بيروتشيما، يا أوّل الجحيم

الأربعاء 4 أغسطس 202112:11 م

مجاز النترات


في السادس من آب، من العام 1945، قرّر كبار القادة في الجيش الأميركي القيام بعمل من شأنه إنقاذ ما يقلّ عن نصف مليون جندي-بزعمهم- قد يقتلون في مواجهة الجيش الياباني الأخيرة، على أرضه. فكان إلقاؤهم القنبلة الذرّية على المدينة التي كانت لا تزال هانئة، وموت أكثر من خمسين ألفاً من سكّانها، على الفور، عدا عن موت الآلاف منهم، إثر إصاباتهم وجروحهم القاتلة التي خلّفتها مفاعيل الانفجار.

ومن غرائب الصّدف أن يكون انفجار بيروت متزامناً، إلى حدّ ما، مع ذكرى انفجار هيروشيما، أي في الرابع من آب من العام 2020، وبفارق خمسة وسبعين عاماً ويومين، ولكن في ما يشبه المصير الياباني، أعني الاستسلام، ولكن من دون حرب ضارية واضحة الأطراف والمحاور، ومن دون خطاب تضحية يمكن أن يغطّي حجم الأضرار اللاحقة بالبشر والحجر: مئتان وعشرة قتلى (210)، بل أكثر من ذلك بكثير، لو أحصينا عدد الذين توفوا بعد معاناة طويلة من جراح الانفجار، وستة آلاف (6000) جريح ضاقت بهم مداخل مستشفيات المدينة، وأقسام الطوارئ فيها، وغرف العمليات.

هذا في حال نجت من عصف الانفجار غير النووي الثالث عالمياً من حيث قوّته وشدّة تدميره. أما الأضرار في المباني والمساكن فقد طالت كلّ بيروت الإدارية، في قطر يبلغ 4 كيلومترات من مركز الانفجار، وتهدّم من الجدران والأسس ما تهدّم، وتهشّم كلّ زجاجٍ وكلّ ما علقَ به في تلك الدائرة، وجرح بنثارها كلّ من جرح. حتّى ليمكن تقدير تلك الأضرار بعشرة مليارات من الدولارات، بتسعيرة ذلك الزمن.

ومن غرائب الصّدف أن يكون انفجار بيروت متزامناً، إلى حدّ ما، مع ذكرى انفجار هيروشيما، أي في الرابع من آب من العام 2020، وبفارق خمسة وسبعين عاماً ويومين... مجاز النترات في رصيف22، انفجار مرفأ بيروت

ولكنّ الأهمّ ليس ها هنا، أعني ليس في الأضرار الهائلة وحدها، ولا في المآسي المئتين والعشر وحدها، والتي ما برحت تلقي بأوزارها على عواتق ذوي الضحايا الذين باتوا جميعاً معدومي المستقبل، ومتألّمي المدينة الحاضرة، ويسعون إلى ردّ الاعتبار للقتلى – أو الشهداء بتسمية الأهالي ولكن من دون قضية- عبر مسار قضائي متنازع عليه، بين سلطة متّهمَة بالتقصير والتواطؤ أقلّه، والخوّافة من ضمور سلطتها على رعاياها، وبين هؤلاء الأهالي وبعض من القضاء، تؤازرهما أحزابُ المعارضة والعديد من القوى النقابية حديثة الصعود، مثل نقابة المحامين والمهندسين، وسائر الناس المتعاطفين حكماً مع الضحايا، والساكتين عن جوع أو ارتهان أو غير ذلك.

الأهمّ الأغلب هنا، هو الانحلال المتمادي للدولة اللبنانية، بل للمجتمع اللبناني، بالتزامن مع انفجار المرفأ، في صدفة مروّعة ثانية؛ انهيار العملة اللبنانية في مقابل الدولار الأميركي، تُسرّعه فئة من المتلاعبين الكبار والصغار بالعملة، وتحويل المصارف الخاصة أموال المودعين إلى الخارج، وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد اللبناني المنتِج. وتلك هي الصدفة الرابعة، بعد موجة الحرائق العظمى التي طالت البلاد، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وأهلكت آلاف الهكتارات من الأراضي الحراجية، في خلال تشرين الأول من العام 2019، والتي أطلقت شرارة الانتفاضة الأولى (17 تشرين الأوّل 2019)، وأدّت إلى إسقاط حكومة الحريري.

والأهمّ أيضاً ما سوف تتكشّف عنه الأيام القادمة، من حيث الخطوات غير المسبوقة التي يمكن للحركة المضادة اتّباعها (كشفاً عن مجرمي المرفأ أو تخييراً للناس من معادلات أمنية خطرة، وتمكيناً للقضاء أو تعطيلاً لعمله، ودفعاً إلى انتخابات نيابية في موعدها أو إلغاءً لها بحجج يمكن حبكها في الوقت الباقي... الخ).

إذن، يوم 4 آب من العام 2021، وإن صحّ أنه قد يكون يوماً مفصلياً، تتجمّع فيه القوى التغييرية من أجل استذكار ضحايا الانفجار الأكبر في تاريخ المدينة والبلاد، فإنّه يُعتبر مدخلاً لا بدّ منه للمعارضة ذات التوجّهات المختلفة والمتنوّعة، إلى طرح التحدّيات الوطنية المقبلة على الصُعد كافة؛ من مثل توحيد القيادة، وإعداد برنامج نضالي تشارك في صوغه كلّ أطيافها (من مثل طرح بدائل للسياسات المالية والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، والتنظيمية، والتربوية، والنقدية، وغيرها)، وإشراك أكبر قدر من الناشطين في أعمال الإغاثة وإعادة إعمار المناطق التي أصابها الانفجار، ما دامت أجهزة الدولة اللبنانية الرسمية شبه غائبة أو عاجزة عن التدخّل لدى الفئات الأكثر تضرراً، أو باتت فاقدة صدقيّتها لدى هؤلاء، بأقلّ تقدير. 

الأهمّ الأغلب هنا، هو الانحلال المتمادي للدولة اللبنانية، بل للمجتمع اللبناني، بالتزامن مع انفجار المرفأ، في صدفة مروّعة ثانية؛ انهيار العملة اللبنانية في مقابل الدولار الأميركي... مجاز النترات في رصيف22، انفجار مرفأ بيروت

وإنْ يكنْ مشروعاً تساؤل البعض عن الحاجة إلى جَبْه التحديات المذكورة أعلاه، في حين أنّ الانفجار حدثٌ عرضيّ، يحتمل وقوعه في أيّ بلد طبيعي، فإنّ مفاد الإجابة عنه هو الآتي:

فلو كان انفجار المرفأ في 4 آب حاصلاً في ظروف طبيعية، وقد أحسنت دوائر الدولة التعاطي معه، مثلما أحسنت التعاطي مع كارثة حرائق الغابات في تشرين من العام 2019، لكانت النظرة إلى الأمور تغيّرت.

أما وقد توالت الكوارث البيئية، وحصل انفجار المرفأ وما أزهقه من أرواح بريئة وما خلّفه من أضرار هائلة استأهلت لقبه "بيروتشيما" – في ابتكار الصديق عبدو وازن- وقد استتبعه انهيار في العملة الوطنية، وانكماش مريع في الاقتصاد اللبناني، ولم تحرّك الدولة ساكناً، وكأنّ ذلك قدَرٌ لا بدّ منه، ويستوجب من رجال الدولة وأحزابها أن تقف مكتوفة الأيدي، وتنتظر ليعبر النحسُ، ثمّ تأسف أشدّ الأسف على ضحايا الكوارث المتتابعة من رعاياها، وتواصل الأسف كلّ حين، ولا تؤدّي مؤسساتها العمل المطلوب منها لحماية المواطنين وحلّ مشاكلهم اليومية قبل أن تتفاقم.

إذن، وبناء على كلّ ما تقدّم، يمكن اعتبار يوم الرابع من آب لهذا العام 2021، محطة مفصلية للشعب اللبناني، تتبلور فيه مسار السلطة، فإمّا تبلور الحلول المرحلية للخروج التدريجي من الجحيم اليومي، مثل تأليف الحكومة العتيدة، ومعالجة الوضعين المالي والاقتصادي، وإما تخوض صراعاً تزداد حدّته ومخاطره مع المعارضة الشعبية والنقابية من أجل تكوين سلطة جديدة من خلال الانتخابات النيابية القادمة. وبين هذين الخيارين ما على المواطنين سوى الاكتواء بنيران الأسعار والأزمات ومخاطر الصراعات الإقليمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard