أخاف من الله والبوليس... لقاء عابر مع فتاة ليل قاصر

الاثنين 26 يوليو 202106:03 م

كنت في زيارة لصديقة مخرجة وهي منفتحة على صنوف مختلفة من البشر، تصادق البواب والوزير، ومرة فاجأتني بزائر من نوع مختلف، إذ كانت تلك المرة الأولى التي ألتقي فيها إحدى هؤلاء العاملات في مجال الجنس.

لم تبد لي أسماء (اسم مستعار) مثل هؤلاء اللواتي أراهن على الشاشة، ممتلئات الصدور والأرجل، تضع الواحدة منهن كحلاً غليظاً حول عينيها، وذات شعر طويل، وترتدي فساتين قصيرة، ولا تفارق العلكة فمها، وتتحدث بميوعة.

فرصة لأتعرف عن كثب على نمط "فتيات الليل".

وجدت لقائي بها فرصة لأتعرف عن كثب على نمط "فتيات الليل"، أو العاملات بالجنس التجاري في مصر، وأختبر خيالي الذي غذته السينما، والأخلاق المحافظة، على أنهن "شراميط"، وهي كلمة مصرية، ربما تكون الأقذر في القاموس، وتعني حرفياً الخرقة القديمة المنتنة التي تستخدمها ربات البيوت لتنظيف الأوساخ، وتعني رمزياً المرأة التي تمارس الجنس بلا ضابط ولا رابط.

وفي السينما جسدت نادية الجندي بأدوارها المغوية جانباً قد يكون مغذياً لفانتازيا الرجل الجنسية ومخاوفه، فكانت المرأة الانتهازية، القاسية القلب، التي تستمتع بإغواء الرجال، وسلبهم عقولهم، واستغلال ثرائهم. في فيلم "راندفو"، كانت فتاة الليل "البلدي"، الممتلئة الجسم، والجريئة، التي تفاوض الشباب في السعر.

قصت أسماء عليّ حكايتها عندما علمت أني صحافية، كانت في الـ 15 من عمرها حينما التقيتها، تقول إنها وُلدت لأبوين في قرية بمحافظة المنوفية.

حكايات غامضة وملتبسة عن فتيات يوصمهن المجتمع بـ"الشراميط"، اُنتُهِكَت أجسادهنّ في البداية، ثم أحببن الاستغلال، وتماهين معه، ونبتت لديهن رغبة للاستفادة منه إلى أبعد مدى

لأسماء ابتسامة خجولة ضاحكة مبتهجة، ذات الكيلوغرامات التي لم تصل إلى الخمسين، ترتدي بنطال جينز وتي شيرت قطنية، وطرحة سمراء طويلة، تلفها حول رأسها.

كان مجال الدعارة في مصر مرخصاً حتى عام 1949، وكانت للعاملات فيه رخصة وأطباء متخصصون للكشف الطبي عليهن، حتى تم إلغاؤها، ويحارب الأمن المصري هؤلاء العاملات بعد سن تشريعات لتجريم عملهن.

لم أكن على علم أن العاملات في الجنس اللاتي يحتفلن بيومهن العالمي في 2 حزيران/ يونيو من كل عام، منهن قاصرات، فالحالات التي كنت أقرأ عنها هي لبالغات يتعرضن لظروف صعبة أو ممارسة جنسية أولى قهرية، وغالباً ما يعملن في هذا المجال عن طريق رجل قريب منهن، الأب أو الأخ أو الزوج، لكن أسماء كانت حالة استثنائية بالنسبة لي، لقاصر يتم استغلالها جنسياً، إلى الدرجة التي هي نفسها تشعر أنها غير مستغلة، إذ تماهت مع انسحاقها.

حكت لي أن والديها تطلقا وهي صغيرة، وسافرت أمها للقاهرة، وتزوجت من شخص آخر، وأصبح التواصل بينهما ضعيفاً.

وبرز في ذهني تساؤل: الكثير من بيوت البسطاء تعاني من التشرد العائلي، هل مصير العديد من فتيات تلك العائلات دعارة القصر؟

"كل شيء في القاهرة سيىء"

"لدى أغلب الفتيات في هذا المجال قصة وظروف اضطرارية، وليست اختيارية جعلتهن يتاجرن بأجسادهن لكسب الرزق، كممارسة جنسية قهرية في البداية أو الحاجة إلى المال"، تجيب إحدى الباحثات الاجتماعيات، التي رفضت ذكر اسمها لحماية باقي الفئات التي تقدم مؤسسات المجتمع المدني لها الخدمة، من الوصم، إذ لا توجد مؤسسة في مصر تختص بالعاملات بالجنس فقط.

وأكدت الباحثة أن العاملات بالجنس لسن فقط اللاتي يحصلن على المال مقابل ممارسة الجنس، بل هنَّ أيضاً من يحصلن على مكاسب أخرى، كحماية من خطر ما أو مكان للإقامة أو ترقية وزيادة راتبها في الوظيفة، وتكون تلك البداية لهنّ في هذا المجال.

كانت أسماء متفوقة في الدراسة، تحب القراءة والكتابة، وكانت تريد أن تصبح طبيبة. كانت تعيش حياة طبيعية حتى تعرضت لاغتصاب بشع على يد عمها، وحينما علم أبوها وجدتها طرداها من المنزل وكأنها هي المذنبة.


سافرت إلى القاهرة ولم يكن معها سوى هاتف صغير وبضعة جنيهات، ذهبت إلى منزل أمها بشارع الهرم، لكن استقبال الأم كان فاتراً، ولم ترحب بإقامتها، وطلبت منها المغادرة.

" أفضل مكانين للنوم هما داخل عربات المترو من بداية الخط حتى نهايته وكذلك المسجد".

وتابعت أسماء: "خرجت من منزل أمي باكية، وظللت أطوف بلا ملجأ ولا مكان يؤويني، ليس معي نقود كافية ولا ملابس، تسولت العمل من أصحاب المحلات في ميدان التحرير، لكن كان الرفض والطرد مصيري، عرفت أن أفضل مكانين للنوم هما داخل عربات المترو من بداية الخط حتى نهايته وكذلك المسجد".

استأذنت أن تشعل سيجارة، طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، تدخن سيجار "كليوباترا" المحلي الرخيص الذي يدخنه العمال. أشعلتها في تردد وبدأت ملامحها الطفولية تتحول إلى ملامح امرأة جادة، وقالت: "قررت أن أبحث عن عمل، لكن تلقيت ردود أفعال مؤذية، فالبعض طردني، والبعض الآخر ضربني بما في يده".

وأضافت: "كل شيء كان سيئاً في القاهرة، بعد قرابة شهر من تجولي أصبح أصحاب المحلات في ميدان التحرير معتادين عليّ، عرض أحدهم أن أعمل في محل ملابس، وهناك تعرفت على صديقة جديدة وأصبحت أبيت في شقة قريبة لها بحلوان. في هذا المحل كنت أقاوم عروضاً كثيرة لممارسة الجنس في (أوردرات) مسؤولة عنها صاحبة المحل وزوجها، بعد عدة أسابيع يئسا من موافقتي وطرداني".

في بيت قريبة صديقتها أقامت طوال ثلاثة أشهر، كانت صاحبة البيت سخية ولا تطلب منها مقابلاً مادياً للسكن، وهي منفصلة عن زوجها، ولديها ابنة تعيلها، لكن بعد فترة زادت الضغوط المالية، ومن جانب آخر كانت أسماء تتعرض لإلحاح شديد من صديقتها للمساعدة في مصروفات البيت، والخروج لـ "أوردرات" مع طالبي الجنس، وهو ما وافقت عليه أخيراً كيلا يتم طردهما من البيت.

الليلة الأولى

ذهبت أسماء بصحبة صديقتها لشقة يقيم بها رجل أعمال خليجي في القاهرة، شربت "ريد واين" معه، ودخنت سيجارة حشيش للمرة الأولى، ثم بدأ في ملاطفتها وهي شبه غائبة عن الوعي، كانت ترى كل شيء لكنها لا تقاوم، وبعد فترة، لم تدر بنفسها إلا وهي في سيارة صديقتها ومعها خمسة آلاف جنيه (350 دولاراً تقريباً) وهي في الـ 13 من عمرها.

مرة تلو أخرى، كانت أحياناً اللقاءات مع زبائن مختلفين، ولا تعدو كونها مجرد محادثة، يدفع لها فيها أحدهم ألفي جنيه (150 دولاراً)، تقول: "في شهر واحد كان معي 60 ألف جنيه (أربعة آلاف دولار)، سددنا بدل الإيجار، ودفعنا مقدماً، واشتريت ملابس من ماركات عالمية، وبارفانات وذهباً، وإكسسوارات، جعلتني أبدو هانماً".

وتضيف: "كانت تفتح لي أبواب المطاعم الفاخرة في حي المهندسين ومصر الجديدة والفنادق الكبيرة، كنت آكل أفخر أنواع الأكل، وأضحك على الأيام والشهور الطويلة التي كنت أنام بها تحت جدران المترو والرطوبة تكسر عظامي أو داخل عربة المترو".

خوف أسماء الأكبر هو مواجهة رجال الشرطة، عندما تعود بمفردها ليلاً تخشى أن يشتبه بها أحدهم، ربما لم تكن تدري – آنذاك- أنها خاضعة لجريمة الاتجار بالبشر لقانون 64 لسنة 2010، التي لا تعتبر بموافقة القاصر على ممارسة الجنس متى استخدم معها أي وسيلة من الوسائل المنصوص عليها في القانون من التلاعب بها والاستغلال، بحسب تصريحات رضا الدنبوقي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية لرصيف22.

وهي الحالة التي خضعت لها أسماء، والتي تم استغلالها والتلاعب بها مقابل إغراء بالمال، سواء من رجال نافذين في مواقع سلطة أو من أصدقاء بالغين.

وفقاً لتقارير الأمم المتحدة فإنه في عام 2012 وصل عدد ضحايا الاتجار بالبشر إلى 2.4 مليون شخص، تم خطف وبيع أكثر من 80% منهم للقيام بأعمال جنسية، كما قالت منظمة العمل الدولية، إن حوالي 21 مليون شخص يعدّ ضحية للخطف والسخرة و22% منهم (4.5 مليون) هم ضحايا استغلال جنسي قسري. ومع ذلك فإن هذه الأرقام لا تزال غير دقيقة نتيجة لصعوبة جمعها.

ترتدي أسماء الحجاب، وتدعو الله طوال جلوسنا أن يسامحها ويغفر لها، تقول: "مع كل كمين شرطة بقول ربنا يستر واحط إيدي على قلبي واخاف"

وأشار الدنبوقي إلى أن الفتيات اللواتي هن أقل من 18 عاماً، العاملات في مجال الجنس، خاضعات لقانون الطفل المصري، وينبغي أن تشملهن رعاية الدولة، وأن تحميهن، وتضعهن في أماكن رعاية ودور إيواء، لكن هذا لا يحدث، فأحياناً يتم تحرير محاضر "آداب" ضدهن، والقبض عليهن، وقد يُدفعن إلى "سجن الأحداث" بدلاً من التعامل معهن كونهن ضحايا.

وترى الباحثة الاجتماعية أن صناعة عاملة بالجنس واسعة ومعقدة في مصر، لا تتطلب بالضرورة الحاجة إلى المال، فهناك عاملات في مهن أخرى يتم استغلالهن جنسياً، كعاملات المنازل أو بائعات متجولات، ويجري إجبارهن على العمل بالجنس مقابل الحماية أو المال أو السكن وغيرها أو فتيات يقدمن الجنس مقابل الترقيات، وامتيازات مهنية، كأن تكون موظفة تقدم الجنس لمديرها مقابل ترقية.

في البداية تتعرض أغلبهن لمضايقات أو اغتصاب محارم أو من أصحاب العمل، تكون ممارسة جنس قهرية ثم تقرر الفتاة أن تمارس العمل بالجنس بمقابل المال.

بعد فترة من عملها بالجنس، استطاعت أسماء تكوين علاقات مع ضباط بالجيش والشرطة في دقائق قليلة، وقد يسلمها أحدهم لآخر ويوصي بها، تقول: "كنت أحياناً أجلس على طاولة في بار معروف في المهندسين، ومعي 3 لواءات يتخطون الخمسين، يتمنون مني إشارة، لكن كل عروضهم كانت مقيدة لحريتي، مثل أحدهم عرض عليّ مبلغاً شهرياً مقابل أن أصبح رفيقة له، ودون أن أخرج من البيت، لكن حتى أضمن ولاءهم وعروضهم وحمايتهم أحياناً، كنت أماطلهم، وأخرج معهم جميعهم في وقت واحد، وأستمتع بمبارزتهم في عروضهم".

حكايات غامضة

كانت أمنية أسماء هي الزواج، تقول إنها تخاف كثيراً حينما تمر بكمائن الشرطة أن يشتبه بها أحدهم، "مع كل كمين يعدي عليّ بقول ربنا يستر واحط إيدي على قلبي واخاف"، ترتدي الحجاب، وتدعو الله طوال جلوسنا سوياً بأشياء كثيرة، مثل أن يسامحها ويغفر لها، كان لديها إيمان بالله، وخوف منه، من نوع مختلف.

تحلم أسماء بالزواج من شخص لا يبالي بما تفعله بجسدها، بقدر ما يقدرها كإنسانة.

بعد أيام من مقابلتي لها، زفت إليّ أسماء بشرى زواجها من شاب يكبرها بخمسة أعوام، كانت تتمنى أن تكون والدتها معها في هذا اليوم، أما عن طريقة صياغة عقد القران، فتباهت أن معارفها بالجيش والشرطة سيسهلون لها إنجاز الأوراق الحكومية، كان عمرها أقل من 16 عاماً وقتها.

تذكرت أسماء عندما انفجرت قضية حنين حسام ومودة الأدهم، المعروفة إعلامياً بفتيات "التيك توك"، وأثارت جدلاً كبيراً حول استغلال قاصرات في العمل بالجنس، فالحكم الذي صدر ضدهما بالسجن عشر سنوات، لاستدراج الفتيات واستغلالهن عبر البث المباشر، وارتكاب جريمة الاتجار بالبشر.

كتبت قصة أسماء عام 2015 لنفسي، واحتفظت بما كتبته، وأيضاً بما سمعته وشاهدته، طريقة تدخينها للسيجارة وجلستها، ومشيتها، تلك التي تسيل لعاب الأثرياء من أجانب ومصريين في فتاة قاصر، ولكنها في نفس الوقت تعكس الانسحاق، والذل، والتشرد.

أعيد قراءة قصة أسماء أكثر من مرة، وتستعيد ذكرياتي حيويتها في مواقف معينة، أسماء هي قصة واضحة وبارزة لآلاف الحكايات الغامضة، والملتبسة لنساء أحببن الرفاهية، والنجاح، والمكانة الاجتماعية، ولكن وجدن طريقاً عبده مجتمع ذكوري مشوه، وباباً واسعاً من الاستغلال الجنسي المستمر، الاستغلال الذي يتوغل داخل البعض منا كنساء، إلى الدرجة التي نتماهى معه، ونحبه، وتنبت لدينا رغبة استعبادية بأن نتطور فيه، لنستفيد منه.

أين الحل؟

مؤسسات المجتمع المدني لن تستطيع وحدها الحد من وجود استغلال قاصرات وبالغات في العمل بالجنس، تجيب الباحثة الاجتماعية، ولكن تستطيع الدولة تقليل وجودهن عن طريق تمكين نساء المناطق الفقيرة، اقتصادياً، بما يجعلهن يستطعن الإنفاق على عائلاتهن، ويصبح لديهن دخل لن يلجأن معه إلى العمل بالجنس، أو ترك بناتهنّ القصّر للشارع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard