتولى التصرف في الثروات البترولية للجزائر.

وتم تسليم ولد قدور رسمياً من قبل السلطات الإماراتية، بموجب مذكرة توقيف دولية أصدرتها الجزائر عن طريق الإنتربول في فبراير/ شباط الماضي.

ونقل التلفزيون الجزائري مباشرة وصول ولد قدور مكبل اليدين إلى مطار هواري بومدين في العاصمة الجزائرية، وهو ما قرأه جزائريون باعتباره إهانة لمسؤول سابق متهم بنهب ما يزيد على مليار دولار من المال العام، أثناء إدارته لثروة الجزائر الموشكة على الانتهاء من النفط والغاز الطبيعي.

هذه القراءة أطلقت الفرحة في قلوب بعض الجزائريين، فيما رفض البعض الآخر ما اعتبروه "تنكيلاً" بولد قدور، باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان، خاصة أنه لم يخضع للمحاكمة وبالتالي لم تثبت إدانته بعد. ويُنتظر أن يمثل خلال أيام أمام عميد قضاة التحقيق للغرفة الأولى لدى القطب المالي والاقتصادي (المحكمة الاقتصادية)، في محكمة سيدي أمحمد.

التحقيقات التي أجرتها الجزائر عقب الحراك الشعبي الذي أنهى حكم بوتفليقة، وجهت اتهامات بالفساد والإهدار للعديد من وجوه السياسة والمال المعروفين في فترة حكم بوتفليقة

رحلة البحث عن "الهارب"

صدرت مذكرة التوقيف، بموجب التحقيقات التي بدأت الجزائر في إجرائها عقب الحراك الشعبي الذي أنهى حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

ووجهت تلك التحقيقات اتهامات بالفساد للعديد من وجوه السياسة والمال المعروفين في فترة حكم بوتفليقة.

وأعلن رئيس الوزراء السابق عبد العزيز جراد في فبراير/ شباط  الماضي إصدار القضاء أمراً دولياً بالقبض على ولد قدور بمقر سكنه بفرنسا، بعد تصدر اسمه قائمة المتورطين في قضية فساد فقدت على إثرها الخزينة العمومية مليار دولار أمريكي. لكن المتهم غادر الأراضي الفرنسية نحو عمان عبر دبي لحضور أحد المؤتمرات. إلا أن جريدة الوطن الجزائرية الناطقة بالفرنسية ذكرت في تقرير أن ولد قدور جرى توقيفه في 20 مارس/ أذار الماضي بمطار دبي، بعد أن احتجزته شرطة المطار لوجود اسمه في النشرة الحمراء لـ"الإنتربول". ولكن أطلق سراحة بكفالة مع منعه من مغادرة الإمارات.

ويأتي تسليم ولد قدور بالتزامن مع تخفيف الجزائر حدة هجومها على الإمارات ومصر، اللتين اتهمتهما الجزائر في نهاية يوليو/ تموز الماضي بدعم ما اعتبرته تراجعاً عن المسار الديمقراطي في تونس، قبل أن تعلن قبولها للتغيير السياسي الناجم عن قرارات الرئيس قيس سعيد بعد تحركات دبلوماسية مصرية.

تاريخ الإهدار

عُيِّن ولد قدور على رأس شركة سوناطراك في مارس/ أذار 2017. ثم أقيل في أبريل/ نيسان 2019، في زخم الحراك الشعبي الذي أرغم رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة من منصبه.

في نهاية 2018، أعلنت شركة سوناطراك عن إبرامها صفقة لشراء مصفاة النفط الإيطالية “أوغوستا” الواقعة بجزيرة صقلية الإيطالية، من مالكها الأمريكي "إكسون موبيل"، بكلفة قدرت بحوالي 750 مليون دولار، لتصبح بذلك ثاني أكبر مصفاة لسوناطراك، بعد تلك الموجودة بميناء مدينة سكيكدة النفطي الواقعة بشرق البلاد.

وبعد عام من شرائها، اضطرت سوناطراك إلى اقتراض 250 مليون دولار من الشركة العربية للاستثمارات البترولية "ابيكورب"، لتمويل العمليات المعقدة لصيانة هذه المنشأة. فالمصفاة التي استثمرت فيها الجزائر حوالي مليار دولار جرى تشغيلها في خمسينيات القرن الماضي، وكانت حالتها المتهالكة قد دعت المالك الأصلي إلى بيعها بدلاً من إحالتها للتقاعد.

وتسبب الوضع التشغيلي للمصفاة المتهالكة في مشكلات بيئية أطلق بسببها المختصون مبادرة لغلقها، منعاً لحدوث كارثة بيئية في الجزائر، إلا أن سوناطراك تحت قيادة ولد قدورة، أكدت أن المصفاة تعمل وفق المعايير العالمية لحماية البيئة، مضيفةً أن التكلفة المتوقعة لعلاج المشاكل البيئية التي قد تتسبب فيها المصفاة تقدر بـ30 مليون دولار سنوياً لمدة سبع سنوات، وهي متضمنة في النموذج الاقتصادي لتقييم المصفاة.

ولد قدورة كان وراء شراء الجزائر مصفاة بترول متهالكة يفترض أن تحال إلى التقاعد، كلفت الخزانة العامة مليار دولار. وحاولت وسائل الإعلام التابعة للحكومة وقتها إقناع الرأي العام بضرورة الصفقة

وبررت السلطات الجزائرية وقتذاك شراء هذه المصفاة دون غيرها بالعجز المالي الذي تعانيه البلاد نتيجة أزمة واردات الوقود، كون الجزائر باتت تستهلك نفطاً أكثر مما توفره معامل تكريرها. وهذا ما استدعى - حسب المسؤولين على الصفقة- شراء مصفأة، كان يفترض أن تنتج للجزائر نحو خمسة ملايين طن من الوقود سنوياً بحلول نهاية عام التشغيل الأول (2019).

لم تمر هذه الصفقة مرور الكرام، فقد كانت محل انتقاد حاد بلغ حتى أروقة الحكومة. فالصفقة تحوي العديد من الثغرات، أهمها سعر الشراء الذي يعتبر باهظاً ومبالغاً فيه خاصة إذا ما اقترن بتكلفة الصيانة، والحالة التي وصلت إليها المصفاة البالغ عمرها التشغيلي 70 سنة، وصارت غير مطابقة لمواصفات التشغيل الحديثة ومعاييرها البيئية.

وخاضت وسائل الإعلام التابعة للحكومة الجزائرية حرباً دعائية لإقناع الرأي العام بجدوى الصفقة، ونفي الشبهات التي كانت تحوم حولها. إلا أن الحراك الشعبي انتصر لمواجهة الفساد في نهاية الأمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard