حين فَجّروا المدينة: "نهايات" العالم في بيروت

الثلاثاء 3 أغسطس 202110:31 ص

"بيروت- بعد عام"، خمسة أفلام قصيرة من إنتاج IMS وبيروت DC يروي فيها خمسة سينمائيين لبنانيين شهاداتهم بعد عام من الانفجار الذي دمر بيروت في الرابع من آب عام 2020. الأفلام الخمسة تُعرض على منصة أفلامنا ضمن برنامج "عن مساحة الكارثة والتعبير" وتُنشر للمرة الأولى من خلال رصيف22.

"لا أمتلك ما أقوله عن نهاية العالم، لم يبق شيء ليُقال، لم يبق شيء"، هذا ما تقوله الراوية في فيلم "بلا رائحة"، للمخرج بانوس أبراهاميان، لتحتار بعدها إلى أين عليها أن تذهب بعد نهاية العالم، هل هناك من مكان لم ينته؟ ربما أبراج الأغنياء العالية لم تصلها "النهاية"، لكن هل يمكن للجميع الوصول لها، أو على الأقل، صانع أفلام يحاول إنهاء فيلم قصير كلف به قبل أن يرحل؟

انتهى العالم في الرابع من آب عام 2020، مرّتين اثنتين، وباء عالمي يطيح بالأعمار والأنفاس، وانفجار في مرفأ بيروت أطاح بالمدينة، وفي النهايتين، الضحايا أنفسهم، والمقصرون أنفسهم، بل ويمكن القول الملامون نفسهم، لكن عادة ما تكون نهاية العالم نتاج انقلاب في موازين الطبيعة، كارثة تفني كل شيء وتبشر بمستقبل أجمل، كالطوفان أو النيزك، إذ هناك توازناً ما يسعى "العالم" لإعادة إنجازه بعد الدمار.

"لا أمتلك ما أقوله عن نهاية العالم، لم يبق شيء ليُقال، لم يبق شيء"، هذا ما تقوله الراوية في فيلم "بلا رائحة"، للمخرج بانوس أبراهاميان، لتحتار بعدها إلى أين عليها أن تذهب بعد نهاية العالم، هل هناك من مكان لم ينته؟

لكن، أي "ما بعد" للنهاية يمكن أن نتخيلها أو نعيشها بعد الانفجار؟ التغني بالزهور التي تفتحت لا ينفي انتشار الحمض النووي لمن قضوا في الهواء، حالة فريدة يتبادل فيها الافراد أقرانهم غباراً وأنفاساً مُعدية، لكن ضامنة أن من رحل ما زال يتسلل إلى دواخل الآخرين لا مجرد ذكرى أو رقم، بل لحم تبخر أو تفتت كغبار طلع.

تتصف نهاية العالم حين تكون نتاج عنف سياسي بالعقم، أي لا تبشر بخلاص ما أو ولادة جديدة، وحتى إن شاهدنا زهوراً تتفتح أو هواء يشتد نقاوة، لكن ماذا عن البشر والضحايا، لا أمل لهم بسبب الفساد السياسي الذي "أنهى" العالم لكنه ما زال مستمراً، بصورة أدق، السلطة ما زالت مستمرة في حضورها، محتارةً، وكاذبةً، ولا شفاعة لها.

ضمن "النهاية" التقليدية، يشترك الجميع في تقاسم ذنب حدوثها، الاحتباس الحراري، التلوث، لكن انفجار النترات لا ذنب فيه إلا لفئة محددة لم ينته عالمها، بل تغيرت أركانه، وهذا ما ينفي الذنب عن "الجميع" ويفعل الغضب الموجه تجاه فئة محددة.

حتى أولئك "الضحايا" الذين قرروا الرحيل من الصعب أن يفتكّوا من "الكارثة"، يحملونها في أجسادهم، وفي أنفاسهم التي اختلطت مع الغبار والسموم وما تبقى من أقرانهم، إذ تلاحق هذه النهاية "الجميع"، تسمهم، تعيق حركتهم، فلا مكان للخروج منه، ولا أرض للطريق، مجرد خراب فوق خراب، تعتليه زهرة، ثم سلطة فاسدة، ثم بنك، ثم زهرة لا تشبع ولا تداوي.

انتهى العالم في الرابع من آب عام 2020، مرّتين اثنتين، وباء عالمي يطيح بالأعمار والأنفاس، وانفجار في مرفأ بيروت أطاح بالمدينة، وفي النهايتين، الضحايا أنفسهم، والمقصرون أنفسهم

يحاول البعض، حذلقةً أو عاطفةً، أن يلملم ما تبقى ليقول شيئاً ما، ليرسم ملامح ما حصل، لكن، وكما نسمع في الفيلم "لم يبق شيء يقال"، وحقيقة، القول ساخر في هذا السياق، عاجز عن الدلالة، عقيم عقم الكارثة نفسها، لكن، ربما هناك مكان "لم تصله النهاية"، مكان يضمن على الأقل نجاة من فيه، مساحة عادلة، لمن فيها كرامة أحياء كانوا أو ضحايا.

جغرافية هذه المساحة غير واضحة بعد، ولا نعلم إن كانت موجودة حتى، لكن، ولو في المخيلة، وكما الزهر الذي تفتح قبل موعده، لابد من علامة ما، أثر يمكن تتبعه/تصويره/ تبنّيه، لأجل بشارة بمستقبل جديد، وللتخفيف من سطوة النهاية نفسها، فالانفجار والسلطة وراءه، وهنا نبالغ، هدّدا المخيلة نفسها، وتركا مسرح الجريمة ليشتغل مسرحاً كرنفالياً وخشبة لتماثيل الهباء والعنف السياسي، وربما تلك الجغرافية، جغرافية ما بعد النهاية، تتطلب فناء ما، أو على الأقل، تحديد للحظة النهاية، نهاية الوباء، نهاية الانفجار، نهاية العادلة، نهاية الموت، ونهاية لكل ما يحصل، وهنا، يمكن القول، إن الانفجار لم يمكّن نهاية العالم، بل تتويجاً للخراب العقيم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard