قبل أن تلحق بسابقاتها... مبادرات أهلية لحماية بقايا الآثار اليمنية

الخميس 29 يوليو 202110:00 ص

"غالبًا ما يقف المرء عاجزًا عندما يتعرض الإرث الثقافي للدمار في زمن الحرب. رغم ذلك ثمة طرق ووسائل لحماية هذا الإرث، حتى في زمن الحرب".

إيريس غيرلاخ - معهد الآثار الألماني


تعرّضت صنعاء القديمة لاستهدافات متكررة، أغلبها عن طريق القصف الجوي لقوات التحالف العربي لدعم الشرعية، بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة، ما أدى إلى تدمير عدد من المباني التاريخيّة في المدينة القديمة.

دفع ذلك منظمات دوليّة، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو)، إلى نشر بيانات عدة، دانت فيها استهداف هذه المباني، وخطرها على الإرث الثقافي لليمن وللعالم.

تعدد الأطراف المتصارعة في اليمن بدءًا من قوات التحالف بقيادة السعوديّة، مروراً بقوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) المدعومة من إيران إضافة إلى قوات المجلس الجنوبي الإنتقالي المدعوم إماراتيًا، وصولاً إلى ميليشيات داعش والقاعدة، ترافق مع الإهمال الحكومي والمجتمعي المزمن، لمساعدة سماسرة الحرب على التوسع في نشاطهم في تهريب آثار البلاد إلى الخارج وبيعها في مزادات علنيّة، إذ فُقدت 1631 قطعة أثريّة من متاحف اليمن بين عامي 2009 و2016، ومئات القطع الأخرى المتداولة في الأسواق الدوليّة، حسب تحقيق نشره رصيف22.

وجاء في تقرير موسّع نشرته منظمة "مواطنة لحقوق الإنسان" تحت عنوان "تجريف التاريخ- انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات الثقافيّة في اليمن" أنّ استهداف الممتلكات الثقافيّة والآثار قد شكّل "إحدى مساحات الاتفاق لجميع الأطراف المتحاربة في اليمن، إذ يحضر التدمير الذي طال الآثار والمعالم التاريخيّة والمباني الأثريّة والدينيّة بوصفه أبرز مظاهر انزلاق البلاد إلى هاوية حب بلا قرار".

يظهر في اليمن مبادرات محليّة في محاولة للحفاظ على ما تبقى من آثار في ظل انشغال السلطات المحليّة بشؤون القتال والحرب 

محاولات أهلية للحفاظ على ما تبقى

في المقابل، ظهر في اليمن العديد من المبادرات المحليّة الساعية إلى محاولة الحفاظ على ما تبقى من آثار، في ظل انشغال السلطات المحليّة بشؤون القتال والحرب، وإهمالها التام للتراث المادي والثقافي للبلاد.

في هذا السياق، يقول الباحث والمؤرخ علي ناصر صوال لرصيف22 إن عددًا من الناشطين طرحوا عدّة مبادرات للحفاظ على ما تبقى من المعالم الهامة "نظرًا للإهمال الحاصل"، خصوصًا في "معبد أوام" و"معبد برأن" في محافظة مأرب. ويواصل "لكن للأسف لا يوجد أيّ تجاوب من السلطات المعنيّة، وكأنّها تنفذ أجندة لتدمير هذه المعالم".


صنعاء القديمة. تصوير دان- متاحة وفق رخصة المشاع الإبداعي

تقوم هذه المبادرات على جهود فرديّة من شابات وشبّان يمنيين مدعومين في بعض الأحيان من منظمات دوليّة مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) والاتحاد الأوروبي ومعهد الآثار الألماني وغيرهم. مثل مشروع "هوية عدن"، فهو واحد من تلك المحاولات التي نفذها ناشطون بغية الحفاظ على تاريخ البلاد الممتد إلى آلاف السنين. ويعتمد المشروع على التعريف بالإرث المعماري والفني لمدينة عدن التاريخيّة القديمة. وهو أيضاً بدعم من اليونسكو.

إلّا أنّه في أحيان أخرى، تظهر مشاريع بمبادرات فرديّة لا تتلقى أي دعم، مثل "مشروع حضارة اليمن بتقنيّة الواقع الافتراضي والواقع المعزز". وبحسب الموقع الإلكتروني للمبادرة، فإنّ تنفيذ فكرة هذا المشروع حصل بجهد ذاتي ومن دون دعم أي جهة.

يقول مؤسس المشروع عبد الله ناصر السباحي عبر الموقع الإلكتروني الخاص بالمشروع، إنّ هذا المشروع "سيساعد في أرشفة الحضارة اليمنيّة للأجيال القادمة والحفاظ عليها رقميًا والتوعية لحمايتها وصونها، كما سيسهم في تعقّب الآثار المُهرّبة ومنع بيعها في المزادات العالميّة أو نسبها إلى دول أخرى".

في مشروع مشابه، أُطلق مشروع "الأطلس الرقمي لليمن القديم" بدعم وتمويل برنامج الحفاظ على التراث الثقافي التابع لوزارة الخارجيّة الألمانيّة الاتحاديّة، وهدفه المساهمة في حماية التراث الثقافي اليمني في ظل تهديد الحرب لحياة الناس وتراثهم الثقافي.

تعدد الأطراف المتصارعة في اليمن ترافق مع الإهمال الحكومي المزمن، فاجتمعا لمساعدة سماسرة الحرب على التوسع في نشاطهم في تهريب آثار البلاد إلى الخارج وبيعها في مزادات علنيّة

استهداف مباشر

في حديثه لرصيف22 يقول الباحث والمؤرخ علي ناصر صوال، إنّه بعد أن زادت الانتقادات الموجهة للسلطات المحليّة في محافظة مأرب بشأن ما يجري لتراث وآثار المحافظة، "تم تكليف مجموعة من المختصين للخروج إلى ثلاثة مواقع أثريّة في محافظة مأرب، وهي "معبد أوام" و"معبد برأن" و"سد مأرب القديم" ورفع تقدير مُفصّل عن الأضرار التي طالت تلك الأماكن وكيفيّة معالجتها والحفاظ عليها بشكل مستمر في أسرع وقت"، لكنّه يضيف أنّه لا يثق في السلطات المحليّة "لأنّهم يتخذون ظروف الحرب كمبررات (لتقاعسهم)".

تشكّل الضربات الجويّة وأعمال التنقيب غير الشرعيّة التهديد الأكبر للمواقع الثقافيّة والتراثيّة، حسب الباحثة وعالمة الآثار في معهد الآثار الألماني، إيريس غيرلاخ، التي صرّحت بأنّ باحثي المعهد، بالتعاون مع باحثين فرنسيين، قاموا بوضع لائحة بإحداثيات المواقع الأثريّة. ومن خلال منظمة اليونسكو، تمّ تقديم هذه الإحداثيات إلى قيادة قوات التحالف في العاصمة السعوديّة، الرياض كي تتفاداها طلعات القصف والاشتباكات. تضيف غيرلاخ أنه تمّ استلام اللائحة منهم، "ولكن رد الفعل كان بأنّه لا يُمكن مراعاة مواقع الإرث الثقافي والتاريخي، في حال افتراض وجود مواقع عسكريّة في المكان".

من ناحية أخرى، قامت المملكة العربيّة السعوديّة بتوقيع مذكرة تفاهم مشتركة مع "الحكومة الشرعيّة في اليمن" التي تدعمها سياسيًا وعسكريًا، بهدف "الحفاظ على الموروث الثقافي داخل اليمن، ودعم الجهود الثقافيّة في الجمهوريّة اليمنيّة وحماية الآثار المعرّضة للخطر بالتعاون مع الحكومة اليمنيّة والجهات ذات العلاقة في الجانب اليمني".

وبرغم ذلك، استمرت الاستهدافات التي أدت إلى إصابة وتدمير 100 موقع ومعلم أثري منذ بدء الحرب حتى العام 2019، بالضربات الجوية أو بالتفجيرات، وذلك حسب رئيس الهيئة العامة اليمنيّة للآثار، مهند السياني. 

 في إحصائيّة أخرى، كشفت الهيئة العامة للآثار والمتاحف التابعة لحكومة صنعاء والتي يسيطر الحوثيون عليها، عن تدمير 66 معلمًا تاريخيًا، نصفها دُمر تدميرًا كليًا، حتى كانون الأول/ ديسمبر 2020، إضافة إلى نبش 20 معلمًا دينيًا وآثارًا إسلاميّة من قبل تنظيمات داعش والقاعدة. كما كشفت الإحصائيّة عن وجود 22 متحفًا في مناطق سيطرة الحوثيين، تم إغلاقها منذ بداية الحرب "حفاظًا على مقتنياتها"، إلّا أنّ التدمير طالها بسبب الاستهداف المباشر، حسب تصريح صحافي لنائب رئيس الهيئة، عبد الله ثابت. 


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard