بدأ سراً وأصبح برخصة ثم ألغاه إبراهيم باشا... مراحل تطور عمل البغاء في مصر

الثلاثاء 5 يناير 202102:26 م

مرّ البغاء في مصر بمراحل عدة. ربما لم تُحدَّد بدايته الفعلية، لكنه ظهر بشكل مستتر تحت حكم الرومان، ثم انتقل إلى العلن أثناء حكم الفاطميين. وفي عصر المماليك حُدّدت له أوقات معينة، حتى انتشر في الدولة العثمانية، ومن بعدها خلال الحملة الفرنسية على مصر، وبقي كذلك حتى وصل محمد علي باشا فحاربه، إلى أن صدر القرار العسكري عن إبراهيم باشا عام 1949 بوقفه نهائياً في مصر.

تسجيل البغاء رسمياً

لا يحدّد عماد هلال شمس الدين، وهو أستاذ التاريخ المعاصر في كلية الآداب في جامعة الملك فيصل في السعودية، تاريخاً لبدء البغاء في مصر، وذلك لأن المعلومات المتوفرة عنه ليست كثيرة، بينما يستدرك في حديثه لرصيف22 بالقول: "هناك إشارات إلى بغاء مقدس، حيث كانت البغايا تسري عن الكهنة الذين يعملون في خدمة معبد الإله".

ويوضح شمس الدين، صاحب كتاب "البغايا في مصر دراسة تاريخية اجتماعية (1834 - 1949)"، أن البغاء كان موجوداً في مصر طوال تاريخها، لكن في بعض الأوقات كانت السلطة تمنعه، مشيراً إلى أن ذلك حدث في عصر المماليك أكثر من مرة، إذ كانت الدولة تفرض الضرائب على البغايا، لكن بعض السلاطين كان يبطلها، ويمنعهن من العمل.

ويتابع أستاذ التاريخ المعاصر بالقول: "محمد علي باشا كان آخر من أبطل الضريبة على البغاء عام 1834، لكن الأخير عاد بشكل سري، إلى أن قنّنه الإنكليز بعد احتلال مصر مباشرة".

في السياق ذاته، يقول المؤرخ الراحل مكاوي سعيد، في كتابه "القاهرة وما فيها": "كان يُطلق على البغايا في مصر الفرعونية ′أبناء آمون′، بمعنى ′أبناء الإله′، وكن يُقسمن إلى طوائف، تسيطر على كل منها سيدة يطلق عليها ′رئيسة الحريم′"، مضيفاً "استمرت هذه المهنة وراجت في مصر تحت حكم الرومان، وكان البغاء موجوداً بشكل مستتر وغير علني، وأثناء حكم الفاطميين مصر بدأ ينتقل إلى العلن... ولم يجرم في تلك الفترة، بل فُرضت ضريبة على المكان الذي تجري فيه هذه الممارسات (بيت الزواني)، سميت بالحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية".

ويكشف سعيد تطور وضع البغايا في مصر بعد ذلك، وبعض التضييقات التي تعرضن لها، وأول تسجيل رسمي لهن، قائلاً: "في عصر المماليك أباحت الدولة البغاء في أيام الرخاء، وضيّقت عليه وطاردت العاملين به في أيام الشقاء، أما الدعارة الرسمية في مصر فكانت على أيدي العثمانيين؛ حيث كانت بيوت الدعارة تسمى ′كراخانات′، وهي كلمة تركية من مقطعين كرى بمعنى النوم، وخانة بمعنى المكان، وأول تسجيل رسمي للبغاء تم آنذاك، وكان يجري في مقر رئيس الشرطة الصول باشي الذي كان تحت إمرته أربعون رجلاً يُعرفون بـ′جاويشية باب اللوق′، من مهامهم حصر الصبية والنسوة الذين لم يناموا في بيوتهم، ويساعدهم في جمع الضريبة ثلاثة رجال يسمون ′شيوخ العرصات′".


وفي كتابه "مجتمع القاهرة السري (1900-1951)"، يقول عبد الوهاب بكر إنه "في الربع الأخير من القرن السابع عشر، كانت البغايا تسجلن في سجلات الشرطة وتحصى أعدادهن، وتحفظ الشرطة هذه السجلات التي تضم أسماء محترفي البغاء من النساء والذكور لأغراض الضرائب".

أما بالنسبة لمن يسمون "شيوخ العرصات"، يوضح بكر أن ثلاث وظائف أوكلت لهم: "يعمل أحدهم في القاهرة، والآخر في بولاق، والثالث في مصر القديمة، وكانت مهمتهم جمع الضريبة من النساء والصبية، وكان تحت إدارة قائد الشرطة، أربعون رجلاً يُعرفون بجاويشية باب اللوق، مهمتهم حصر الصبية والبغايا ومعرفة من قضى منهم الليل خارج منزله أو داخله، وظل هذا النظام سارياً حتى أبطله الوالي حسين باشا جنبلاط (1673 – 1675)".

الحملة الفرنسية تعيد تنظيم بيوت البغاء

سار الأمر على المنوال السابق، إلى أن جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر (1798 - 1801)، وتغير الحال كثيراً، كما يقول المؤرخ سعيد في مؤلفه: "أعاد الفرنسيون تنظيم بيوت البغايا، وفرضوا عليهن ملابس مميزة حتى يسهل التعرف عليهن، وسمحوا بالغناء والموسيقى، وتقديم الخمور في بيوت الدعارة، وجعلوا دخولها بتذكرة لا يعفى منها إلا من يحمل تصريحاً من السلطات الفرنسية".

"في الربع الأخير من القرن السابع عشر، كانت البغايا تسجلن في سجلات الشرطة وتحصى أعدادهن، وتحفظ الشرطة هذه السجلات التي تضم أسماء محترفي البغاء من النساء والذكور لأغراض الضرائب"... البغاء في مصر من حكم الرومان إلى الفاطميين ثم المماليك والعثمانيين والفرنسيين حتى محمد علي باشا 

ويتفق مع هذا الرأي بكر في كتابه، إذ يقول: "خلال وجود الحملة الفرنسية في مصر، قامت في غيط النوبي، المجاور للأزبكية في القاهرة أبنية للبغاء على هيئة خاصة، وفرضوا على من يدخلها رسماً معيناً، إلا إذا كان مصرحاً له بورقة يحملها صادرة من السلطات الفرنسية تبيح له الدخول دون أجر".

محمد علي باشا يعاقب البغايا

يحكي سعيد ما حدث بعد طرد الحملة الفرنسية من مصر، وتولي محمد علي باشا زمام الحكم في الدولة، قائلاً: "عندما تولى محمد علي أبقى على ضريبة البغاء، ثم ألغاها عام 1837، إلى أن بدأ البغاء في الخضوع للتنظيم والتسجيل منذ تطبيق اللائحة التي سميت بتعليمات بيوت العاهرات التي استمر العمل بها حتى ألغيت نهائياً عام 1949".

وكانت هذه اللائحة تُعرّف البغاء بأنه بغاء الذكور والإناث، أما الدعارة فالمقصود بها بغاء الإناث، والفجور هو بغاء الذكور، والفسق هو أفعال جنسية غير مشروعة، وفقاً لسعيد.

وهنا يقول بكر، في "مجتمع القاهرة السري"، إن "البغاء ظل نشطاً في عهد محمد علي، حتى أصدر في حزيران/ يونيو عام 1834، قانوناً حظر فيه الرقص العمومي للنساء والبغاء في القاهرة، وتقرّر عقاب المخالِفات له بالجلد 50 جلدة في المرة الأولى، وبالأشغال الشاقة لمدة سنة أو أكثر في حالة تكرار المخالفة، وتضمنت العقوبات إبعاد المومسات والراقصات إلى إسنا وقنا والأقصر، في محاولة من محمد علي على ما يبدو لتطهير العاصمة من هذا النشاط، أو تهميش نشاط النساء العموميات بدفعهن إلى حافة المجتمع".

في هذه الأثناء، حضر الطبيب الفرنسي أنطوان براثيليمي كلوت إلى مصر عام 1825، وكان من المشهور عنه عداؤه ومحاربته للنساء العاملات بالبغاء، وفقاً لمؤلف "القاهرة وما فيها" الذي يذكر: "كان يتهمهن بالتسبب في كثير من الأمراض الخطيرة، وكرمته الدولة المصرية بإطلاق اسمه عام 1873 على الشارع الذي يبدأ من ميدان الخازندار في العتبة إلى ميدان باب الحديد (رمسيس حالياً)، لكن مع بداية الحرب العالمية الثانية، أصبح هذا الشارع من أهم مراكز بيوت الدعارة المرخصة رسمياً في القاهرة، ولم تكن الداعرات مصريات فقط، بل شملت الأوروبيات أيضا لتقديم الخدمات للجنود والأستراليين، ومن عجائب القدر أن الشارع الذي حمل اسم عدو الداعرات (كلوت بك) أصبح ملجأً لهن".

العمل برخصة

يكشف مؤلف كتاب "القاهرة وما فيها" تطورات الوضع بعد ذلك، بقوله: "بعد ثلاثة أعوام من بدء الاحتلال الإنكليزي لمصر، صدرت لائحة مكتب ′التفتيش على النسوة العاهرات′ عام 1885، بقرار من ناظر الداخلية (وزير الداخلية)، وهي تلزم البغايا طبقاً للمادتين الثالثة والرابعة منها بتسجيل أسمائهن وإلا عوقبن، والعقاب ليس بسبب ممارسة البغاء، وإنما بسبب الممارسة دون ترخيص، ثم صدرت لائحة ثانية في 15 تموز/ يوليو عام 1896، ثم صدرت اللائحة الثالثة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، وهي الأخيرة التي عُمل بها حتى ألغيت الدعارة الرسمية".

ويوضح سعيد أن "اللواتي يمارسن هذا النشاط، يلزمهن الخضوع للكشف الطبي مرة كل شهر للتأكد من خلوهن من الأمراض التناسلية، وكان ذلك في مستشفى ′الحوض المرصود′ في حي السيدة زينب، وكانت تؤخذ عينات من أجهزتهن التناسلية للفحص، وبناء على هذا الكشف الدوري لو ثبت سلامة الممارسة للدعارة كانت تجدد رخصتها وتأخذ التذكرة الخاصة بها المدون عليها نتيجة الكشوفات التي أجريت عليها، كي تقدمها لرجال الشرطة حين يداهمون ′الكرخانة′، وكان البرمجية (البلطجية) من مهامهم مصاحبة هؤلاء وانتظارهن أمام المستشفى حتى لا تهرب منهن أي عاهرة قبل أو بعد الكشف".

ويتحدث بكر عن هذه الفترة، فيقول: "في عهد عباس الأول (1848 - 1854)، رفع الحظر عن البغاء والرقص والغناء، وعادت المشتغلات بهذه الحرف لممارسة نشاطهن في العاصمة، وزادت الضرائب التي كانت تحصل منهن، وفي ثمانينات القرن التاسع عشر انحصر اهتمام السلطات في مصر في ما يخص قضية البغاء في الجوانب الصحية فقط؛ ففي 11 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1882، صدر منشور يفيد بتشكيل لجنة للكشف على النساء العاهرات، لمنع انتشار الداء الزهري".

"سالمة يا سلامة"

يكشف سعيد قصة الأغنية الشهيرة التي تتداولها الأجيال، بقوله: "كانت البغايا تذهبن لإجراء الكشف وهن في غاية الخوف من عدم تجديد الترخيص، ومنعهن من ممارسة المهنة حتى لا يعانين من ضيق المعيشة وبطش البرمجي والعايقة، لذا عند خروجهن من هذا الامتحان العسير، كن وهن في طريق العودة يعتلين الركائب التي أحضرتهن بسعادة، ويغنين ببهجة شديدة ′سالمة يا سلامة، روحتي وجيتي بالسلامة′".

ووفقاً لمؤلف كتاب "القاهرة وما فيها": "تنقسم العاهرات في السجلات الرسمية إلى نوعين: عايقة وهي القوادة أو صاحبة بيت الدعارة، ومقطورة هي التي تمارس الدعارة، أما التقسيم الشعبي فكان على شكل هرمي على رأسه القوادة، وكان يطلق عليها ′العايقة′ أو ′البدرونة′ (صاحبة المكان والمتنفذة فيه باللغة الإيطالية)، وهي المسؤولة عن تأجير العاهرات ومراقبتهن، ثم المقطورة، ثم البرمجي وهو القبضاي أو البلطجي الذي يحميهن، ويُحصّل الحقوق في حالة عدم الدفع لأي سبب، وكانت العاهرة تصرف عليه وتعاشره لهذا السبب، وعلى الأغلب كان كل برمجي مختص بعاهرة واحدة".

وكانت أشهر أماكن بيوت الدعارة في القاهرة آنذاك الواسعة أو الوسعاية، والزرايب، والزعفرانة، ووش البركة، والجامع الأحمر، وباب الشعرية، ودرب طياب، وعطفة الجنينة، وبولاق، بحسب سعيد.

ويشير بكر، إلى أنه "في عام 1896، استبدلت إجراءات عام 1885 بلائحة جديدة نظمت شؤون بيوت البغاء، ولم تزد في كثير عن السابقة، والتي كانت تنظم الأحوال الصحية المرتبطة بهذا النشاط، بينما سجّل عام 1905 البداية الحقيقية للبغاء المنظم في مصر، فقد صدرت في نهاية ذلك العام ′لائحة بيوت العاهرات′، التي نظمت نشاط المشتغلين بالدعارة في البلاد في 28 مادة".

وصدر القرار العسكري عام 1949، بمنع البغاء في مصر، وتبعه قانون رقم 68 لعام 1951 الذي يقول عنه بكر إنه "علامة فارقة في تاريخ البغاء في مصر؛ فقد نصت المادة التاسعة منه على معاقبة كل من اعتاد الفجور أو الدعارة، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن 25 جنيه، ولا تزيد على 300 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وكانت هذه أول مرة في تاريخ البغاء تأتي فجور الذكور (أي دعارة الذكور)، إلى جانب بغاء النساء، واعتبار النشاطين جريمة يعاقب عليها القانون".

إبراهيم الغربي... أشهر قواد في مصر

يأتي كتاب "مجتمع القاهرة السري" على ذكر بدايات ظهور "القواد" في عالم البغاء، قائلاً: "جاء إبراهيم الغربي إلى القاهرة نهاية عام 1890، قادماً من كروسكو، التابعة لأسوان (أقصى صعيد مصر)، حيث كان والده يشتغل بتجارة الرقيق المحرمة منذ عام 1870، وبدأ إبراهيم حياته في دنيا الدعارة بافتتاح بيت للبغاء العلني في شارع وابور المياه في بولاق، ولم يمض عام حتى كان يمتلك البيت وآلاف الجنيهات".

ويضيف صاحب الكتاب: "في عام 1896، استأجر الغربي منزلاً كبيراً في الوسعة لتشغيل المومسات، ثم ألحق بنشاطه هذا مقهى بلدياً تعرض فيه الراقصات رقصات خليعة تستفز الغرائز، وفي عام 1912 كان يمتلك 15 منزلاً للبغاء في الأزبكية، تعمل فيها 150 مومساً، وأصبح اسمه يقترن بدولة البغاء في القاهرة، وحتى عام 1916 كان الغربي يُعرف بملك الوسعة".

يحكي شمس الدين عن الغربي قائلاً إن "القوادين والبغايا نصّبوا إبراهيم الغربي سلطاناً على عالمهم بعد الإفراج عنه عام 1918، حين تعرض للاعتقال مع عدد من المخنثين المنتشرين في حي الأزبكية عام 1916، وألبسوه تاجاً ذهبياً مرصعاً بالألماس والزمرد والياقوت، وتربع على عرش تجارة الدعارة والفسق، وحكم مملكته بديكتاتورية صارمة، وكان يسن قوانينه الخاصة، ويشرف على تنفيذها، ويعاقب من يخالفها".

ويكشف معاناة البغايا مع الغربي، حتى أنه كان يعدم بعضهن، فيقول: "جعل من أحد بيوته سجناً، وحوّل غرفه إلى زنزانات حقيقية، وكان يحكم في بعض الحالات بإعدام ضحيته، فتُرمى في غرفة تحت الأرض حتى تموت جوعاً، واستفحل أمره بعد الحرب العالمية الأولى، وأصبح له وكلاء في عواصم أوروبا يستورد عن طريقهم البغايا من كل الأجناس، وكان يدعو الأجانب للتسلية، ويقيم لهم معرضاً للفجور والفحش... وامتد سلطانه فشمل بغايا مصر كلها".

"تنقسم العاهرات في السجلات الرسمية إلى نوعين: عايقة وهي القوادة، ومقطورة وهي التي تمارس الدعارة، إضافة إلى البرمجي وهو البلطجي الذي يحميهن"... عودة إلى واقع البغاء في مصر منذ الفاطميين حتى حكم محمد علي باشا

ويتفق مع هذه الرؤية، ما نقله المؤلف سعيد الشحات، في كتابه "ذات يوم. حكايات ألف عام... وأكثر"، على لسان رسل باشا، حكمدار البوليس المصري آنذاك، والذي وصف الغربي، بقوله: "كان لهذا الرجل سلطة مذهلة في البلاد، امتد نفوذه ليس فقط في عالم الدعارة، ولكن أيضاً في محيط السياسة والمجتمع الراقي. كان شراء وبيع النساء للمهنة في كل من القاهرة والأقاليم في يده كلية، ولم يكن قراره بالنسبة للسعر يقبل المناقشة".

ووفقاً لكتاب "مجتمع القاهرة السري"، ففي منتصف عام 1924، حُكم على الغربي بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة 5 سنوات، لم يستطع تحملها فقضى نحبه في 15 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1926"، ويعقب الشحات على ذلك، بقوله: "عمّ الحزن بين المومسات والقوادين في القاهرة".

وينقل بكر تعليق رسل باشا على نهاية الغربي، قائلاً: "كان على المومسات، وقد حُرمن من الملك، أن يبحثن عن حُماة آخرين الذين بدونهم، رغم وحشيتهم، تكون المومس في كل مكان في العالم ضائعة وعاجزة".

دور وزير الشؤون الاجتماعية

بالطبع كان هناك من يحارب انتشار البغاء في مصر، خصوصاً بعد انتشاره بصورة كبيرة، ومن هؤلاء النائب سيد جلال الجيلاني الذي ظل نائباً عن منطقة باب الشعرية في القاهرة لنصف قرن من الزمان، والذي كشف الشيخ محمد متولي الشعراوي عن مواقفه، خلال حوار له مع الكاتب الصحافي سعيد أبو العينين.

"جاهد وهو يصرخ ويسب، حتى استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة بعد أن سقط طربوشه، وتمزقت ملابسه، وامتدت الأيدي إلى جيوبه، وكانت فضيحة... وقبل أن تمضي أيام كان قد أصدر القرار بإلغاء البغاء".

أجرى أبو العينيين العديد من الحوارات مع الشعراوي، جمعها في كتابيه "الشيخ الشعراوي: حكايتي مع هؤلاء"، و"رحلات الشعراوي في أوروبا وأمريكا"، ونقل عن الأخير قوله: "انتهى بسيد جلال التفكير إلى تدبير مقلب لوزير الشؤون الاجتماعية، لإحراجه ودفعه إلى العمل لإلغاء هذه الوصمة، باعتباره الوزير المسؤول الذي باستطاعته أن يصدر قراراً بذلك".

ويضيف الشعراوي: "وضع سيد جلال خطة محكمة للمقلب الذي دبره للوزير جلال فيهم؛ إذ ذهب إليه، وقال له إنه يعتزم إقامة مشروع خيري كبير، وأنه يضم مدرسة سوف يشرع في بنائها فوراً، وأن موقعها جرى تجهيزه وإعداده للبناء، وأنه يسعده أن يأتي لرؤية الموقع الذي هو ضمن المشروع، وأن أهالي الدائرة سوف يسعدهم تشريف معالي الوزير".

وبحسب الشيخ الراحل، وافق الوزير، وفي اليوم المحدد جاء وهو يركب الحنطور الذي أعده له سيد جلال كي يشاهده أهالي الدائرة ويخرجون لتحيته، وكان الاتفاق مع السائق أن يدخل به إلى شارع البغاء الرسمي "كلوت بك" وأن يسير به على مهل: "بمجرد دخول الحنطور، تصورت العاهرات أنه زبون كبير، فتدافعن عليه وتسابقن إليه، وأخذت كل واحدة تشده لتفوز به، دون أن تعرف شخصيته، وتحول السباق عليه إلى خناقة كبيرة بين العاهرات".

ويواصل الشيخ الشعراوي الذي كانت تجمعه بسيد جلال علاقة صداقة، سرد الرواية: "لم يعرف الوزير كيف يخلص نفسه من هذه الورطة، وأدرك أن سيد جلال هو الذي دبر له هذا المقلب، خاصة أن أحداً لم يتقدم لإنقاذه وتخليصه من أيدي العاهرات، وجاهد وهو يصرخ ويسب، حتى استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة بعد أن سقط طربوشه، وتمزقت ملابسه، وامتدت الأيدى إلى جيوبه، وكانت فضيحة... وقبل أن تمضي أيام كان قد أصدر القرار بإلغاء البغاء".

في المقابل، يرى شمس الدين أن هذه الرواية غير صحيحة، مشيراً إلى أن وزير الشؤون الاجتماعية ليست له علاقة بالدعارة، وأن الدعارة ألغيت بموجب أمر عسكري رقم 76، في20 شباط/ فبراير عام 1949، من إبراهيم عبد الهادي باشا، بصفته الحاكم العسكري ورئيس الوزراء آنذاك، ومتابعاً بالتوضيح أن "الدعارة كانت مقننة بقانون، ولا يلغيها وزير".

وفي سياق الحديث عن مجابهة البغاء، يقول شمس الدين إن الشخص الذي حاربه بشدة، ونجح في إحراج الحكومة أكثر من مرة، هو الشيخ محمود أبو العيون، أحد كبار علماء الأزهر، موضحاً أنه كتب مقالات كثيرة في هذا الشأن، وأجرى حوارات مع عدد كبير من وزراء الحكومة، وحصل منهم على تصريحات ضد البغاء، نشرها في كتاب، من دون أن يؤدي ذلك إلى منع البغاء بشكل مباشر، لأن معظم جهوده كانت في فترة العشرينيات، والبغاء ألغي في الأربعينيات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard