"موظف ولا أستطيع أن أذبح"... مشاعر "الأضحية" مصطبغة بالأزمات في غزة

الاثنين 19 يوليو 202104:24 م

الأضحية في غزة، دوناً عن غيرها من الطقوس الدينية، محملة بمشاعر ومعانٍ، اقتصادية واجتماعية ونفسية، ناهيك عن الدينية، بيد أن الإقبال على الأضاحي في غزة التي تلملم جراحها عقب عدوان مايو/ أيار 2021 يشهد تذبذباً، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، التي حالت دون تمكن أعداد كبيرة من الغزيين من تنفيذ هذا الطقس، فيما نشطت الجمعيات الخيرية التي ستوزع لحوم الأضاحي على العائلات "المستورة" و"المتعففة".

تعلم زكي الغرباوي منذ الصغر أن الأضحية سُنة مؤكدة، وإرضاء لله، واعتاد على أن يوزع لحمها على أبناء الحي الفقراء والأقارب، الذين يعانون أوضاعاً معيشية صعبة .

"أشعر براحة نفسية وطمأنينة بعد ذبح وتوزيع الأضحية، أستشعر مباركة الله لي ولأسرتي ولرزقي ومالي"، يقول الغرباوي لرصيف22، معبراً عن خشيته أن تسوء الأوضاع الاقتصادية أكثر فأكثر، وألا يتمكن في السنوات القادمة من التضحية.

يرى الغرباوي أن توزيع طعام الأضاحي يعزز من القيم الإيجابية والتكافل الاجتماعي، خاصة أن الوضع الاقتصادي صعب، والبطالة أثرت بشكل كبير على عامة الناس، فكثير من أصدقائه وأقربائه الذين كانوا يشاركونه في الأضحية، لم يتمكنوا من ذلك هذا العام.

في غزة، يحدد قدرتك على الأضحية مستواك الطبقي، يحلم لؤي يوسف كل عام أن يضحي، ولكن ضيق ذات اليد يحول دون ذلك، يقول لرصيف22: "أنا أمثل الطبقة المتوسطة، كثيرة العدد في غزة، فأغلب سكان القطاع فقراء، وإذا كنت أنا الموظف ليس بمقدوري أن أضحي فكيف حال الفقراء المعدمين".

هكذا، يفكر البعض في مثل هذه الأيام، في أحواله وظروف البلد الاقتصادية، يضيف: "منذ سنوات يعاني الموظفون بشكل عام، سواءً موظفو السلطة الفلسطينية أو حكومة غزة من خصم بنسب متفاوتة من رواتبهم، الأمر الذي جعلهم يرتبون أولوياتهم في الحياة، فالمأكل والمشرب والمسكن والملبس والتطبيب تأتي كأولوية أولى لدى المواطن الغزي، ولا يمكن المجازفة بأي مبلغ مالي فائض، هذا وإن وجد للتضحية، فأنا لا أدرك ما قد يحل بي مستقبلاً".

يأمل يوسف أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية يوماً ما قريباً، ويزول الحصار والانقسام والاحتلال، حتى يعود الموظفون مثله إلى سابق عهدهم، ويضحون، ويوزعون لحوم الأضحية على الآخرين.

موسم للفقراء

تكشف أرقام توزيع الأضاحي للجان المنظمة أكثر المناطق المتضررة اقتصادياً. يشير مدير لجنة الزكاة في مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، أبو عبد الله أبو خاطر، إلى وجود 4800 أسرة مسجلة لديه، تريد توزيع لحوم الأضاحي عليها.

"لو توفرت مساعدات أكبر، وكميات لحوم أكثر، سيكون التوزيع لأغلب سكان المخيم، الذي يعد الأكبر في قطاع غزة، وفيه معدلات فقر عالية جداً"، بحسب أبو خاطر.

يأمل يوسف أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية يوماً ما، ويزول الحصار والانقسام والاحتلال، حتى يعود الموظفون مثله إلى سابق عهدهم، ويضحون، ويوزعون لحوم الأضحية على الآخرين

"توجد عائلات معدومة تنتظر من العيد إلى العيد حتى تتذوق طعم اللحم، هم أساساً لا يملكون الحد الأدنى من الطعام، كالبقوليات والخضر زهيدة الثمن، فما بالكم باللحوم".

ويقول أبو خاطر: "نقوم بتوزيع كيس لحم يزن كيلوغراماً أو اثنين على كل أسرة، بحسب عدد أفرادها، ومع ازدياد أعداد الفقراء نضطر لتقليل كميات اللحم، حتى نتمكن منالوصول لكل أسرة فقيرة".

ويشير أبو خاطر إلى أن ذلك يتزامن مع مشاريع خيرية أخرى، كالسلال الغذائية، والمساعدات النقدية، وكسوة العيد.

كميات وأسعار جيدة

"المواشي متوفرة في قطاع غزة بشكل عام، خاصة بعد قرار استيراد المواشي من جمهورية مصر العربية، وعدم الاكتفاء بالاستيراد من إسرائيل"، يقول مالك مزرعة عابدين للمواشي، وليد عابدين.

ويمتدح وليد جودة العجول المستوردة من مصر، قائلاً: "لا تقل جودة عن التي تستورد من إسرائيل، لأن مصر بالأساس تستوردها من الخارج، وليست مصرية خالصة".

وأوضح عابدين أن الأسعار شهدت تراجعاً، وذلك مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الناس من جهة، ومن الباب المنافسة في ظل توفر كميات كبيرة من المواشي من جهة أخرى.

ويوضح عابدين أن "الإقبال على شراء الأضاحي لهذا العام مشابه للأعوام السابقة، ففي كل عام أبيع ما بين 240 إلى 250 رأس ماشية، وقد شارفت على الوصول لهذا الرقم، ولكن ما لاحظته هذا العام أن أغلب الزبائن عبارة عن مؤسسات وجمعيات خيرية، فيما تراجع عدد المواطنين الذين يشترون الأضاحي وهذا مؤشر على الحالة الاقتصادية الصعبة".

الأضاحي في غزة ليست مجرد التزام ديني، ولكنها أيضاً تحدد مستواك المادي، وطبقتك الاجتماعية، ولا شك أن القادرين تمتزج لديهم أحاسيس التفوق بـ"بركة الله"، يقول أحدهم: "لما بادبح باطمّن"

وبين عابدين أن المزارع تشهد تراجعاً في الربح، بسبب الحصار المتواصل وعدم توفر السيولة النقدية لدى المواطنين، بالإضافة إلى تداعيات الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على غزة، وما تلاها من إغلاق طويل للمعابر، ووقف الاستيراد والتصدير.

تنافس

من ناحيته، قال مدير عام الخدمات البيطرية في وزارة الزراعة بغزة د. حسن عزام :" يتوفر 27 ألف رأس عجل، و18 ألف رأس غنم، في قطاع غزة وهي كمية كافة للموسم الحالي"، مشيراً إلى وجود إقبال كبير على الأضاحي هذا العام خاصة من قبل الجمعيات الخيرية.

وبين د. عزام أن الأسعار لا تختلف كثيراً عن السنوات الماضية، ولكن في الأيام القليلة التي تسبق العيد يرفع بعض التجار السعر، لوجود إقبال كبير خاصة من جمعيات خيرية تشتري كميات كبيرة بهدف توزيع الأضاحي على الفقراء، داعياً التجار إلى "التحلي بالأخلاق الوطنية والإنسانية، وعدم رفع الأسعار أو الاستغلال".

الوضع الاقتصادي

مدير المسلخ البلدي في مدينة غزة، رشاد عيد، يقول لرصيف22: "الإقبال على شراء اللحوم عقب الحرب الأخيرة أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، ومقارنة بالسنوات السابقة".

وأوضح عيد أن "بلدية غزة تشرف على الأضاحي من الناحية البيطرية والصحية، ووفق الأعداد التي سجلت لدينا للراغبين في متابعة الأضاحي، أو الذبح داخل المسلخ البلدي، يمكننا القول عن أعداد المضحين هذا العام بأنها أقل بكثير من الأعوام السابقة".

وشدد عيد على أن الاقتصاد "عصب الحياة، فالوضع الاقتصادي إذا كان جيداً يزيد الإقبال في القطاع على كل شيء، ليس فقط اللحوم، ولكن مع الوضع القائم في غزة حالياً، وتداعيات الحرب الأخيرة، والحصار المستمر منذ 15 عاماً، فإن كل القطاعات تأثرت، أضف إلى ذلك أزمات الرواتب".

وأوضح عيد أن البلدية لديها فرق تفتيش خارجي، تقوم بالتفتيش على مزارع المواشي، وحركة البيع والشراء بشكل يومي، كما أن للبلدية طواقم طبية بيطرية، تشرف على عمليات الذبح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard