عيدة السعيدو... دمُ العصافير يغطي أقفاص القبيلة

الثلاثاء 13 يوليو 202111:38 ص

ماتت… ماتت

لا، إنها على قيد الحياة، رصاصة أخرى في الرأس، رصاصة أخيرة في الرأس وفي الجسد الصغير الغضّ الذي لم يتجاوز الستة عشر عاماً، لم يتجاوز ربيع المراهقة.

هكذا قُتلت عيدة السعيدو في بيت مهجور، في منطقة ديريك المالكية في الحسكة. على يد الأب والأشقّاء وابن العم الذي رفضت الزواج منه.

تمّ تصويّر الفيديو ونشره، تباهت العائلة بنشر المقطع. بثّوا الرعب في قلوبنا، نحن النساء البعيدات، البعيدات، وانتصروا بالرصاص على الطفولة، وأرهقوا أحلام الفتيات المقبلات على الحياة.

كانت الطفلة قد هربت من قبل، وأمسكوا بها وتعدوا عليها بالضرب وقاموا بسجنها، ثم عاودت الهرب مرة أخرى، فقتلوها كي لا تعود للحلم بالحرية، وسقطت تتلوى على الأرض السوداء، حيث لا أمل لأحد في أقفاص القبيلة.

في مشهد مرعب وموجع، احتمله عشرة من الرجال وشاركوا فيه.

طقس إعدام مكتمل الأركان، بدم بارد وبنشوة عارمة، لقد انتصروا لذكوريتهم القميئة، انتصروا على عصفورة فحسب.

طقس إعدام مكتمل الأركان، بدم بارد وبنشوة عارمة، لقد انتصروا لذكوريتهم القميئة، قتلوا العصفورة عيدة التي حلمت بالحرية

قبل أكثر من أربعين عاماً، كانت عمتي الكبرى طفلة في الحادية عشر من العمر، تعيش ضمن عائلة كبيرة، مؤلفة من الأب وزوجاته والعم وزوجاته وجيش من الأخوة والأخوات وأبناء العمومة.

تعتاش العائلة الكبيرة بما تأتي به الأرض. لكن الحصاد لم يكن يكفي لسدّ أفواه الجميع ولا لتأمين احتياجاتهم، لقد كان الحصول على ثياب جديدة أشبه بالمعجزة، هذا في حالة الأولاد الصبيان منهم، فكيف يكون الأمر بالنسبة للفتيات!

تجتمع النسوة في الصباح الباكر في دائرة ويبدأن العمل في قطاف الخضار ورصّها في صناديق صغيرة.

تركض عليا، عمتي، حولهن بجدائلها الطويلة ووجها الأسمر الجميل.

تحضر الجارة أم صالح الخيّاطة للزيارة والمساعدة قليلاً في العمل، تطلب جدتي من أم صالح أن تخيط سروالاً جديداً لعليا، والسروال الجديد ما هو إلا سروال جدتي القديم، مع تصليحات طفيفة ليناسب الجسد الرقيق الجديد.

صنعت أم صالح السروال، ارتدته عليا وطارت من فورها في كل أنحاء البستان.

كنت أجلس أسند يدي إلى ذقني وأستمع إلى قصّة عمتي المثيرة، كنت في العشرين وعمتي عليا في الخمسين، أرملة سمراء ضخمة بضحكة عريضة وصوت رقيق.

تتابع عمتي سرد القصة، بأنها في تلك الليلة طارت سعادة من سروالها الجديد، حتى أنها نامت ليلتها وهي ترتديه.

في الصباح التالي استيقظت على ألم مفاجىء في الأمعاء، وحين قامت لتفتش عن جدتي لتشكو إليها حالها، كانت قد تركت بقعة صغيرة حمراء في فراشها.

لقد حاضت الشجرة، عليا الشجرة حاضت، وتساقطت أولى جدران الرحم، كما يقول العلم.

حاضت عليا كما حاضت بعدها بخمسين سنة وأكثر عيدة السعيدو.

ركضت عليا متوسلة خائفة، مثلما فعلت عيدة حين ركضت إلى أمها.

كان خوف عليا يتلخّص بأنها قد أفسدت سروالها الجديد بتلك البقعة الباهتة، وبتفكير طفولي خالص نزعت سروالها وقامت بغمسه في جدول الماء الذي يسقي الزرع لتنظّف ما جاءت به، لكن هذا زاد الطين بللاً.

كان خوف عمتي عليا يتلخّص بأنها قد أفسدت سروالها الجديد بتلك البقعة الباهتة، بدم حيضها، وبتفكير طفولي خالص نزعت سروالها وقامت بغمسه في جدول الماء الذي يسقي الزرع لتنظّف ما جاءت به

زادت رقعة الدم اتساعاً. لقد فَسُد الدم وانتشر ببقعة كبيرة على سروالها الأبيض.

وكانت عيدة تركض خائفة، بقلب يقول لا.

أريد أن أكون حرة بجسدي، حرة بقلبي لمن أهبه!

خافت عليا مثلما خافت عيدة، وركضت، ركضت، تعفرت بالتراب وسقطت، نهضت، هربت مرة، طارت مرة كعصفور خائف.

خافت عمتي وخافت عيدة! خاف الرب على ابنته من ذكور عائلتها.

فَسُد سروال عمتي تماماً، ومعه فسدت حياتها أيضاً، وبمكيدة نسائية من زوجة الأب التي أَسرّت لجدي بأن عليا تحيّض منذ عام على الأقل، تزوجت عمتي من رجل يكبرها بخمسة وعشرين عاماً، وهي طفلة في الحادية عشرة. رجل لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.

عاشت معه حتى بلغت الثلاثين من العمر، مات الزوج الذي لم تسمع عمتي صوت ضحكته ولا لمرّة.

وماتت ضحكة عيدة أيضاً، التي نسي الأب والأشقاء والزوج المفترض شكل تلك الضحكة، نسوا طفلتهم الصغيرة حين كانت تركض جهتهم وهي بعد في سنيّها الأولى تطلب حمايتهم.

الجدير بالذكر بأن المشاركين في جريمة القتل لا يزالون متوارين عن الأنظار، متسلحين في حيّهم، بسلاح العشيرة وسلاح الدين وسلاح "الشرف".

تحاول قوات الأمن في مناطق الإدارة الذاتية شمال سورية الوصول إليهم وإلقاء القبض عليهم، لكن هذا لم يحدث حتى اللحظة.

وعيدة التي يسيل دمها على الجغرافية الملعونة والتاريخ القذر، يغسلهما بطهارته، يغسلنا جميعاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard