الكتابة بالعربية عملية شاقّة... لماذا لا يصنّف نجيب محفوظ ككاتب أفريقي؟

الجمعة 30 يوليو 202110:23 ص

عند الحديث عن أدب أفريقيا المكتوب باللغة العربية، سيتبادر إلى الأذهان، أدب شمال أفريقيا، بدءاً من مصر وانتهاء بدول المغرب العربي، ولا يعلم غالبية العرب بشأن إبداعات غرب أفريقيا المكتوبة بلغة الضاد، لدول مثل تشاد والنيجر ونيجيريا ومالي وغانا وغينيا والسنغال وبوركينا فاسو، ووجود حراك ثقافي قوي بدولتي موريتانيا والصومال.

وصارت أفريقيا خلال السنوات الأخيرة قبلة للنقاد الباحثين في الأدب، نظراً لما قدّمه الأدب الإفريقي للمكتبة الأدبية العالمية، وحصوله على جوائز عالمية كبرى، أهمها نوبل للآداب التي حاز عليها النيجيري وولي سوينكا عام 1986، ونادين غورديمر من جنوب إفريقيا عام 1993، جون كويتسي من جنوب إفريقيا أيضاً عام 2003.

إعادة أمجاد لغة الضاد

يمرّ المشهد الثقافي بالصومال بانتعاش منذ العقدين الماضيين، بحسب الأديب الصومالي حسن محمود قرني؛ حيث استضافت المدن الكبيرة معارض كتب، منتديات ثقافية وندوات أدبية، وانتشرت المكتبات العامة.

ويوضح قرني أن الأفريقيين عرفوا اللغة العربية منذ وصول الإسلام إلى قارتهم، ولكن بعد السيطرة الأوروبية، ابتعدت لغة الضاد عن الصدارة لصالح لغات المستعمر، إلا أنها ازدهرت مجدداً بفضل كوكبة من الأدباء يحاولون إعادة أمجادها، أمثال عامر صمب، زكريا إدريس وآدم الورى.

ويسود في غرب أفريقيا الشعر المتمثل في المدائح والشعر الصوفي والأرجوزات التعليمية، وفي الآونة الأخيرة ساد المقال، مع استمرار نمو الشعر وانتقاله لمواضيع جديدة، كاشفاً عن أن اتجاه جديد نحو الفنون النثرية الحديثة.

عند الحديث عن أدب أفريقيا المكتوب باللغة العربية، يتبادر إلى الأذهان، أدب شمال أفريقيا، بدءاً من مصر وانتهاء بدول المغرب العربي، ولا يعلم غالبية العرب بشأن إبداعات غرب أفريقيا المكتوبة بلغة الضاد، وبوجود حراك ثقافي قوي بدولتي موريتانيا والصومال

تدفن المواهب لأسباب تجارية

فيما تغيّر المشهد الثقافي في تشاد خلال السنوات الأخيرة، وفقاً للروائي التشادي محمد جدّي حسن، الشهير بـروزي جدي، الذي يؤكد أنه قبل عشر سنوات لم يكن هناك حديث عن رواية تشادية، فقط دواوين نشرها جيلا السبعينيات والثمانينيات ورواية واحدة لم يقرأها سوى نخبة، أما اليوم هناك بضع روايات ومجموعات قصصية، معتبراً إياها البداية الفعلية للرواية العربية التشادية.

وتعد أول رواية تشادية نشرت بالعربية عام 2004، هي "أنجمينا مدينة لكل الناس" للروائي آدم يوسف، الذي فتح الطريق أمام جيل كامل، كالروائية كوثر سالمي وطاهر النور ويوسف محمد علي المعروف باسم ماريل، وفقاً لـروزي، ويمكننا اعتبار معظم الروايات من المدرسة الواقعية، وتعد القضايا الاجتماعية الأكثر تناولاً، ثم الحرب، بينما يغلب النبش في التاريخ على الألوان الأخرى.

وتواجه الكاتب التشادي الذي يكتب بالعربية الكثير من العقبات، كقلة القراء، فالبلاد تعتمد كلياً على الفرنسية، وعقبات النشر، فدور النشر العربية لا تنشر لأفريقي يعيش في وسط القارة، وهكذا تدفن المواهب لأسباب تجارية، ولهذه الأسباب يدعو روزي لدعم الأدب الأفريقي، ونشر ثقافة القراءة ودعم المبادرات الأدبية والترجمة.

المشهد الثقافي الموريتاني مغبش 

ورغم الحراك الثقافي الموريتاني لازال المشهد الثقافي مغبشاً، ويواجه صعوبات، كتنازل القطاع الرسمي المسؤول عن رعاية وتطوير الثقافة لصالح مجموعات من الانتهازيين، وشخصيات سياسية لا علاقة لها به، بحسب الروائي الموريتاني، الشيخ نوح.

يمرّ المشهد الثقافي بالصومال بانتعاش منذ العقدين الماضيين؛ حيث استضافت المدن الكبيرة معارض كتب، منتديات ثقافية وندوات أدبية، وانتشرت المكتبات العامة

ولا تنفي تلك العقبات حصاد أعمال أدبية موريتانية لجوائز عربية مهمة، منها: روايتيْ "تيرانغا" و"كتاب الردة" لمحمد عبد اللطيف، رواية "عناقيد الرذلة" لأحمدو ولد الحافظ، وشعرياً هناك تجارب مهمة مثل "غرابيل مسقوفة بالثقوب" للشاعر اماعلي حاجب و"عبور إلى الذات" لداوود التيجاني.

ويؤكد نوح أن انتقال المجتمع من نمط العيش البدوي والريفي الاستعبادي، قبل تأسيس الدولة مطلع الستينيات، إلى نمط العيش التقليدي بشكل غير مدروس، وما نتج عنه من أنماط اجتماعية غاية متنافرة، أحد الثيمات الأكثر تناولاً في الأدب الموريتاني.

ويعلل تلك النظرة لكتابات موريتانيا ودول "الهامش"، بنوع من عدم المركزية في السياق العربي بشكل عام، بغياب استراتيجية رسمية وعدم وجود مواكبة إعلامية، التقصير في الترويج للإنجازات الأدبية والثقافية، غياب رؤوس الأموال اللازمة وحاجة الأدب الأفريقي للتركيز عليه من قبل الحكومات والقطاعات المعنية، وإعطاء المبدعين المكانة اللائقة وتشجيعهم، مؤكداً صعوبة أن يتفرغ المبدع الغارق في الوحل اليومي للخلق والإبداع، مشيراً إلى أنه قد يبتلعه اليومي بشكل نهائي، ولذا ماتت مشاريع إبداعية كثيرة تحت عجلة قطار المشاكل اليومية.

 غينيا بين مستعرب ومتفرنس

  بينما يشهد الوسط الثقافي بغينيا صراعاً كبيراً بين المثقفين، كما يوضح الأديب الغيني والباحث في التراث والقضايا الأفريقية، د. محمد صالح جالو، الشهير بـ"ضيف الله الغيني"، معتبراً أن الثقافة الغينية انقسمت إلى مستعرب ومتفرنس، وكل منهما يحمل ثقافة مستوردة يؤمن بها حد اليقين؛ باسم الدين أو باسم الحضارة، ما يخرق الثقافة الزنجية الجميلة، وهذا فشل مؤلم؛ فالمدارس والمناهج والكتب الدراسية سيئة، وحرية الفكر والنقاش وقبول الآخر المخالف غير موجود أصلاً.

يسود في غرب أفريقيا الشعر المتمثل في المدائح والشعر الصوفي والأرجوزات التعليمية، وفي الآونة الأخيرة ساد المقال، مع استمرار نمو الشعر وانتقاله لمواضيع جديدة، كاشفاً عن أن اتجاه جديد نحو الفنون النثرية الحديثة

وتعاني غينيا كوناكري من ركود ثقافي؛ حيث يؤكد ضيف الله أنها أصبحت في مؤخرة الركب الثقافي الأفريقي، موضحاً أن الأقلام الغينية التي كتبت عن الإنتاجات الأدبية كانت بحكم التخصص، لافتاً إلى أن غينيا تفتقر إلى أدباء وكتاب حقيقيين، فقط شذرات من المقالات المنتشرة في مواقع التواصل، آملاً من بعض الشباب الغينيين أن يسدوا هذا الفراغ الفكري الأدبي.

الثقافة العربية عابرة للقارات

من جهته، يعتبر الشاعر المالي عبدالمنعم حسن محمد، أن الثقافة العربية عابرة للقارات، منذ زمن الإمبراطوريات الإسلامية التي حكمت مالي وغانا والسنغال وغيرها، وامتداداً لهذا التأثير، ما تزال اللغة العربية وآدابها فاعلة ومؤثرة في نطاق واسع.

وبشأن واقع الشعراء والأدباء في أفريقيا، يرى عبدالمنعم حسن أن التجربة الكلاسيكية هي السائدة إلا أن ملامح التجديد بدأت بالظهور، وبقليل من الدعم وتسليط الضوء على ما ينتجه كتاب العربية في أفريقيا عموماً وفي مالي بصفة خاصة، فستظهر أسماء جديرة بالمتابعة والإشادة.

ويؤكد الشاعر المالي أن أبرز التحديات التي تواجه كتاب الأدب في أفريقيا هي المؤسسة التي ما زلت تكرس نمطاً محدوداً ونموذج الأدب التقليدي، وما زالت مدارس العربية وكلياتها تابعة للفكر القديم والمناهج القديمة، لم تتح فرص قوية للتحرر وتحقيق ميزة اللغة العربية التي تضاهي اللغات العالمية الأخرى التي يبدع بها أدباء أفريقيا.

الشعر أسد الغابة في الساحة الثقافية

ويشير الشاعر السنغالي محمد الأمين جوب، إلى أن الوضع الشعري في السنغال لا يشذ عن نظيره في العالم العربي، حيث أن السنغاليين متألقون فيه منذ الطفولة، ويبقى الشعر أسد الغابة بين الأجناس الأدبية في الساحة الثقافية التي يسودها الأدب الإسلامي، كالوصايا والرسائل والابتهالات والمناجاة والزهد والوجدانيات والأهازيج الربانية والمدائح النبوية.

تعد أول رواية تشادية نشرت بالعربية عام 2004، هي "أنجمينا مدينة لكل الناس" للروائي آدم يوسف، الذي فتح الطريق أمام جيل كامل، كالروائية كوثر سالمي وطاهر النور ويوسف محمد علي المعروف باسم ماريل

ويؤكد جوب أن السنغال عشق اللغة العربية واعتبرها خير وعاء لحفظ تراثه ومآثره الشعورية منذ دخول الإسلام المنطقة، فحفظوا جيد الشعر والأدب العربي، وتطور هذا الشغف ليصبحوا منتجين في هذه اللغة فانطلق ركب الإبداع، مشيداً بتطور الساحة الأدبية ببلاده التي تضم أكثر من مئتي شاعر يكتبون باللغة العربية أو باللغات المحلية، وتشكيل مدارس شعرية أهمها المدرسة الدينية والكلاسيكية، والمدرسة التجديدية التي ترسم خارطة شعرية غير معهودة، من حيث المواضيع والقضايا.

وقد أسسها الشاعر اندروي المرشد أحمد عيان سي، وخلفه بالشاعر شيخ أحمد تيجان سي المكتوم، إلى الشاعر شيخ تيجان غي الذي يعتبر أول من نظّر لهذه المدرسة، وأصبح الشعر السنغال العربي يوازي الشعر العربي الجديد قوة.

كما تحتاج الساحة الأدبية السنغالية إلى نقاد يجمعون بين النقد القديم والحديث حتى يستطيعوا مواكبة المنجز الشعري، وفقاً لـجوب الذي يشيد بالمنجز الأدبي لبلاده وأهمها ديوان "لم أنته الآن" للشاعر عبد الأحد الكجوري، "الشهقة الأولى للباوباب" للشاعر حماه الله، "وهج الخواطر" لمحمد انيانغ، "ما تشظى من نشيد الكوخ" الفائز بجائزة النفري للشباب لـمحمد الأمين جوب، وعلى صعيد الرواية "رحلتي إلى الشيخ أحمد بمب" و"الهاربات من الجنة" للأديب مام مور حمدي امباكي.

ويشدد جوب على أن الاهتمام بإنتاجات شعراء أفريقيا من صلب الاهتمام باللغة العربية، داعياً لإنشاء مؤسسات أدبية تعكف على رعاية هذا الأدب، وضرورة وجود أكاديمية شعرية في السنغال، ودور طباعة ونشر تروج لهذه الأعمال، وتسليط العرب لأضوائهم الإعلامية والنقدية، إنشاء مسابقات أدبية وتعزيز حضور أدباء أفريقيا في المهرجانات العربية والدولية.

رغم الحراك الثقافي الموريتاني لازال المشهد الثقافي مغبشاً، ويواجه صعوبات، كتنازل القطاع الرسمي المسؤول عن رعاية وتطوير الثقافة لصالح مجموعات من الانتهازيين، وشخصيات سياسية لا علاقة لها به

الأدب التشادي له طابع ازدواجي

من ناحيتها توضح الروائية التشادية، كوثر محمد سالمي، أن تشاد شهدت مؤخراً ميلاد العديد من الإبداعات الأدبية، والأدب التشادي له طابع ازدواجي، أعمال تصدر باللغة العربية والفرنسية، مع كمٍّ ضئيلٍ من المؤلفات التي تصدر بغيرهما، مشيراً إلى أن أبرز الأعمال التشادية المكتوبة بالعربية:

روايتا "سندو" و"أنجمينا مدينة لكل الناس"، للكاتب آدم يوسف، روايتا "رماد الجذور" و"سيمفونية الجنوب"، للكاتب محمد طاهر النور، رواية "بقشة الفرقنا" للكاتب علي يوسف، ورواية "زمن الملل" للكاتب روزي جدي، روايات "انتقام من أجل الغرام"، "جرائم لن تغتفر"، "ساطور وسعير"، للكاتبة كوثر سالمي، وديوان "لحن يسافر في الريح" للشاعر حمزة باشر، وديوان "على موعد مع الشروق" للشاعرة مريم نكور، وديوان "ولي أمل" للشاعرة ساكنة زايد.

وتجد سالمي صعوبة في تحديد لون واحد تلتقي فيه الأعمال الأدبية التشادية، فلكل كاتب لونه، الموضوعات الأكثر تناولاً هي غالباً تاريخية، إنسانية، تنويرية فكرية، عاطفية، سياسية وفي الخيال العلمي، لافتة إلى أن هناك أعمالاً وجدت سبيل الوصول للعالمية، خاصة الصادرة باللغة الفرنسية، أما المكتوبة بالعربية فمازالت تعاني المخاض، وبقيت حبيسة الوطن، إلا عدد قليل جداً دخل النطاق الجغرافي للعالم العربي.

وتعتقد سالمي أن الكاتب التشادي يواجه تحديات أبرزها: الإهمال الحكومي، ندرة وجود دور نشر محلية جادة وغياب التشجيع المحلي والإقليمي.

 ويتفق معها الأديب التشادي الدكتور آدم يوسف، معتبراً الكتابة باللغة العربية ممارسة شاقة للأفارقة، فصوتهم لا يصل إلى العالمية، ولا تطرح أفكارهم لتناقش أو تحلل، يعتمدون على أنفسهم في النشر، ولا يجدون مناخاً ثقافياً، أو تواصلاً مع الوطن العربي إلا عبر الجاليات.

ويلفت يوسف لغياب المطابع ودور النشر، فالمبدع التشادي محروم من إيصال صوته للقارئ العربي والمشاركة بالمؤتمرات الثقافية والإعلام، ما يجعله يعيش في عزلة، بخلاف كًتاب الفرنكفونيين والأنجلفونيين في أفريقيا.

ويؤكد أن السرد القصصي العربي التشادي ما يزال في طور التشكل ولم يجد عناية مثل الشعر، سيد الأجناس الأدبية بتشاد، و تليه المقالة الصحفية والشعر الدارج، والقصة القصيرة والرواية.

وعاء للمواهب الشابة

بينما يشيد فاضل غي، الكاتب والإعلامي السنغالي، بالمشهد الثقافي في بلاده التي تعرف نهضة أدبية غير مسبوقة، خاصة بعد تأسيس نادي السنغال الأدبي، الذي يعتبر وعاء للمواهب الشابة ومتنفساً للأدباء والشعراء.

ويعتبر غي أن أبرز الأعمال الأدبية السنغالية المكتوبة بالعربية، هي رواية "جريمة ولكن..." للروائي الشاب أبوبكر انجاي، وديوان "لم أنته الآن" للشاعر عبد الأحد الكجوري، ورواية "الهاربات من الجنة" و"محطات في حياة يتيم" (سيرة ذاتية) للدكتور محمد لوح، وكتاب "محمد الأمين جوب أمير".

ويدعو غي أساتذة النقد الأدبي لتناول أعمال المبدعين السنغاليين وتقديمها للمتلقي العربي، بجانب تأسيس دور نشر ومطابع رقمية وبيت للشعر في دكار.

الأدب الأفريقي الحديث ثري ويستحق الاحتفاء بكل مكوناته، سواء كانت الأعمال مكتوبة بلغات السكان الأصليين الأفارقة، كاليوروبا والهوسا والزولو والسوتو، أو اللغات الأوروبية، كالإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، أو تلك المكتوبة بالعربية

إثنية الكاتب

ويرى الروائي والناقد الأدبي، مَنْهل حَكْرالدّور، أن المشهد الثقافي الأفريقي يعاني إرباكاً على مستوى الأنشطة الثقافية والكتابة، ومشكلات صناعة الكتاب، غلاء الطباعة وتسلط الحكومات على المنتوج الثقافي عبر الرقابة المفرطة، وعامل الهجرة والاغتراب.

ويأسف حَكْرالدّور لغياب الأدب الأفريقي المكتوب بالعربية، عن ذهن القارئ العربي والجوائز الأدبية في الوطن العربي؛ حيث ينظر إليه عبر إثنية الكاتب، فلا أحد يقول إن أدب نجيب محفوظ، أفريقي مكتوب باللغة العربية، لكن أدب عبد العزيز بركة ساكن يُصنّف كذلك.

ويشير مَنْهل إلى غلبة ثيمة الحروب والنزاعات والهجرة والنزوح وقضايا العنصرية على ذلك الأدب، ومعتبراً رواية "رامبو الحبشي" للكاتب الإريتري حجي جابر، هي أبرز الأعمال.

بينما يعتبر كريبسو ديالو، الباحث في الشأن الأفريقي، أن أدب أفريقيا ارتبط بنوع معين من الأزمات، ويغلب عليه الاتجاه الواقعي والوجودي الذي يبرز التعقيدات التي تعيشها القارة الأفريقية، بسبب الاستعمار والفساد والفقر والتعصب.

وحول نشأة الأدب الأفريقي المعاصر، يوضح  ديالو أنه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الـ19، تم الترويج لفكرة الأدب في إفريقيا من قبل العائدين من الشتات الأفريقي، مثل ألكسندر كروميل، كجزء من مشروع حضاري، وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي كان جيل "الأفارقة الجدد" ومعظمهم من جنوب إفريقيا، مثل توماس موفولو، سول بلاتجي وبيترز ابراهمز، قد تأثروا بفكرة التمدن.

ومن أقدم الروايات التي تأثرت بهذا الاتجاه "مأساة أفريقية" للكاتب ديلوموس، التي نُشرت عام 1928، أما في الخمسينيات إلى بداية السبعينيات، فتم إنشاء الجامعات وإنهاء الاستعمار، ما أنتج كتاباً يحاولون تخيل مساحة جديدة، ولكن في الثمانينيات، حدثت هجرة كبيرة للمعرفة الأفريقية من كتاب ومفكرين، وتحجيم لمساحات التعبير الثقافية.

ووفقاً لـكريبسو ديالو فإن الكتاب الشباب قادرون على إعادة تعريف الأدب الأفريقي، مع التغييرات في التكنولوجيا، كما اكتسب الأدب الأفريقي الحديث شهرة في جميع أنحاء العالم، عززها فوز سوينكا بجائزة نوبل للآداب عام 1986.

ويُحمّل الباحث الأفريقي المؤسسات الثقافية العربية مسؤولية تجاهل المبدعين الأفارقة، وخاصة وزارات الثقافة العربية التي أدارت ظهورها للشؤون الثقافية الإفريقية، وتخاذل الملحقين الثقافيين بالسفارات العربية عن إقامة علاقات ثقافية مع أفريقيا، وجهل معظم النقاد العرب بأسس ومكونات الأدب الأفريقي.

ويركّز الأدب الأفريقي المكتوب بالعربية، على الصراعات الاجتماعية والسياسية والتاريخية، ويُرجح ديالو تهميشه إلى ضعف وانعدام المؤسسات الثقافية في تلك البلدان، ما يحتّم على الكاتب نشر كتابه بالخارج، أو نشره في الداخل وتحمّل التكاليف، لكن مع شيوع منابر السوشيال ميديا أو منصات التدوين الحر، اتجهت غالبية الكتاب الجدد لإنتاج أعمالهم ألكترونياً.

ختاماً يمكننا القول إن الأدب الأفريقي الحديث ثري ويستحق الاحتفاء بكل مكوناته، سواء كانت الأعمال مكتوبة بلغات السكان الأصليين الأفارقة، كاليوروبا والهوسا والزولو والسوتو، أو اللغات الأوروبية، كالإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، أو تلك المكتوبة بالعربية.

ورغم التحديات التي تواجه أدب القارة السمراء، ولا سيما في غرب أفريقيا، إلاّ أن عدداً من الأدباء الأفارقة نجحوا في الوصول للعالمية، وأبرزهم: الأديب النيجيري تشينوا أتشيبي صاحب رواية "الأشياء تتداعى"، السنغالية مريم با، النيجيرية تشيماماندا نغوري، السنغالي ليوبولد سينغور، الصومالي نورالدين فرح، الغاني أي كوي آرما، الكونغولي آلان مابانكو والكيني ثيونغو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard