البوعزيزي في عمان... تحطيم عربة خضار يُغضب الشارع الأردني

الخميس 8 يوليو 202102:13 م

أشعلت عربة البوعزيزي في تونس سلسلة من الاحتجاجات امتدت لتصل إلى العالم العربي كله طوال عشرة أعوام. وعلى الرغم من ذلك، ما زالت بعض الحكومات تتجاهل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تجبر المواطنين على البحث عن رزقهم عبر العربات.

عربة البوعزيزي في الأردن

ضجّ الشارع الأردني، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الإثنين، بعد تحطيم كوادر أمانة عمان الكبرى عربة خضار، بواسطة جرّافة، بحجة أنها غير مرخصة، بعد أن كانت مصدر رزق صاحبها الوحيد. جاء التحطيم على شكل إعدام؛ إذ شوهد أحد موظفي الأمانة خلال مقطع فيديو تم تداوله، وهو يطلب ساخراً من زميله توجيه العربة نحو القبلة، والتشهّد عليها، ما أثار انزعاج المواطنين، خاصةً وأنها لا تُعد المرة الأولى التي يقوم فيها موظفو البلديات في الأردن بمصادرة "البسطات"، وعربات البيع المُتنقلة، وتحطيمها على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة، وفي ضوء خسارة العديد من الشبان لمصادر دخلهم خلال جائحة فيروس كورونا. وقد رصد رصيف22 أبرز التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

ماذا قال الناس عن تحطيم العربة؟

انتقد بعض المغردين ما حصل واصفينه بالـ"إنجاز"، وغردت نداء المجالي قائلةً إنَّ "فيديو إنجاز أمانة عمان مستفز، وله دلالات قوية. ببساطه لا تحلم ولا تفكر، لأنو مجرد تحاول تفكر خارج الصندوق، جريمة، بسطة وعرباية هي اللي بتأثر على الاقتصاد الوطني، أما مية قرار حكومي فاشل وفاسد ما بأثر على العجلة الاقتصادية المبنشرة".

وعلّق آخرون على القانون الذي يستند إلى حجة عدم حيازة الرخصة، وتصرّف موظفي الأمانة وفقاً له، فاستنكر باسل النيرب ذلك بقوله: "في إعدام عربة الخضار، إذا كنت تريد التلاعب بالجمهور غيّر حالتهم العقلية، والشخص الخائف لديه أسباب أقل للرفض عكس الشبعان، أدِّبْت مدير السوق المركزي، ولكن ماذا عن القانون الذي تحرك على أساسه صاحب السوق، وسائق الجرافة، والموظف، أليس الأولى بالطحن تحت الجرافة؟؟".

في حين استقبل آخرون الخبر بسخريّة مربوطة بالأوضاع التي تمّر فيها البلاد، ومن بينهم موسى المعاني الذي غرّد: "هذا المواطن يستحق أكثر من ذلك!!! لأنه كاد أن يتسبب في حرب عالمية ثالثة، لكن الجرافة كانت له بالمرصاد، حيث تمكنت من قطع رزقه هو وزوجته وأطفاله".

وعماد أبو زيد الذي ربط بين رداءة الطُرق في البلاد، وتحطيم العربة بقوله: "ناقص بس كاسحة ألغام تطلع فوق العرباي... المهم تم تطبيق قواعد الاشتباك معه بالجرافة على الإسفلت مما يظهر ويوضح السبب الرئيسي في التشققات والحفر الواقعة في الطرق الفرعية والرئيسية!!

الفيديو من جزر المالديف".

غير أنَّ ردود الفعل تلك لم تنفِ وجود مؤيدين لما قامت به الأمانة، مثل شاكر أبو ميَّالة، الذي غرّد: "أنا ما بعرف القصة بالزبط، بس أنا أيام ما كنت شوفير (سائق) عرباي بالسوق المركزي كنا نستأجر العرباي ب ٣ دنانير بيوم، ونشتغل طول اليوم عشان نجيب ١٠ ليرات، وبصراحة العرباي لازم تكون مرخصة وعليها رقم لضمان حق صاحب البضاعة لنفرض في حالة أي سرقة برجع صاحب البضاعة للناس الي بأجرو العربايات".

واستدرك: "وعرقم العرباي بجيب الشوفير تبعها وبياخد حقه، فغلط يكون أي عرباي بالسوق مش مرخصة، الي عملتو الأمانة إشي صح إزا كانوا مطبقين كل القوانين صح بس لأنو ما في إشي صح الي عملوه أكبر غلط وشكرا".

وتساءل مغرّدون عن التعويض الذي قُدّم لصاحب العربة بعد الذي حصل، إذ تطرق معتصم عمر إلى ذلك بقوله: "هل تم تعويض صاحب عربة نقل الخضار، مادياً ومعنوياً؟ هل هو إعفاء من منصب، أم نقل إلى مكان آخر؟".

كيف ردت الحكومة على إعدام العربة؟

من جانبه، أعفى رئيس لجنة أمانة عمان الكبرى، يوسف الشواربة، مدير سوق الخضار المركزيّ، مكان وقوع الحادثة، من منصبه، وكلّف المدير التنفيذي للأسواق بإدارة السوق، فيما قال الناطق باسم الأمانة ناصر الرحامنة خلال تصريحات صحافية إنّ تصرّف كوادر الأمانة مرفوض وخاطئ، وسيتم تشكيل لجنة للتحقيق في هذا التصرّف، لاتخاذ الإجراءات القانونية في حق المخالفين، مع القيام بحملة توعية وتثقيف لموظفي الأمانة الذين يعملون في الرقابة والتفتيش.

شهدت الفترة الأخيرة زيادةً في أعداد "البسطات"، والعربات المُتنقلة، إذ دفعت الظروف الاقتصاديّة الصعبة، وإغلاق العديد من المنشآت في البلاد، العديد من الشبان للبحث عن فرص عملٍ بديلة، أو فتح مشاريع لإعالة أُسرهم وأنفسهم، وقد قوبلت تلك المشاريع بردود فعلٍ حكوميّة انتهت بها إلى الإغلاق

وشهدت الفترة الأخيرة زيادةً في أعداد "البسطات"، والعربات المُتنقلة، إذ دفعت الظروف الاقتصاديّة الصعبة، وإغلاق العديد من المنشآت في البلاد، العديد من الشبان للبحث عن فرص عملٍ بديلة، أو فتح مشاريع لإعالة أُسرهم وأنفسهم، وقد قوبلت تلك المشاريع بردود فعلٍ حكوميّة انتهت بها إلى الإغلاق.

موجة ارتفاع معدلات البطالة

ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى نسبة غير مسبوقة، بلغت نحو 50%، وفق تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي، وصفه وزير العمل يوسف الشمالي بالـ"أمر الحقيقي، وفي أي دولة في العالم ستكون أعلى نسبة بطالة بين الشباب".

وحذر رئيس غرفة تجارة الأردن نائل الكباريتي من موجة ارتفاع ستطال أسعار الكثير من السلع والبضائع في السوق المحلية، جراء زيادة أجور الشحن، وأثمان المواد الأولية عالمياً.

هذا وشهدت أسعار الوقود، والحديد، والألومنيوم، وكابلات الكهرباء، والأخشاب، والدهانات، والبلاستيك، بالإضافة إلى المواد الغذائية الأساسية، من سكر وأرز وزيوت نباتية وغيرها من السلع المستوردة، ارتفاعاً في الآونة الأخيرة.

ونقلت وسائل الإعلام تصريحات صحافية لوزير الداخلية مازن الفراية أثناء لقائه مجموعة من الشباب، جاء فيها أن الوضع الاقتصادي والمالي للأردن صعب نتيجة الظروف الداخلية والخارجية المحيطة، وبسبب جائحة كورونا، وإغلاق الكثير من القطاعات.

وطلب منهم الوزير البحث عن الفرص، وعدم انتظار الوظيفة التي قد تتأخر، أو لا تأتي على الإطلاق، مؤكداً ضرورة انخراطهم في المشاريع الصغيرة، والمتوسطة، التي من الممكن أن توفر لهم الدخل المناسب، وتساعدهم على بدء حياتهم بدلاً من انتظار فرصةٍ قد لا تأتي.

هل من حلول؟

وكان نائب مدير مدينة عمان المهندس حسام النجداوي، صرّح باحتمالية إنهاء النقاش في نظام البيع العشوائي، كخطوة لتخفيف الازدحام في الشوارع والطرقات، بالإضافة إلى الجانب الصحي للمسألة، غير أنَّ الناطق باسم المرصد العمالي الأردني نديم عبد الصمد يؤكد لرصيف22 أن إجراءات الحكومة لا تتناسب مع ارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى درجة غير مسبوقة في الأردن، بالإضافة إلى ضرورة تعديل نظام تنظيم عمل الباعة ومراقبتهم.

"إجراءات الحكومة لا تتناسب مع ارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى درجة غير مسبوقة في الأردن، بالإضافة إلى ضرورة تعديل نظام تنظيم عمل الباعة ومراقبتهم"

ويشير إلى أن ضعف السياسات الاقتصادية التي طُبقت في البلاد خلال العقود الماضية، أدى إلى إضعاف قدرات الاقتصاد الوطني في توليد فرص عمل كافية للداخلين الجدد إلى سوق العمل الأردني، ما يزيد ظاهرة العمل على العربات والبسطات في الأردن، والتي تُعدّ ضمن العمل غير المنظم، وهو ما أدى إلى "ملاحقة الجهات الرسمية لهم بشكل غير لائق، وتكسير عرباتهم، وإتلاف محتوياتها بشكل مستفز، خاصةً مع عدم توفير أشكال الحماية الاجتماعية لهم".

ويشدد عبد الصمد على ضرورة تخفيف القيود عليهم، وتنظيم عملهم بشكل يحميهم، بالإضافة إلى الإسراع في تطبيق الإطار الوطني للانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، والذي صدر في العام 2014، وتم تطويره بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وتحديث الإستراتيجية الوطنية للتشغيل وتنفيذها، والإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، ووضع سياسات مناسبة في الأردن تعالج بشكل ملموس موضوع البطالة، ومشاركة الشباب في سوق العمل.

ما يحدث في البلاد مؤخراً يعيد إلى الأذهان ما حصل مع البوعزيزي في تونس، والذي قام بإحراق نفسه بعد مصادرة السلطات التونسية لـ"بسطته"؛ ليكون شعلة اندلاع شرارات الاحتجاجات التي طالت العالم العربي كله، ولا تزال آثارها في بعض الدول قائمة إلى الآن، من دون التفات بعض الحكومات إليها، وهو الأمر ذاته الذي يجعل المواطن الأردني في تخبطٍ دائم حول كيفيّة إيجاد سُبلٍ للعيش الآمن، وتوفير قوت يومه، إذا ما كانت تلك السُبل ستنتهي بالإعدام تحت جرَّافة، وسط وعودٍ حكوميّة بتشكيل لجنة، وتصريحاتٍ مفادها: "لا تنتظروا الوظيفة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard