من حصن للحشاشين إلى مركز للانتداب الفرنسي... عن قلعة مِصياف في سوريا

الأحد 18 يوليو 202106:00 م

ليس بعيداً عن بيتي الكائن في قرية "ربعو" المطلة على مدينة مصياف السورية، تبدو تلك القلعة من خلال المنظر الجبلي الخلاب وكأنها العلامة البارزة والجوهرة في وسط العقد محتفظة إلى اليوم برونقِها وسحرها وجمالها المعماري الفاتن، وكأنها التجسد النفسي الجمالي للمنظر.

بحكم مروري الدائم جوار القلعة والشوارع القريبة منها، يبدو لي بين حين وآخر بأنني أسير في زمن مضى، مفعماً بالأحداث، رغم أن ملامح المدينة القديمة غابت في هذه الشوارع إلا من بعض الشواهد الحجرية المخلفة من السور القديم والأقواس والأزقة الضيقة على حساب غزو العمران الحديث.

لذلك فكرت أن أكتب عن المدينة - القلعة، لعلني أستعيد بعض الأهبة لذلك المكان الذي أنتمي إليه؛ فقد ارتبطت مدينة مصياف الصغيرة الواقعة في الوسط والغرب من سوريا تاريخياً بقلعتها والتي اشتهرت بكونها حصناً للإسماعيليين.

تمّ بناء القلعة على تلّ متدرج في الشعاب الشرقية لجبال النصيرية (جبال اللاذقية اليوم)، حيث تتماشى الخطوط العامة للمرتفع الصخري المتطاول والتي تنتصب فوقه بأسوارها الخارجية، محمية بشكل غريب باستغلال العوامل الطبوغرافية استغلالاً تاماً. وتتألف القلعة من جناح علوي محاط بقلعة خارجية، يتميز كل عنصر منها بتنوع أسلوب البناء فيه على نطاق واسع وشتات من حقب متباعدة.

هندسة القلعة

ندخل إلى القلعة من الجهة الجنوبية، حيث هناك حصن داخلي بني فوق الجزء الجنوبي المرتفع من قمة الهضبة الصخرية على شكل شبيه بالمربع تتوزع في زواياه بأبراج دفاعية مستطيلة تتوسطه باحة سماوية.

يحيط بالحصن العلوي سور، ويضمّ سطح الهضبة الصخرية خمسة أبراج صخرية، وعدد من الأبراج المستطيلة، ويحيط بالحصن الداخلي سور خارجي يحيط بأطراف الهضبة المستطيلة مزودة بمرامي سهام صغيرة.

ارتبطت مدينة مصياف الصغيرة الواقعة في الوسط والغرب من سوريا تاريخياً بقلعتها والتي اشتهرت بكونها حصناً للإسماعيليين

المدخل الرئيسي يقع في الزاوية الجنوبية، وهو مكون من قاعتين كبيرتين بينهما ممر إسلامي عربي للقلعة الخارجية، ويتميز بالانعطاف بزاوية قائمة من القاعة إلى فراغ يوزع المسارات داخلها عبر طريقين؛ الأول، يتجه شمالاً بطول 65 متراً حفرت أجزاء منه بالصخر وفي نهايته توجد قاعة كبيرة ثالثة. والثاني، يتجه جنوباً وقد نقر بالصخر أيضاً، ويسمح بالوصول للجزء العلوي عبر درج ضمن الكتلة الصخرية.

وتمّت تقوية السور الخارجي عبر مراحل تاريخية عديدة وتنوعت حجارتها بين ضخمة وصغيرة.كذلك تمت تقوية السور القديم بجدران مضاعفة في القلعة الداخلية والخارجية لتواكب تطور العمارة العسكرية.

و يذكر الدكتور مصطفى غالب في كتابه "أعلام الإسماعيلية" أنه "في مطلع القرن الثالث عشر تمّ بناء قصر في القسم العلوي يتميز ببوابته الجميلة والمزينة بنقش كتابي يعود إلى كمال الدنيا والدين (الحسن بن مسعود). كذلك أنشئت منطقة محصنة شيد فيها حمام يعود بتاريخه لمنتصف القرن الثالث عشر، زمن الظاهر بيبرس إبان الخروج التتري من المنطقة. كذلك تم بناء مجموعة من الشرفات الدفاعية المتسلسلة."

ووفقاً لنفس المرجع أصبحت القلعة مقراً للأسره الحاكمة، بيت الأمير مصطفى الملحم من الأسرة الإسماعيلية النزارية، في القرن الثامن عشر، وتحديداً عام 1793 حتى مجيء الانتداب الفرنسي عام 1920، حيث أفرغت القلعة من ساكنيها.

تاريخ القلعة

تعود فترة بناء القلعة إلى الفترة الرومانية، وتحديداً عام 44 قبل الميلاد، كما يذكر عالم الآثار الألماني، فولفغانغ مولر- فينر، في كتابه "القلاع أيام الحروب الصليبية": "إن البيزنطيين بعد الانفصال عن روما وجدوا القلعة قائمة من العهد الروماني معتمدين على مراكز عسكرية كالقلاع والحصون" حيث بنيت كقاعدة عسكرية لتأمين الطرق العابرة بين الساحل والداخل، عدا عن تأمينها شبكة مواصلات ومسالك كانت هامة لهم؛ أهمها طريق طرابلس الشام مروراً بوادي النصارى، وكذلك طريق الشمال باتجاه أنطاكية وحلب، والداخل باتجاه سهل حمص عبر قلعة بعرين، ما أعطاها أهمية اقتصادية إضافة لأهميتها العسكرية.

انتقلت السيطرة على القلعة بعد الغزو الإسلامي لبلاد الشام لصالح العرب. ولم تشكل القلعة أهمية خاصة حتى القرن الثاني الهجري حيث ظهرت بوادر ضعف الدولة العباسية وانسلاخ أجزاء منها لصالح أمراء دول الطوائف المنقطعة عن العباسيين كما يؤكد أمين معلوف في كتابه "الحروب الصليبية كما رآها العرب".

ويذكر الباحث ميشيل لباد في كتابه "الإسماعيليون والدولة الإسماعيلية في مصياف" أنه في عام 969 وقعت القلعة تحت سيطرة الأمير سيف الدولة بعد أن سيطر عليها البيزنطيون الجدد سنة 976، وانتقلت بعد ذلك لحكم الفاطميين زمن المعز لدين لله، وسيطر عليها بنو مرداس بقيادة نقفور فوكاس بعد إنشاء دولتهم في حلب. لكن الفاطميين سرعان ما استعادوها عام 1081.

وتبعت بعدها لبني المنقذ أمراء شيزر، ثم استولى عليها المغول سنة 1258 بعد اجتياحهم لسوريا، ولكن بعد انتصار المماليك عليهم في عين جالوت أعادوا بناءها على زمن الظاهر بيبرس. وفي القرن السادس عشر انتقلت القلعة لحكم العثمانيين فأصبحت مركز نيابة. وفي زمن الانتداب الفرنسي (1920- 1947) أقامت فيها حامية فرنسية وتم إخلاؤها.

القلعة مقرّ للدعوة الحشيشية

دخلت القلعة تحت سيطرة "الحشاشين"، الفرقة الإسماعيلية النزارية، التي تولى إمامتها الحسن الصباح، ومقرها قلعة "أَلَموت" في إيران اليوم، وذلك بعد استخلاصها من أيدي بني منقذ عام 535هـ، إضافة إلى مجموعة من القلاع والحصون الأخرى التي أطلقوا عليها "قلاع الدعوة"كما يؤكد الدكتور هاشم عثمان في كتابه "الإسماعيلية بين الحقائق والأباطيل".

ويتابع: "بذلك تشكلت الدولة الإسماعيلية التي بلغت ذروة ازدهارها في عهد شيخ الجبل سنان راشد الدين، واسمه الحقيقي سنان بن سليمان بن محمد وكنيته أبو الحسن. ولد في قرية من قرى البصرة في العراق، ويقال في ألَموت. تخلى عن مذهب أهله الأثنى عشري، وتحول إلى الإسماعيلية على يد أحد من دعاة العراق الذي أحسن استقباله وجعله مع ولديه في طلب العلم، ما أتاح له التقرب من ولي العهد الحسن بن محمد. فلما تولى الأمر، أمره بالرحيل إلى الشام ليشرف بنفسه على أمر الدعوة فيها."

وبحسب المرجع السابق فقد وصل سنان إلى مصياف التي اتخذها مقراً له، متنكراً بزي المتصوفة الدراويش، وذاع صيته في تلك الأنحاء حتى وصل إلى مسامع أبي محمد، كبير دعاة الإسماعيلية، الذي بدوره اعتمد عليه دون أن يفصح سنان عن شخصه وطبيعة المهمة الموكلة إليه.

وبعد وفاة أبي محمد عيَّنه الإمام في ألَموت، قائداً للدعوة في مصياف التي غدت عاصمته. حيث كوَّن سنان جيشاً من الفدائيين، مدرباً أحسن تدريب، كان يستخدمهم في الدفاع عن أبناء طائفته، سواء ضد الحكام العرب والمسلمين الآخرين أو الإفرنج على حدٍ سواء.

الخلاف مع صلاح الدين وحصار القلعة

ربما يكون الخلاف الأصلي بين الحشيشية وصلاح الدين يعود لطبيعة الحركة الدينية التي تبنت مفهوم الاستعداء للجميع ورفضها للخلافة أياً كانت. وللدّور الذي لعبه صلاح الدين في إنهاء الخلافة الفاطمية في القاهرة التي كان سقوطها تحصيلاً حاصلاً؛ حيث استوزره العاضد لدين الله خلفاً عمه شيركوه، وأُعلن على المنابر مبايعة الخليفة السني في بغداد قبل وفاة العاضد بثلاثة أيام، وكذلك إحراقه للمكتبات والمخطوطات الإسماعيلية في القاهرة وتشدده الديني ومحاولته نشر التسنّن بالإكراه كما يقول الباحث مصطفى غالب في كتابه "أعلام الإسماعيلية".

دخلت القلعة تحت سيطرة "الحشاشين"، الفرقة الإسماعيلية النزارية، التي تولى إمامتها الحسن الصباح، إضافة إلى مجموعة من القلاع والحصون الأخرى التي أطلقوا عليها "قلاع الدعوة"

بينما يقول هاشم عثمان في كتابه المذكور سابقاً إن الكثير من الأمراء والحكام كانوا يستعينون بسِنان راشد الدين وفدائيّيه لتحقيق مآربهم السياسية، و القضاء على خصومهم، حيث جاء في الأخبار كما يذكر ابن العديم في "زبدة حلب" بأن كمشتكين صاحب حلب أرسل أموالاً كثيرة لسنان مقابل قتل صلاح الدين عندما هاجم حلب وحاصرها سنة 570 ه، فأرسل سنان من يقوم بذلك، لكنهم فشلوا لأن صاحب حصن "أبو قبيس" أكتشف أمر الإسماعيلية.

وبعد محاولة الاغتيال الفاشلة الثانية عند حصار "أعزاز" حيث نجا صلاح الدين بأعجوبة، عقد العزم على محاربتهم فدخل أرضهم وأحرق ودمّر وضرب بالمنجنيقات على قلعة مصياف، مقرّ شيخ الجبل سنان.

الواقع الحالي للقلعة

نشر موقع الجزيرة القطرية عن وكالة رويترز تقريراً عن القلعة بأنها لاقت اهتماماً ورعايةً دوليين، حيث قامت مؤسسة أغا خان الثقافية (وصاحبها هو الزعيم الروحي للطائفة الإسماعيلية في العالم) منذ عام 2000 بجهود كبيرة أثمرت عن تأهيل القلعة وترميمها وتدريب الكوادر المحلية وإعادة استخدام وتوظيف للفراغات فيها بغية أن تكون مقصداً سياحياً، وتقديمها للزوار بشكل جيد.

وقامت المؤسسة بشراء 12 بيتاً من الدور التي اتخذها أهل المنطقة والتي كانت تمتد حتى البوابة الرئيسية، ومن ثم هدمها لتسهيل الوصول للقلعة. وتذكر المهندسة المنسقة بيداء حسين في تصريح لوكالة رويترز أن العمل كان يجب أن ينتهي في غضون ثلاث سنوات، ولكن كثرة المكتشفات الأثرية أجلت الأمر، ولعل أهمها الممرّ السرّي الذي يربط القلعة بحصن "الفارس" الذي يبعد عن مصياف مسافة ساعة من الوقت. وكذلك اكتُشفت حمامات وشبكة قنوات مصممة لتحويل مياه الأمطار إلى صهاريج تحت الأرض.

أما اليوم فتبدو القلعة مهملة مهجورة نظراً لظروف البلاد عامة، والحرب القائمة منذ عشر سنوات ونيف، كذلك ظهور وباء كورونا والحجر الصحي وسوء الوضع المعيشي والأزمة الاقتصادية والعقوبات الخارجية التي شلت النشاط السياحي في سوريا، وجعلته بالنسبة لأغلب السوريين ضرباً من الرفاهية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard