العلاقات السورية السوفيتية قبل عام 1958

الجمعة 30 يوليو 202110:06 ص

في نهاية شهر تشرين الأول من العام 1956، حطّت طائرة سورية في مطار موسكو الدولي، كان على متنها رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، يرافقه وزير الخارجية صلاح البيطار والأمين العام للحزب الشيوعي السوري خالد بكداش. وحده خالد بكداش كان قد زار موسكو قبل ذلك التاريخ، ولكن هذه الزيارة كانت الأولى لرئيس سوري في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين.

كانت الزيارة مقرّرة مسبقاً ولكنها تزامنت مع بدء العدوان الثلاثي على مصر، فاستخدمها الرئيس القوتلي لدعم موقف الرئيس جمال عبد الناصر ضد العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي. في الكرملين، قابل القوتلي الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، وطلب منه إرسال الجيش الأحمر إلى بور سعيد، واصفاً إياه بذلك "الجيش العظيم الذي هزم هتلر".

اعتذر خروتشوف من الرئيس السوري، وشرح أسباب عدم إمكانية القيام بتحرّك عسكري من هذا النوع، لأنه قد يُشعل حرباً عالمية ثالثة، كانت موسكو بغنى عنها.

في نهاية تشرين الأول من العام 1956، حطّت طائرة سورية في مطار موسكو الدولي، كان على متنها رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي.  وكانت هذه الزيارة الأولى لرئيس سوري في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين

لا نعرف إن كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قرأ هذه القصة في أرشيف بلاده، والتي رواها بالتفصيل الصحفي المصري الراحل محمّد حسنين هيكل، في كتابه الشهير عن حرب السويس. العلاقات السورية الروسية التي نشهدها اليوم لم تأتِ من فراغ وهي تعود إلى سنة 1919، عندما أطلقها الزعيم إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال ضد الفرنسيين، عبر مراسلات سريّة مع الرئيس فلاديمير لينين، مؤسس الاتحاد السوفيتي. كان هنانو على استعداد للتعاون مع أي شخص يُقدّم دعماً عسكرياً لثورته، فقد عمل مع كمال أتاتورك في تركيا، ووجد حليفاً محتملاً في فلاديمير لينين.

طلب منه سلاحاً ومالاً للوقوف في وجه فرنسا، ولكن السلاح لم يأتِ وقوبل طلبه بالرفض تماماً، كما فعل خروتشوف مع القوتلي سنة 1956.

المجتمع السوري يومها لم يكن يعرف إلّا القليل القليل عن روسيا السوفيتية. وحدهم العلمانيون السوريون، على قلّتهم، رحبوا بها وهللوا لزعيمها سنة 1917.

لم يخفَ عنهم منع حكام موسكو الجدد للمطبوعات الدينية بكافة أشكالها، إغلاقهم للكنائس ومطاردتهم للخوارنة والمطارنة، نفياً واعتقالاً وتهجيراً، وسعيهم المُعلن والدؤوب لإقامة دولة لادينية بدلاً من الدولة القيصرية البائدة التابعة للكنيسة الأورثوذوكسية. ردّت جريدة العاصمة الرسمية في حينها، التي كانت تصدرها الحكومة السورية، على المطالبين بفرض العلمانية السوفياتية على المجتمع السوري، قائلة:

"لا يسعنا نحن المقيمين في هذا القطر، البعيدين عن روسيا، أن نحكم على الحركة البلشفية إلا بما يأتينا من أخبار سواء مما يقوله الروس أنفسهم أو ما يكتبه الأوروبيون الذين عادوا من روسيا البلشفية. فاذا صدقنا هذه الشهادات، وليس عندنا سواها بما يستعان به، فإن البلشفية من أكبر آفات العمران وشرّ ما يبتلي به الشعوب. إن روسيا اليوم باتت فريسة للفوضى والجوع، وإنها شهدت من الظلم والاستبداد والقهر مما جعل من أهلها يترحمون على حكم القيصر".

العلاقات السورية الروسية التي نشهدها اليوم لم تأتِ من فراغ وهي تعود إلى سنة 1919، عندما أطلقها الزعيم إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال ضد الفرنسيين، عبر مراسلات سريّة مع الزعيم فلاديمير لينين، مؤسس الاتحاد السوفيتي

كان هذا موقف رجال الدين في سورية والطبقة السياسية الليبرالية المعجبة بالغرب. وقد مرّت العلاقات الثنائية بحالة من الركود خلال سنوات الانتداب الفرنسي، حتى وصول الرئيس القوتلي إلى الحكم في صيف العام 1943.

فور انتخابه رئيساً للجمهورية قام القوتلي بمراسلة جوزيف ستالين، طالباً دعماً سياسياً في المحافل الدولية لقضية استقلال سورية. وقد تجاوب ستالين يومها، نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية ورغبته الدخول على مناطق نفوذ فرنسا في الشرق الأوسط، فقام بإرسال مبعوث خاص عنه إلى دمشق، مزوداً بتعليمات صارمة لتقديم كل الدعم المطلوب للحكومة السورية.

صادفت زيارته مع احتفالات عيد الثورة الفرنسية، أو ما يُعرف بيوم الباستيل في 14 تموز 1945، والتي كانت مناسبة رسمية في كل من سورية ولبنان أيام الانتداب. رفض المندوب الروسي حضور العرض العسكري الفرنسي المقام في طريق الصالحية، وسط العاصمة السورية، قائلاً إن الجمهورية السورية في نظر الاتحاد السوفيتي تعتبر بلداً مستقلاً ويجب ألا تحتفل بأعياد الآخرين على أرضها. كما رفض مقابلة أي مسؤول فرنسي خلال زيارته، مقتصراً اجتماعاته على الرئيس القوتلي ووزير خارجيته جميل مردم بك.

كان هنانو على استعداد للتعاون مع أي شخص يُقدّم دعماً عسكرياً لثورته، فقد عمل مع كمال أتاتورك في تركيا، ووجد حليفاً محتملاً في فلاديمير لينين

وفي نهاية تلك الزيارة، قرّر افتتاح القنصلية السوفيتية بدمشق. بعد سبعة أشهر استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) للمرة الأولى داخل مجلس الأمن، بأمر من جوزيف ستالين، لإجهاض مشروع قرار فرنسي يُمدّد فترة الانتداب في سورية.

وبعد جلاء الفرنسيين في 17 نيسان 1946 حصل فراق بين دمشق وموسكو بسبب دعم الاتحاد السوفيتي لقيام دولة إسرائيل، وخرجت مظاهرات عارمة بدمشق، استهدفت القنصلية الروسية بالحجارة والقنابل. ولكن سرعان ما تجاوزت دمشق هذا الأمر بسبب تصاعد الشعور المعادي للولايات المتحدة في سورية وغيرها من البلدان العربية، وما أشيع عن اتخاذ موسكو موقفاً أكثر اعتدالاً وانصافاً بحق القضية الفلسطينية. وفي مطلع العام 1950 وقف وزير الاقتصاد السوري معروف الدواليبي، وقال:

"إن استمر الضغط الأمريكي على العرب، لجعلهم يسيرون بالاتجاه السوفيتي، وأنا أقترح إجراء استفتاء في العالم العربي ليعرف الملأ ما إذ كان العرب يفضلون ألف مرة أن يصبحوا جمهورية سوفيتية على أن يكونوا طعمة لليهود".

 أثار هذا التصريح حفيظة الولايات المتحدة ولكن سورية أكملت في مسيرتها الثابتة نحو المعسكر الشرقي، فقامت بإبرام صفقة سلاح مع تشيكوسلوفاكيا، وتبادلت السفراء مع جمهورية الصين الشعبية، كما قامت بتوقيع عدة اتفاقيات تجارية مع رومانيا وهنغاريا وبلغاريا، وتبادلاً طلابياً مع ألمانيا الشرقية. وفي سنة 1954، انتُخب خالد بكداش، رئيس الحزب الشيوعي، نائباً في البرلمان السوري، ليكون أول شيوعي عربي يصل إلى السلطة التشريعية في بلاده.

وفي صيف عام 1957 زار وزير الدفاع السوري خالد العظم موسكو، ووقع أكبر صفقة سلاح مع السوفيات، التي لقب إثرها بالمليونير الأحمر. كان خالد العظم، وبالرغم من ماله الوفير وفكره الحرّ وميوله الارستقراطية المعروفة، لا يرى نفعاً من مجابهة المعسكر الشرقي ولا ضرراً من التحالف معه.

كان لهذه الزيارة أثراً سلبياً للغاية على العلاقات السورية الأميركية، حيث اتُهمت دمشق من قبل إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور بأنها على وشك أن تصبح "جمهورية سوفيتية." وافق الروس يومها على إعطاء الجيش السوري سلاحاً بقيمة 700 مليون دولار أمريكي، يتم تسديدها بالتقسيط المريح على مدى 12 سنة عبر عائدات الزراعة السورية.

وجدت موسكو نفسها وحيدة في الساحة السورية، لا ينازعها سفارة أميركية أو بريطانية أو فرنسيا (وقد كانت علاقة سورية قد قطعت مع الدولتين بسبب حرب السويس سنة 1956)، وقامت باستثمار هذه الفرصة لتمتين علاقتها مع النخبة الحاكمة في سورية، لتكون هي الآمر الناهي في دمشق

وفي نفس العام حصلت قطيعة دبلوماسية مع واشنطن، عند اتهام سورية لطاقم السفارة الأمريكية بدمشق بمحاولة قلب نظام الحكم. طُرد السفير الأمريكي جيمس موس من دمشق، وردّت أميركا بطرد السفير السوري فريد زين الدين.

فجأة وجدت موسكو نفسها وحيدة في الساحة السورية، لا ينازعها سفارة أميركية أو بريطانية أو فرنسيا (وقد كانت علاقة سورية قد قطعت مع الدولتين بسبب حرب السويس سنة 1956). وقامت باستثمار هذه الفرصة لتمتين علاقتها مع النخبة الحاكمة في سورية، لتكون هي الآمر الناهي في دمشق، في الأشهر الأخيرة التي سبقت قيام الوحدة السورية المصرية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard