مَن منكم بات يخاف الفرح مثلي؟

الجمعة 16 يوليو 202107:46 ص
Read in English:

Who Else is Afraid of Happiness?

أخرج من المنزل. أودّع الجميع وكأنّها المرّة الأخيرة، على صحّة السّلامة. أمضي يومي بحالة احتراز دائمة، ثم أعود إلى المنزل وأبدأ باسترجاع أحداث النهار: بمن احتككت؟ كم صرفت؟ هل يمكنني تحمّل تكاليف الأسابيع المتبقية لآخر الشهر؟ هل يمكنني تحمّلها والخروج مع الأصحاب الليلة؟... هل يمكنكم أنتم؟


هي جردة يومية لا بد أنكم تجرونها إذا كنتم تعيشون في لبنان. قد تقفون وتفكّرون لثانية: "يمكن بلا هالضهرة اليوم"، أو قد تردّون الدعوة إلى شرب القهوة مع صديق قديم بحجة أنكم "مشغولين كتير"، محاولين أن تهربوا من كل محاولة للاستمتاع بوقتكم.


قد تخضعون لإلحاح مَن حولكم وتجرؤون أخيراً على السّهر في مكان غير مكتظ. ولكن عندما ترون لائحة الأسعار، لا تستطيعون أن تمنعوا أنفسكم من احتساب كم حبّة دواء كان من الممكن شراؤها لابن عمّكم العاطل عن العمل، بسعر قنّينة البيرة التي تناولتموها لتوكم، أو التفكير بالبنزين الذي صرفتموه حتى وصلتم إلى مكان السهر، وكيف كان باستطاعتكم أن تخزّنوه لحالة طارئة.


قد تجرؤون أيضاً وتحمّلون إحدى الصور التي تعبّر عن كذبة السعادة التي تشعرون بها على فيسبوك، فتصلكم بعض التعليقات السلبية لتزيد الوضع سوءاً، فيها مَن يشكّك بمدى تأثركم بالوضع العام، أو بمدى شعوركم وتعاطفكم مع مَن يعانون حولكم...


كانت جدّتي كثيراً ما تختم سهراتنا بجملة "يجيرنا شرّ هالضحكات"، وكنت أجادلها دائماً معترضة على شؤم هذه المقولة. الآن، تتردّد في ذهني بعد كل مشروع أتشاركه مع آخرين.


بعد كل ما شهدناه العام الماضي كلبنانيين، من انفجار نجا منه كل حيٍّ منّا بأعجوبة، إلى انهيارٍ اقتصادي لم يسلم منه غير القلائل، ربما أصبَحتم مثلي، تخافون الفرح، تخافون التعبير عنه وتخافون أن تسمحوا لأنفسكم بالشعور به.


عودة مظاهر الحياة التي سبقت الإغلاق العام، من جلسات الأصدقاء إلى السهرات ومشاريع نهاية الأسبوع، جعلت هذا الشعور أكثر حدة لدى العديد من الشباب.

"كانت جدّتي كثيراً ما تختم سهراتنا بجملة "يجيرنا شرّ هالضحكات"، وكنت أجادلها دائماً معترضة على شؤم هذه المقولة. الآن، تتردّد في ذهني بعد كل مشروع أتشاركه مع آخرين"


تقول مريم، طالبة هندسة معمارية في الجامعة اللبنانية لرصيف22: "توقفت عن التواصل مع أحد حتى من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لفترة طويلة. أشعر أن أي محاولة خروج من حالة العزلة هذه ستنعكس عليّ سلباً".


كانت السنة الماضية صعبة على الشابة التي تبلغ من العمر 23 عاماً، لا سيما يومياتها في الجامعة اللبنانية الرسمية، والتي تُعَدّ انعكاساً مصغّراً لما يعيشه لبنان من أزمات.


الصدمات المتتالية وعلاقتها بالفرح

"الشعوب التي تخرج من أزمات جماعية، لا سيما التي تمتدّ على مرّ سنوات، تصبح علاقتها بالفرح معقّدة"، تقول آلاء حجازي، استشارية نفسية ومتخصصة في علم نفس الصدمات.


وتضيف لرصيف22: "في حال توالي الصدمات، يحاول الجهاز العصبي التكيّف فيتوقّع حصولها طوال الوقت، ويستقر في حالة ترقّب وتأهب، بانتظار الصدمة القادمة، ما يؤثر على مشاعر السعادة، والطمأنينة، والرضى، والأمل، وكذلك على مقدرة الشخص على الاتصال".


في بعض الحالات، تأتي ردة الفعل بشكل عكسي، بحسب حجازي، إذ يدخل الجهاز العصبي ومعه الجهاز العاطفي بحالة تخدير. يحاول الشخص التكيف حتى لا يشعر بالألم أو الخوف أو الفقد، ومحاولته تخدير العواطف الأليمة تؤثر بشكل تلقائي على العواطف الأخرى. "يصبح من الصعب عليه الشعور بالفرح، وبالحماسة، وبالمتعة، وحتى بالأمان".


مع الأزمات المتتالية التي مرّ بها لبنان، من جائحة كوفيد-19 وما خلّفته من خسائر، مروراً بتفجير مرفأ بيروت وما رافقه من صدمة جماعية، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية التي دفعت بأكثر من نصف اللبنانيين إلى الفقر، تعتبر حجازي أن هنالك جانباً أساسياً لا بد من أخذه في الاعتبار عند الحديث عن الخوف من الفرح، وهو عقدة الناجي، أو الشعور بالذنب الذي يرافق الناجين من كارثة أليمة. "والشعور بالذنب لا بدّ أن يؤثر على البهجة، يكتمها، يحاول كبتها، يجعلها تترافق مع غصة" تقول حجازي.


"أشعر أنني لا أريد أن أتسلّى، ولا حتّى إظهار الفرحة. في عيد ميلادي مثلاً، لم أرد أن أحتفل في أي مكان. وحتى حين احتفلت مع أصدقائي، لم أرد أن يعلم أحد بالموضوع"، يقول رمزي (22 سنة).


يتحدث طالب الحقوق في الجامعة اللبنانية لرصيف22 عن محاولته العودة إلى حياة السهر التي كانت تشكل مهرباً له في السابق. "كنت أشعر بالذنب عندما أخرج للسهر في الأماكن التي قُتِل فيها مئات الأشخاص. ربّما إذا استرجعنا حقوق شهداء المرفأ قد يسمح لنا الأمر أن نعود إلى هذه الحياة، لكن قبل ذلك لا يمكن"، يقول.


هل يمكن تخطي هذا الشعور؟

تشبّه حجازي هذا الشعور بالاكتئاب. يعتبر الشخص أنه إذا سمح لنفسه بترقب شيء مبهج، ثم تحدث صدمة جديدة ترجعه إلى الهاوية، سيكون كمَن يقع من الطابق العاشر، لذا سيغدو الوضع أفضل لو قرّر البقاء على حاله، في الطابق الأرضي.


هنالك جانب أساسي لا بد من أخذه في الاعتبار عند الحديث عن الخوف من الفرح، وهو عقدة الناجي، أو الشعور بالذنب الذي يرافق الناجين من كارثة أليمة، فـ"الشعور بالذنب لا بدّ أن يؤثر على البهجة، يكتمها، يحاول كبتها، يجعلها تترافق مع غصة"

"ولكن الحياة، وبالذات في سياق مثل الذي نعيش فيه، هي تناوب ما بين الألم وبين الفرحة، وعلى الشخص أن يسمح لنفسه بالفرحة وهو يعلم أنها لن تدوم"، تقول حجازي.


تشير حجازي أيضاً إلى خصوصية السياق اللبناني، حيث غالباً ما يُعتمَد خطاب يطالب بالنهوض وتخطّي الأزمات، قبل التعامل مع المصيبة والاعتراف بها، وحتى قبل الإقرار بحجم الصدمة. تقول: "نحن نحتاج إلى خطاب جماعي يوازن بين الإقرار بحجم التروما والألم الجماعي، وبين إفساح المجال لفسحة أمل".


يأخذ هذا الموضوع أهمية مضاعفة في سياق تتوالى فيه الأزمات دون توقف. "أؤمن جدّاً بظاهرة توارث التروما، فعندما لا تعالج التروما، وعندما لا نسميها باسمها، ولا نتطرق إلى آثارها علينا وكيف أثرت على الآباء والأمهات، وعلى أساليب تربيتهم لأولادهم، تنتقل من جيل إلى جيل"، تقول حجازي.


الصدمات التي خلّفتها الحرب الأهلية اللبنانية، والاعتداءات الإسرائيلية المتتالية، وكل المصائب التي حلّت على اللبنانيين في العقود الماضية، لم يتم التطرق إليها أو معالجتها، وآثارها تتراكم عند الأجيال القديمة والجديدة.


ولكن الأجيال الجديدة، لا سيما الشباب في العشرينات والثلاثينات، لديهم وعي متزايد بالصحة النفسية، بحسب حجازي، ابتداءً من اعترافهم بالصدمات وتسميتها كما هي، وهي الخطوة الأولى لتخطّيها، وصولاً إلى أخذ خطوات أكثر عملية للعلاج.


"أحد أسباب كون التروما مؤلمة هو أنها تكسر الإطار الوجودي، أو تكسر معنى الحياة"، تقول حجازي وتضيف: "من أجل نجاتنا، يجب أن نخلق لحظات لها معنى، ولو كانت قصيرة، أو متفرّقة، كي نستمر في الحياة، ونبقي على حقنا فيها".


أنجزت هذه المادة ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard