كيف نفهم الجدل حول مفهوم العدل الإلهي؟

الأحد 18 يوليو 202105:33 م


عرف المسلمون علم الكلام منذ القرون الأولى من الهجرة، فانقسموا إلى عدد من المدارس الكلامية المتمايزة، ومن أهمها المعتزلة، والأشاعرة، وأهل الحديث، والشيعة الإمامية، فضلاً عن فرق الخوارج والمحكمة.

القضايا الكلامية التي أثيرت في مرحلة مبكرة من التاريخ الإسلامي، لم تكن مجرّد مجادلات سفسطائية، عديمة الجدوى كما يتخيل الكثيرون في عصرنا الحاضر، بل كانت، على العكس من ذلك، نتاجاً فكرياً شرعياً لوقوع الكثير من المتغيرات على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية. من بين تلك القضايا، الخلاف حول مفهوم العدل الإلهي، والذي أثر بشكل محوري في المجالين الفقهي والسياسي على الترتيب، بما يدفعنا للتساؤل، حول حدود التفاعل بين الفكرة والواقع في التاريخ الإسلامي.

العقيدة: الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة

مما لا شكّ فيه أن جميع الفرق الإسلامية قد اتفقت مع بعضها بعضاً على أن الله عزّ وجلّ متصف بالعدل المطلق، وقد استدلّت على ذلك بالعديد من الآيات القرآنية قطعية الدلالة، ومن بينها الآية رقم 46 من سورة فصلت: "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"، والآية رقم 90 من سورة النحل "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ"، والآية رقم 29 من سورة الأعراف: "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ".

الخلاف العقائدي -الكلامي حول مسألة العدل الإلهي، تمحور بالمقام الأول حول فهم هذا العدل، فبحسب ما يذكر رجل الدين الشيعي، والفيلسوف الإيراني مرتضى مطهري في كتابه "العدل الإلهي"، فإن الفرق الإسلامية قد انقسمت إلى تيارين رئيسين فيما يخصّ تلك المسألة؛ التيار الأول، ويمثله الأشاعرة، ويعتقد أصحابه أن العدل ليس له حقيقة ثابتة بحيث نستطيع تحديدها وجعلها معياراً لأفعال الله، فكل ما يفعله الله فهو عدل؛ أما التيار الثاني، ويمثله المعتزلة والشيعة الإمامية، فيذهب أصحابه إلى إن العدل له حقيقة مستقلة، وإن الله ينجز أفعاله حسب معيار العدل.

تأسيساً على هذا الخلاف، فإن الأشاعرة أنكروا أن الأفعال أو الأشياء قد تكون حسنة أو قبيحة لذاتها، وقالوا بأن التحسين أو التقبيح لا يُحدَّد بالعقل، بل يُعرف بالأوامر الشرعية وحدها، ومما يعبر عن ذلك المعنى قول عبد الكريم الشهرستاني المتوفى 548 هـ في كتابه "نهاية الإقدام في علم الكلام": "مذهب أهل الحق –يعني الأشاعرة- أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحِه... فمعنى الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، ومعنى القبيح ما ورد الشرع بذمّ فاعله". على الجهة المقابلة، فقد ذهب المعتزلة إلى أن العقل قادر على إدراك ما في الأفعال من حسن وقبح، دون الحاجة للأوامر الشرعية.

الجدل الكلامي حول مسألة العدل الإلهي، قد انعكس على ميادين الفقه الإسلامي، وذلك في صورة التنافس بين العقل والنقل، وأولوية أيّ منهما في التشريع

وفي السياق نفسه، ذهبت المعتزلة إلى أن الفعل الإلهي له غرض وغاية، لأن أي فعل بدون غاية يكون عبثاً، ومن المستحيل أن يتّصف الله الحكيم بالعبث، وفي سبيل ذلك استدلت المعتزلة بالكثير من الآيات القرآنية التي يُفهم منها أن الله يفعل بعض الأشياء لغايات محددة، ومنها على سبيل المثال الآية رقم 56 من سورة الذاريات: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ".

أما الأشاعرة فقد أنكروا أن يكون لله سبحانه وتعالى غرض في ما يفعله، ويقول الشهرستاني في هذا المقام: "إن مذهب أهل الحقّ أن الله تعالى خلق العالم بما فيه... لا لعلةٍ حاملة له على الفعل... فلا غرض له في أفعاله، ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه". ولذلك قالوا بأن اللام المذكورة في الآية السابقة ليست لام التعليل بل هي لام العاقبة والصيرورة، أي أنه لما وجد الخلق فقد كلفوا بالعبادة، فترتب التكليف بالعبادة على وجود الخلق.

على ما سبق من مقدمات، فإن الخلاف بين الفريقين قد امتدّ ليصل إلى قضية القضاء والقدر، وللسؤالِ حول إذا كان الإنسان مسيراً أم مخيراً، ففي حين انتصر المعتزلة لجانب حرية الإرادة الإنسانية، فقالوا إن العدل الإلهي يستلزم أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، لأنه لا معنى من أن يحاسب الله العبدَ على الأفعال التي خلقها الله عز وجل نفسه، فإننا نجد أن الأشاعرة وأهل الحديث قد رفضوا ذلك الرأي، وعدّوه نوعاً من أنواع الشرك، وقالوا إن الله هو الذي يخلق أفعال العباد، وفي ذلك المعنى دوّن محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى 256هـ كتابه الشهير، "خلق أفعال العباد والردّ على الجهمية وأصحاب التعطيل"، كما ورد النص على أن "أفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد"، في متن العقيدة الطحاوية، والتي تُعدّ واحدة من أهم المتون العقائدية عند أهل السنة والجماعة.

ويعبر مرتضى مطهري عن لبّ الخلاف بين الفريقين، في قوله: "كلٌّ من المذهبين وجد نفسه حائراً بين اختيار العدل أو اختيار التوحيد الفعلي، فالمعتزلة اختاروا العدل وضحّوا بالتوحيد الفعلي. واختار الأشاعرة العكس فقدموا العدل فداءً للتوحيد الفعلي."

الفقه: أولوية العقل وفقه المصالح

يمكن القول إن الجدل الكلامي حول مسألة العدل الإلهي، قد انعكس على ميادين الفقه الإسلامي، وذلك في صورة التنافس بين العقل والنقل، وأولوية أيّ منهما في التشريع، وقد ظهر ذلك في نقطتين رئيستين، الأولى هي الاعتماد على الرأي والقياس، والثانية هي الاحتكام للعلة والمقصد.

من وجهة نظر الفقهاء الذين أخذوا بالرأي والقياس، فإنه يوجد تطابق كامل بين الشرع والعقل، ومن هنا فقد أدخل هؤلاء العلماء مسألة الحسن والقبح العقليين في علم أصول الفقه، وأعطوا هذا الحسن وهذا القبح عناوين جديدة هي المناطات والملاكات للأحكام، وقالوا إن العدل والظلم معيار للفقهِ الإسلامي، وذلك بحسب ما يذكر مطهري في كتابه سابق الذكر.

معاوية بن أبي سفيان، أول من حاول استخدام المذهب الجبري لتبرير ظلمِه

أما الفقهاء الذين تابعوا أسلافهم من المتكلمين الأشاعرة الذين ذهبوا إلى أنه لا وجود للحسن والتقبيح العقليين، فإنهم قدموا الأوامر الشرعية، وأخروا من حجية العقل والرأي، الأمر الذي نتج عنه نوع من أنواع الجمود المعيق للتحرر والتجديد.

على الرغم من ذلك، فقد عرف الأشاعرة ظهور الكثير من العلماء الأصوليين الذين عدّوا المصالح والمفاسد عِللاً للأحكام الفقهية؛ ومن هؤلاء العز بن عبد السلام المتوفى 660هـ، والذي ذكر في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام": "ومعظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها... والشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح"، وإبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى 790هـ، والذي ذكر في كتابه "الموافقات" أن: "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً.."

غير أن تلك المحاولات التجديدية، لم تتمكن أبداً من تجاوز الحدود الاعتيادية التقليدية للفقه الإسلامي المؤسس على تهميش مفهوم العدل الإلهي، وبقي النقل مقدماً على العقل في الغالبية الغالبة من الأحكام التشريعية، في ظل المقولة الرائجة "لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخفّ أولى بالمسحِ مِن أعلاه".

السياسة: القول بالجبر وتبرير ظلم الحكام

لما كانت السياسة وثيقة الصلة بالدين في الحالة الإسلامية، فقد كان من الطبيعي أن يدخل العدل ضمن المعايير المهمة في اختيار الخليفة/الإمام، وذلك تبعاً للتصور الفطري الذي ساد في القرون الوسطى، والذي يرى أن الإمام الذي يحكم في الأرض، هو خليفة الله في السماء.

القاضي أبو الحسن الماوردي (متوفى 450هـ) في كتابه "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" وضع شرط العدالة على رأس الشروط السبعة التي ينبغي تحققها في شخص الإمام/الخليفة. وفي السياق نفسه، استشهد بعض العلماء بالآية رقم 124 من سورة البقرة، والتي ذكرت الحوار بين الله والنبي إبراهيم حول مسألة الإمامة: "قالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"، إذ يذكر بدر الدين الشوكاني المتوفى 1255هـ في كتابه "فتح القدير": "وقد استدلّ بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بدّ أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً."

رغم ذلك، فأن الأغلبية الغالبة من علماء أهل السنة والجماعة قد همشوا من شرط العدالة، فصححوا ولاية الحاكم المتغلب وإن كان فاسقاً ظالماً، وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ومن غلب عليهم بالسّيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، بِرّاً كان أو فاجراً"، وذلك بحسب ما ورد في كتاب "الأحكام السلطانية" لأبي يعلى الفراء (المتوفى 458هـ).

تهميش شرط العدالة في اختيار الخليفة، ينتج عنه تعظيمٌ لقيمتينِ مهمّتين، وهما على الترتيب: القولُ بالجبر، والطاعة المطلقة لولي الأمر

إذاً، تراجعت القيمة المركزية للعدل في الخطاب السياسي السني، وذلك كاستجابة طبيعية لظروف الأمر الواقع، الذي شهد اعتلاء العشرات من الخلفاء الأمويين والعباسيين –المشكوك في عدالتهم- لكرسي الخلافة. هذا فضلاً عن وصول العشرات من السلاطين والأمراء المشهورين بالظلم والجور إلى السلطة المطلقة في العالم الإسلامي على مدار القرون، الأمر الذي سيستوجب تغيراً في النظرية السياسية السنية.

تهميش شرط العدالة في اختيار الخليفة، سينتج عنه بالتبعية تعظيمٌ لقيمتينِ سلطويتين بامتياز، وهما على الترتيب، القولُ بالجبر، والطاعة المطلقة لولي الأمر. ذلك أن الأمويين الذين سيصلون لكرسي الخلافة في 41هـ، سيروجون للقول بأن وصولهم لذلك المنصب كان قدراً مقدوراً، وفي ذلك يذكر محمود بن عمر الزمخشري (المتوفى 583هـ) في كتابه "ربيع الأبرار ونصوص الأخيار"، أن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان، كان أول من حاول استخدام المذهب الجبري لتبرير ظلمه، وذلك عندما خرج يوماً على منبره يتلو قوله تعالى: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نَنَزِّلُهُ إِلَّا بـِقَدَرٍ مَعْلُومٍ"، ثم خاطب المسلمين متسائلاً: "فعلامَ تلومونني إذا قصّرتُ في إعطائكم؟".

أما فيما يخص قيمة الطاعة، فسيتم الإعلاء من قيمتها في المدونات الحديثية السنية، فعلى سبيل المثال، سنجد "صحيح" مسلم ينسب للرسول قوله "ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة". كما ورد في موضع آخر منه الحديث المروي عن حذيفة بن اليمان: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". فلما سأله حذيفة: "كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟"، ردّ الرسول: "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع".

الحضّ على الطاعة، والصبر على ظلم الحاكم الجائر سيظهر في فتاوى كبار علماء أهل السنة أيضاً، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام، تقي الدين ابن تيمية المتوفى 728هـ في مجموع الفتاوى أن "مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح برّ، أو يستراح من فاجر".

من الجدير بالذكر، أنه وفي مقابل هذا التوجه السني الواقعي المهمش من مركزية العدل/ العدالة، فقد ظهر التوجه الشيعي الإمامي المقابل كردّ فعل طوباوي مُتخيل، إذ عرف هذا التوجه ظهور الأئمة المتصفين بالعدل المطلق في المركز من دائرته، والذين نُسجت المئات من الروايات والقصص حول عدالتهم المطلقة، تلك العدالة التي حولتهم إلى مجموعة من الأطياف الإلهية الملائكية المعصومة التي لم تعرف الذنوب ولم تقترف المعاصي منذ لحظة الميلاد وحتى لحظة مفارقة الروح للجسد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard