المجتمع الجزائري ... فن تحويل القاتل والمغتصب إلى ضحية

الأحد 11 يوليو 202106:12 م

الشرع .. الشرف والحق، هي استعارات تكبح بين أحرفها زلازل اجتماعية من جرائم القتل والاغتصاب، وتكتم أصوات الإنسانية، وتطبع كل حادثة مأساوية شنيعة وتضفي عليها صبغة الفعل السوي، فعوضاً عن غضبة المجتمع والقانون لانتهاك النساء، يطرح السؤال أولاً: ما سبب اغتصابها؟ ما الذي فعله المقتول لمرتكب الجريمة؟  قبل أن تستقر الأجوبة على تبرير الجرائم، وإعطاء المعتي فسحة من البطولة أو تحوله هو إلى ضحية لـ"انفلات" ضحيته، لتستمر هذه الظواهر في النمو في أوساط المجتمع الجزائري.

وجدت جثة الشابة شيماء في حالة متقدمة من التعفن بمدخل منطقة الثنية التابعة لمحافظة بومرداس غرب الجزائر في محطة مهجورة للتزود بالبنزين، تعرضت شيماء قبل موتها للضرب والاغتصاب، وتشهد التقارير الفنية الطبية أنها أحرقت حية.

الانتقام من الجمال

وجدت جثة الشابة شيماء في حالة متقدمة من التعفن بمدخل منطقة الثنية التابعة لمحافظة بومرداس غرب الجزائر في محطة مهجورة للتزود بالبنزين، تعرضت شيماء قبل موتها للضرب والاغتصاب، وتشهد التقارير الفنية الطبية أنها أحرقت حية.

هزت قضية مقتل صاحبة الـ19 ربيعاً الرأي العام الجزائري السنة الماضية، خاصة عقب الكشف عن تفاصيل الواقعة. وأفادت وسائل إعلام محلية أن الضحية اختطفها أحد المسبوقين قضائيا، قبل تعرضها للاغتصاب والقتل والحرق.

وفي زاوية أخرى من نظرة وتفكير شريحة من المجتمع الجزائري، أبدع رواد المقاهي ومستخدمو مواقع التواصل في تبرير الجريمة تحت ذريعة تبرج الفتاة.

وبعد الكم الهائل من التعليقات المبررة للجريمة على مواقع التواصل الاجتماعي، نشرت صفحة ’نسويات جزائريات’ تغريدة على تويتر  استنكرت من خلالها تجاوزات مبرري الجريمة، وجاء فيها ’في حادثة قتل شيماء رأينا الكثير يبررون الجريمة، تبرير التحرش، الاغتصاب، أو القتل لا يفيد لا المجتمع ولا النساء، ولا يخلق بيئة واعية أو آمنة. كل ما يفعله تبريرك هو إعطاء رخصة للمجرم يستعملها كل مرة يُدان فيها ليهرب من العدالة ويواصل أذاه الذي قد يصل لك يوما ما ..‏‎ لا يوجد تبرير للاغتصاب مهما برر البعض وكيف ما كان لبس الضحية. وحجة الغريزة والشهوة فالجميع يمتلكون غرائز الفرق أن هناك من يختار أن يتحكم ويضبط شهوته، وهناك من يختار إطلاق العنان لغرائزه البهيمية ليغتصب وحتى ليقتل. المرأة مش مسؤولة عن تغطية نفسها حتى تضبط نفسك وتتمدن".

أبدع رواد المقاهي ومستخدمو مواقع التواصل في تبرير ضرب الفتاة واغتصابها وحرقها، تحت ذريعة تبرجها.

فكر ينحدر إلى الجريمة

تتحدث ناشطة نسوية تحفظت على ذكر اسمها، وهي مختصة أكاديمية في علوم الاجتماع، حول  تبرير الاغتصاب والتحرش وربطهما بحرية المرأة والاختلاط ونوعية اللباس وغيرها من التبريرات. وترى أن الغرض منها إعفاء الجناة من المسؤولية وتحميلها للضحايا. "هذا الفكر يجد ضالته على مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن هذا الاستنتاج غير العقلاني يعبر عن شريحة كبيرة بالمجتمع المنتشي بالذكورية، التي انبثقت لعدة أسباب؛ أبرزها التكوين التربوي المبني على أولوية الرجل على المرأة وانتهاج أسلوب تسلطي على الأنثى، سواء في علاقات العمل الزواج ومختلف العلاقات التي تربط الجنسين".

وترى المختصة بعلم الاجتماع أن هذه التفسيرات التي تبرر الاغتصاب بتحرر الضحية أو نوعية لباسها، ناتجة عن "فكر قاصر أخلاقي"، و "ترتقي إلى رتبة ارتكاب الجريمة بأن تبحث لها عن تبريرات أو تفسيرات تعفيها من المسؤولية، فضلا عن كونها تهمل الأسباب العميقة للظاهرة".

وأبدت قلقها من ان ظاهرة الاغتصاب في الجزائر باتت "تتخذ منحى تصاعدي"، مضيفة "يجب على المرأة أن تعي أهمية الكشف عن هذه الممارسات حتى يتم تطويقها وكبحها، في ظل ذهاب الكثير من جرائم الاغتصاب طي الكتمان، وبقاءها حبيسة صدور الضحايا خوفاً من التبعات الاجتماعية والأخلاقية للتصريح بالتعرض للجريمة، وهو ما يحيل إلى الأفكار التقليدية المترسبة التي مازالت تحمل الضحية قسطاً من المسؤولية  في التعرض للجريمة، الشيء الذي  دفع العديد من المنظمات إلى حث الضحايا على التكلم والتبليغ عن تعرضهن للجريمة.

جريمة شرف؟

وضع نهاية الشهر المنصرم شاب في العقد الثاني من العمر حدا لحياة شابين آخرين بسكين، بعد أن دهسهما بمركبته التي أحرقها أهل الضحيتين بالكامل، في الوقت لا يزال الجاني في حالة فرار.

وحسب الصحف المحلية، وقائع الحادثة  التي كان مسرحا لها حي بوجلبانة بمدينة خنشلة شرق الجزائر، تعود إلى قيام الضحيتين بمعاكسة فتاة، لاحظ أخوها ذلك ليقوم بتشغيل محرك المركبة ودهس الشابين على الفور، ثم سل سكينا بعدما أطرحهم الاصطدام أرضا، حسب بعض الشهود، وطعنهما على مستوى البطن والصدر، ليلفظ أحدهما أنفاسه بعين المكان في حين توفي الثاني بمستشفى أحمد بن بلة .

بعد تداول الخبر ، لم يتوانَ البعض عن تبرير الجريمة الصادمة، بعدما نسبوا الحادثة إلى ’الشرف’.

’المصابون بهذه الهلوسة الفكرية تجدهم دائما ما يجادلون في أمور غير واقعية ويقدمون تحليلات وافتراضات يتصورون أنها موجودة واقعيا، لكن الحقيقة موجودة في عقولهم المريضة فقط’

تقول نوال الإخصائية النفسية لـرصيف 22  "يعد التبرير من الدفاعات النفسية التي يستخدمها المرء متوقعاً أنه الأذكى والأكثر قدرة على إقناع الآخرين بأسباب تصرفاته ودوافع سلوكياته التي قد تكون مؤذية أو سيئة، غير أن المبرر دائما ما يغفل عن أن ما يقوله للناس يعتبر من المبررات الواهية غير المنطقية والتي تتجاوز فائدتها الوحيدة مسألة خفض التوتر النفسي بداخله وممارسة آلية دفاعية يعتقد أنها تتستر على أفكاره غير السوية".

وتكمل "من أسوأ الممارسات التي قد يقوم بها مبرر الجريمة، إلى جانب كل ذلك الإنكار بمعنى ممارسة رفض الحقيقة وعدم تقبلها. لذا فالمصابون بهذه الهلوسة الفكرية تجدهم دائماً ما يجادلون في أمور غير واقعية ويقدمون تحليلات وافتراضات يتصورون أنها موجودة واقعيا، لكن الحقيقة هي موجودة في عقولهم المريضة فقط، ما يعطيهم مساحة لتصوير القاتل باعتباره مظلوماً ومضطهداً".

وفي الأخير، يعد التبرير بيئة خصبة لانتشار الظواهر الإجرامية. وللحد من هذا الفكر الذي يعتبر جريمة أخرى في حق الضحايا، فلابد من اتباع آليات تربوية واجتماعية ونفسية لضبط التوازن الأخلاقي والقيم المجتمعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard