كيف يرى الوسط السينمائي ذاته؟

الخميس 29 يوليو 202110:51 ص

تمثّل صورة الوسط الفني في الأعمال الفنية صورة غرائبية مليئة بالتناقضات. لم تكن هذه التناقضات في طريقة التقديم نفسها فحسب، فمراراً وتكراراً شاهدنا صوراً نمطية في الأعمال الفنية، ووفقاً لما ذكره خليل شقرة، في كتابه "الإعلام والصور الذهنية"، فالصور النمطية هي "التصوّر الذي يقفز إلى الذهن عند ذكر شخص أو فئة أو شعب، نتيجة ما اقترن بالذاكرة من تراكمات معرفية صنعت حولهم أحكاماً مسبقة، دون مراعاة لفروق فردية أو جنسية أو ثقافية".

ولكن تكمن الغرائبية هنا في الفنان ذاته، فدائماً ما نشاهد الأحاديث واللقاءات التليفزيونية والصحفية من قِبل الفنانين مليئة بالدفاع عن الوسط الذي ينتمون له، مناشدين الجمهور تغيير الصورة الذهنية المنطبعة لديه عن الوسط الفني، وبالتفتيش عن أصل هذه الصورة وأسباب تمسّك أغلب المتلقين بها، نجد أن من ساهم في تثبيتها والترويج لها في المقام الأول، هو الوسط الفني ذاته.

الصورة وما تفعله بنا

تعتمد الوسائط السينمائية والتليفزيونية دائماً على الصورة كأداة لغوية للتعبير، وتعتبر الصورة المرئية هي المؤثر الأكبر في ترسيخ الصور الذهنية والقدرة على بقائها لفترة أطول في ذهن المتلقي، مقارنة بالكلمة، النصوص المقروءة أو الأعمال المسموعة، وبذلك فإن للصور البصرية الأثر الأكبر في تشكيل المعتقدات والأفكار، أي أن كل ما يقدّمه الفنان على الشاشة هو بالطبع مؤثر بشكل أو بآخر، حتى وإن لم يثبّت صوراً ذهنية كاملة، لكنه بالتأكيد يترك أثره الذي لا يضاهيه أثر آخر.

وعلى غرار ذلك الأسلوب، قدّمت السينما المصرية والدراما التليفزيونية العشرات من الأعمال التي تناولت حياة الفنانين الممثلين والممثلات، أغلبها تدور في فلك النمطية الخالصة.

كيف تتكون الصور النمطية؟

فالصورة النمطية هي نتاج حتمي للصورة الذهنية، حيث تمثّل الصورة الذهنية شكلا متكرراً مُعمّماً ومن ثمّ تتمّ عملية التنميط والقولبة، كما يمكن للصورة الذهنية أن تتحول إلى نمط اجتماعي عندما يربط الأفراد مجموعة من الصفات نتيجة ما تلقونه من مدخلات متكررة ساهمت في تكوين النمط لديهم.

السينما تقدم صورة وتكون تصوّراً

وبما أن الصورة هي لغة السينما وأحد أهم ركائزها التي تستطيع السينما التعبير بها ببلاغة شديدة، نظراً لما تتضمّنه من مفردات تمكّنها من ذلك، كاللقطات والزوايا والإضاءة والكادرات، ومثلما تقدّم هذه الصورة فنوناً متعددة تسهم في إثراء المعارف وتخاطب بها الحس والوجدان، فهي أيضاً تقدم تصوّرات لا حصر لها.

قدّمت السينما المصرية عبرها تاريخها الفني الحافل بالكثير من الشخصيات والموضوعات، صورة خاصة للوسط الفني، صورة لازمتها النمطية ودارت أنماط أغلبها بين تعدّد العلاقات وبيع الجسد لبلوغ النجومية، الوساطة في الفن، والطرق غير المشروعة لبلوغ القمة

والتصوّر في أساسه هو نتاج ذهني وعقلي من خلاله تتكون الصور الذهنية التي تقودنا إلى التنميط والقولبة، إذا أصرّت الصورة على إدراج نفس التصوّر، حتى وإن اختلفت مفرداتها.

للصورة الذهنية عدة أنواع، وفقاً لما ذكره عاطف عدلي العبد، النوع الأول يعرف باسم "الصورة المرآة"، وهي الصورة التي ترى المنظومات/ الأوساط نفسها من خلالها، والنوع الثاني هو "الصورة الحالية"، وهي التي يرى بها الآخرون الأوساط/ المجتمعات، أما عن النوع الثالث فهو "الصورة المرغوبة"، أي الصورة التي تود المنظومات/ الأوساط أن تكوّنها لنفسها في أذهان الجماهير.

أطروحات تقديم الوسط الفني على الشاشة

قدّمت السينما المصرية عبرها تاريخها الفني الحافل بالكثير من الشخصيات والموضوعات، صورة خاصة للوسط الفني، صورة لازمتها النمطية ودارت أنماط أغلبها بين تعدّد العلاقات وبيع الجسد لبلوغ النجومية، الوساطة في الفن، والطرق غير المشروعة لبلوغ القمة، وبالطبع في جميع المجالات والأوساط يوجد نماذج من هذا القبيل، ولكن السينما أصرّت على أن تقدم نفسها بهذه الصورة بشكل مكثف مقارنة بالنماذج الأخرى الإيجابية.

قدم فيلم "أيام الحب" عام 1968 من بطولة أحمد مظهر ونادية لطفي، صورة للوسط الفني الذي يحترم المظاهر الخداعة، عندما احترم الجميع "قشطة"، بائعة المياه الغازية، فقط لأن المخرج الكبير شريف لطفي، قدمها على أنها وجه جديد يدعى "نادية رفعت" من أكبر عائلات البلد.

ظهر المجتمع السينمائي في الفيلم بوجه لا يعنيه الموهبة ولا الأداء، بل كل ما يعنيه المظهر والشكل الخارجي، كما قدّم الفيلم صورة للمنتج الفني الذي لا يعي أهمية السينما ودور الممثل على الشاشة، يضع أمواله تحت قدم أي ممثلة جميلة الشكل، ولا يهم إن كانت صاحبة موهبة فنية حقيقية أم لا، وبعده بحوالي ثلاثة أعوام، تطل شخصية "رجب" التي قدمها أحمد رمزي في فيلم "ثرثرة فوق النيل".

فيلم "ثرثرة فوق النيل"

يلعب دور ممثل مشهور يسكن عوامة في نهر النيل، تعتبر هذه العوامة بمثابة منفذ لأغلب شخصيات الفيلم، يسهرون ويلهون فيها ويتعاطون المخدرات. يظهر "رجب" كممثل يستغل شهرته لإيقاع الفتيات في شباكه، وكل من تعترض يؤكد لها أنه سيخلق منها نجمة سينما في القريب العاجل.

أما فيلم "حب تحت المطر" عام 1975، وتدور أحداثه حول حال الشباب بعد هزيمة 1967، ولكن بين ثنايا الإطار الرئيسي، يستعرض الفيلم حياة الكثير من الفنانين والفنانات في هذه الحقبة.

يقدم النموذج الأول وهو مصور سينمائي قدم دوره عادل أدهم، يفتح منزله للدعارة بهدف تحقيق اللذة للشباب، تذهب الفتيات إلى منزله لممارسة الجنس مقابل النقود التي تحتاجها في منزلها خلال النكسة والظروف الاقتصادية الصعبة بالبلاد، وفي الفيلم نفسه تلعب ميرفت أمين دور نجمة سينمائية متألقة.

تقوم ببطولة فيلم عن الحرب وما تركته من آثار دمار على الشعب، تظهر هذه الممثلة كنموذج مثالي عن اللامبالاة وعدم التعايش مع الخراب من حولها، فهي تقدم بكل براعة مشاهدها في الفيلم الذي تقوم ببطولته، ولكن خلف الكواليس تكشف عن وجهها الحقيقي، كونها لا تهتم بالقضية السياسية ولا يشغلها أمر سوى شكلها ومظهرها وعلاقتها الجنسية، في مقابل دمار وجثث وأشلاء الجنود.

كما قُدم في الفيلم نفسه نموذج فتاة أخرى لعبت دورها ماجدة الخطيب، حين قرّرت أن تمتهن التمثيل، وذهبت لمخرج مشهور لعب دوره أحمد رمزي، فكان المقابل هو أن يساومها على نفسها مقابل دخولها عالم السينما.

ولا يختلف الحال كثيراً في فيلم "حافية على جسر الذهب"، الذي تم إنتاجه عام 1976. تهوى بطلته كاميليا (ميرفت أمين) التمثيل فتقرّر أن تدخل المجال بعد أن تتعرف على المخرج الكبير أحمد سامح (حسين فهمي).

يقدم هذا الفيلم حالة عامة عن طبيعة الوسط السينمائي والاحتكار الذي من الممكن أن يصنعه مخرج كبير في المجال الفني، كما يقدم الحياة المترفة وما ينعم به كل ممتهني هذه المهنة من حفلات وسهرات، ولكن المشهد المحوري في هذا الفيلم هو مشهد الممثل المسرحي شكري عبد الحميد، الذي لعب دوره الفنان أحمد توفيق، حين قرر أن يقدم على جمع من كبار فناني الوسط السينمائي، من ممثلين ومصورين ومخرجين، مشهداً من مسرحية "ماكبث" لشكسبير، فما كان منهم سوى أن قابلوا أداءه التمثيلي بالضحك والسخرية.

فيلم "المذنبون"

ومنه إلى شخصية "سناء كامل" التي قدمتها سهير رمزي في فيلم "المذنبون" عام 1975، حيث يعتبر ذلك الفيلم هو عمل كاشف لكل الخطايا المستترة في كافة المجالات. تدور أحداثه حول مقتل هذه الممثلة بعد إقامتها لحفل كبير في منزلها، وأثناء التحقيق في قضيتها تكتشف المباحث أن جميع حضور حفلتها مذنبون في قضايا أخرى.

كان مقتل الممثلة هو أول الخيوط التي كشفت عن جرائمهم، فعلى سبيل المثال تنفضح جريمة ناظر المدرسة الذى سرّب الامتحانات، ورئيس شركة المقاولات الذى يساعد الممثلة في بناء العمارات بطرق غير شرعية.

ويخون صديقه مع زوجته في نفس الليلة، ومدير الجمعية الذى يبيع السلع المدعومة للأغنياء ويوصلها لهم في البيوت، وغيرها من التفاصيل التي تعتلي قبتها الممثلة التي تساوم الرجال على أجسادهم و تعطي جسدها لمن تشتهيه، أو لمن سيساعدها في مشروع أو في عمل سينمائي، حتى تنتهي حياتها بالقتل ويتهم في قتلها جميع الحاضرين بالحفل.

القرن الواحد والعشرين

وتستمر الصورة كما هي، ولكن سنقف عند عام 2010 تحديداً، وما قدمته الدراما التليفزيونية كمعالجة حديثة لشخصية سناء كامل، وهو مسلسل "أهل كايرو" الذي يدور أيضاً حول التحقيق في جريمة قتل لممثلة شهيرة تدعى "صافي سليم"، فسناء هي نفسها صافي من حيث الإطار العام حول العلاقات المتعددة والتاريخ الحافل بالفضائح التي تسبب في الشك في أغلب معارفها، وفضح خبايا مستترة في طرق الوصول لقمة الشهرة، وفي أغلبها طرق غير شريفة تسلكها حتى بلغت النجومية.

أهل كايرو

أما عن "نادية" التي لعبت دورها زينة في فيلم "واحد صفر" عام 2009، والتي سعت لتكون مطربة مشهورة وهي تعلم أنها لا تمتلك أي مقومات صوتية تمكنها من النجومية، فقرّرت أن تستغل أنوثتها لبلوغ المراد، وصادقت مخرجاً شهيراً، لعب دوره حسين الإمام، وبالفعل أصبحت نجمة مشهورة من بعدها.

وبعد مرور 12 عام مازالت الصورة ثابتة، وقدمت الدراما التليفزيونية هذا العام شخصية "رقية" التي لعبت دورها نجلاء بدر، في مسلسل "بين السما والأرض"، وهو معالجة عن رواية الأديب نجيب محفوظ بنفس الاسم، حيث ألقت الضوء من جديد على حال الوسط السينمائي اليوم.

مسلسل "بين السما والأرض"

على الرغم من تطور الزمن وتغير الطرق، إلا أن المسلك ظل واحداً وثابتاً، وعندما قرّرت رقية أن تكون ممثلة مشهورة ألقت بشباكها على منتج كبير، وهي تعلم أنها لا تمتلك الموهبة الكافية لنجمة سينمائية، حين قالت: "أنا عارفة أني مبعرفش أمثل، يعني هي جت عليا، ما في كتير زيي مبيعرفوش يمثلوا، بس راحت اتجوزت منتج ولا مخرج ولا دورتلها على واحد غني يصرف عليها وينتج لها".

الصورة الذهنية الحالية للسينما المصرية  هي نتاج حتمي وصل إليه المتلقي نتيجة ما صدّرته السينما عن نفسها، وهي "الصورة المرآة" أي أن ذلك الشكل هو ما يرى به الوسط الفني ذاته، وبالتالي يعكسه للمشاهدين دائماً وأبداً على الشاشة

وفي المقابل، قدمت سوسن بدر شخصية الممثلة "فاتن سرور" في نفس العمل، لتوضّح حال النجم حين يتقدم به العمر، وما يعانيه في مهنة التمثيل من قلة الأدوار وانطفاء نجمه بين الناس، وباستعراض فترة نجومية هذه السيدة، تبرز مشاهدها مدى التحكم والسيطرة والنفوذ التي يمتلكها النجم وهو في ريعان نجوميته.

أما عن شخصيات الراقصات على الشاشة فحدّث ولا حرج، لا تخرج من بينهن إلا العاهرات أو مشتهيات الرجال، والمدهش في الأمر أن أغلب من تقدمن شخصيات الراقصات هن راقصات بالفعل.

والنموذج الأشهر هو شخصية "سونيا سليم" التي قدمتها نبيلة عبيد في فيلم "الراقصة والسياسي" عام 1990، حول كل النفوذ الذي تمتلكه الراقصة حين تصادق السياسيين وتدخل في دائرتهم عن طريق جسدها.

وإذا أسهبنا في رصد جميع ما قدمت السينما والدراما التليفزيونية عن صورة الفنان/ة، لا يمكن حصر جميع الشخصيات، ولكن ما تم التطرق إليه هي أشهر النماذج على الشاشة.

بين مفترق طرق

وبعد ذلك الاستعراض لبعض النماذج التي قدمتها الأعمال الفنية، نجد أن الصورة الذهنية بمختلف أنواعها تتجلّى على الشاشة وتقع في محك شائك بين طرفي العملية الإبداعية (المبدع/ المتلقي)، فكما تم الذكر أن للصورة الذهنية أنواع، فنجد هنا بعد إلقاء نظرة سريعة أن نوع الصورة المعروف "بالصورة الحالية" هو نتاج حتمي وصل إليه المتلقي نتيجة ما صدّرته السينما عن نفسها، وهي "الصورة المرآة"، أي أن ذلك الشكل هو ما يرى به الوسط الفني ذاته، وبالتالي يعكسه للمشاهدين دائماً وأبداً على الشاشة.

في الوقت نفسه الذي يظهر فيه النوع الثالث، وهو "الصورة المرغوبة"، بين اللقاءات والأحاديث الصحفية للفنانين حين يفصحون عن رغبتهم بتغيير النمط المكون من تكرار بصري مُلحّ، رسّخ وبَلْوَر صورة ذهنية لا يمكن زعزعة استقرارها إلا إذا وعى مقدموها بمدى خطورتها على المتلقين، ومدى خطورتها عليهم هم شخصياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard