تجّار وصناعيون في الكتلة الوطنية... السياسة في البورصة

الخميس 8 يوليو 202111:24 ص

لم تدخل مدينة دمشق المجال الصناعي بمفهومه الحديث إلّا في زمن الانتداب الفرنسي، وتحديداً بعد القضاء على الثورة السورية الكبرى عام 1927. شُلّت الحياة الاقتصادية في دمشق خلال سنوات الثورة، وهرب الكثير من تجّار المدينة إلى بيروت خوفاً، ينتظرون وقف العنف للعودة إلى متاجرهم وأعمالهم.

وقد وصل عدد العاطلين عن العمل في السنوات 1925-1927 إلى أكثر من 100 ألف شخص، أي ما يقارب 50% من سكان دمشق، وتراجع عدد الصناعات اليدوية الفاعلة في اسواق دمشق من 700 إلى 100، بحسب تقارير غرفة تجارة دمشق.، مع تدهور حاد في القيمة الشرائية لليرة السورية وفي أسعار العقارات. تراجعت صادرات القطن بنسبة 86% والحرير بنسبة 81%، كما ارتفعت نسبة المستوردات إلى رقم قياسي وصل إلى 38%.

تدخّلت غرفة تجارة دمشق لدى المفوضية العليا في بيروت، واجتمع نائب رئيسها، لطفي الحفار، بالجنرال الفرنسي موريس سراي، مطالباً بوقف العدوان على دمشق، باسمه وباسم تجار الشام وصناعييها.

وصل عدد العاطلين عن العمل في السنوات 1925-1927 إلى أكثر من 100 ألف شخص، أي ما يقارب 50% من سكان دمشق، وتراجعت الصناعات اليدوية مع تدهور حاد في القيمة الشرائية لليرة السورية وفي أسعار العقارات

وافق المفوض السامي الفرنسي على هذا الطلب، مشترطاً عودة الهدوء إلى العاصمة السورية وفتح الأسواق المغلقة بالكامل. قبل مغادرته دمشق بعد أن أحرقها، أمر المفوض موريس سراي بتنشيط الصناعة وتسهيل الإجراءات الروتينية لمن يرغب بفتح معمل صغير أو مصنع لإيجاد فرص عمل للشباب. الظاهر من هذا العمل حسن النوايا ولكن الباطن كان إبعاد الناس عن السياسة والثورة وإشغالهم بتجارتهم.

في نفس العام، أعفت الحكومة الفرنسية الصناعيين السوريين من الرسوم الجمركية على كافة المعدات الثقيلة المستوردة من فرنسا تحديداً، وخفَّضت التعرفة المفروضة على المواد الأولية. اجتمع عدد من الوجهاء السوريين في كانون الثاني 1930، برئاسة المحامي والسياسي البارز فارس الخوري، وقرّروا إنشاء أول مصنع حديث في مدينة دمشق، أُطلق عليه اسم "الشركة الوطنية لصناعة الشمينتو".

كان الخوري من ألمع زعماء دمشق في حينها، درس الرياضيات في جامعة بيروت الأميركية، وعمل مدرساً ضمن هيئتها العلمية لسنوات، ثم امتهن مهنة المحاماة وانتقل إلى كلية الحقوق في جامعة دمشق، قبل أن يصبح عميداً لها حتى عام 1936. موَّلت الحركة الوطنية نفسها في السنوات الأولى من عملها، عن طريق اشتراكات الأعضاء وتبرعات الوجهاء السوريين، أمثال الصناعيين الدمشقيين توفيق القباني وعثمان الشرباتي، ومن حلب سامي صائم الدهر، ولكن هذه الأموال كانت لا تكفي لإعانة كل عائلات الشهداء والمعتقلين ولتدريس أولادهم.

أصرّ فارس الخوري على خلق استثمارات جديدة وإيجاد مصدر دخل جديد للكتلة الوطنية، وهي التنظيم السياسي الأبرز في حينها، لكي تتمتع بالاكتفاء الذاتي، وطلب من أعضائها الكبار شراء أسهم في معمل الإسمنت، تكون نصف عائداتها لتمويل مشاريع الكتلة.

إسمنت دُمر

كانت المنطقة المحيطة بدمشق غنية بحجر الكلس والطين، وهي المواد الأولية المطلوبة لصناعة الإسمنت. كان الطلب يزداد على إنشاء العمارات الحديثة المصنوعة من الإسمنت بدلاً من الحجر، بعد تخلّي الناس عن بيوتهم في أحياء دمشق القديمة، والتوجه إلى أحياء جديدة أُنشئت أيام فرنسا، مثل الشعلان وأبو رمانة.

شجّع نجاح معمل الإسمنت على ولادة مشاريع مماثلة في دمشق، جميعها ذات طابع وطني، فجاءت "شركة الكونسروة" في شباط 1932، وحملت توقيع كل من الصناعي توفيق قباني، وهو والد الشاعر نزار قباني، وسليم الشلاح عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق

تشجّع التجار والمستثمرون على خوض التجربة تحت إشراف فارس الخوري، الذي انتُخب رئيساً لمجلس الإدارة في مرحلة التأسيس. حُدّد رأس مال معمل الإسمنت بقيمة 144 ألف ليرة عثمانية ذهبية، تم توزيعها على أربعة وعشرين ألف مساهم، كانت حصة الأسد منها لأعضاء الكتلة، وستة آلاف يتيم تمّ تمليكهم أسهم في المعمل.

قام المستثمرون بشراء قطعة أرض في منطقة دمر شمال غرب العاصمة السورية، وعيَّن مجلس الإدارة الوجيه الشاب خالد العظم مديراً عاماً للمشروع. كان العظم لمّا يتجاوز الخامسة والثلاثين من العمر بعد، وعرفه فارس الخوري منذ أن كان طالباً عنده في كلية الحقوق، قبل أن يصبح خالد العظم عَلَماً من أعلام السياسة في سورية، ويتناوب مع الخوري على رئاسة الحكومة في الأربعينيات والخمسينيات.

عُيّن عطا الأيوبي، الذي أصبح رئيساً للحكومة أيضاً في الثلاثينيات، نائباً لرئيس مجلس الإدارة، وذهبت بقية المقاعد للتجّار عبد الحميد دياب وعبد الهادي الرباط (شركاء المستقبل في الشركة الخماسية) ولنائب رئيس غرفة تجارة دمشق، مسلَّم السيوفي، وفخري البارودي وللمهندس الكيميائي الشاب جمال الفرا، الأستاذ في مدرسة التجهيز وخريج جامعة السوربون، الذي أصبح لاحقاً سفيراً لسورية في عدة دول أوروبية، قبل أن يتم تعيينه وزيراً للخارجية لفترة قصيرة في زمن الانفصال.

بإدارة وإشراف هؤلاء الثمانية بدأ إنتاج المعمل بعد ثلاث سنوات من تدشينه، وخلال عام واحد فقط وصل إنتاجه إلى ثلاثين ألف طن من الإسمنت. مع نهاية عام 1936 ارتفع الإنتاج إلى خمسة وستون ألف طن، وصار معمل الإسمنت يلبي 60% من حاجة السوق المحلية.

وصل سعر الإسمنت الدمشقي إلى ليرتان ذهبيتان للطن الواحد، فصار أرخص من الإسمنت المستورد الذي كان سعره العالمي مثبت بأربع ليرات ذهبية. اشتهر معمل الإسمنت بحسن معاملة عمّاله من قِبل القائمين عليه، فكانوا يحصلون على راتب شهر إضافي نهاية كل سنة، وكانت طبابتهم مجانية وكذلك أعراسهم وأعيادهم المسيحية والإسلامية.

وقد وضعت إدارة شركة الإسمنت بدمّر قبل التأميم برنامجاً توسيعياً، زاد الإنتاج فيه من 180 ألف طن إلى 300 ألف طن، كذلك لإنشاء مصنع للأنابيب ومصنع للأعمدة الإسمنتية الكهربائية ومصنع للبلوك الحراري، وجاء التأميم بعد وصول آلات مصنع الأنابيب.

حافظ معمل دمّر على إنتاجه وجودته حتى صدور قرار التأميم الثاني عام 1965، حيث نُقلت ملكيته كلياً للدولة السورية.

شركة الكونسروة

شجّع نجاح معمل الإسمنت على ولادة مشاريع مماثلة في دمشق، جميعها ذات طابع وطني، فجاءت "شركة الكونسروة" في شباط 1932، وحملت توقيع كل من الصناعي توفيق قباني، مؤسس أول معمل للملبس والسكاكر في سوق البزورية، وأحد مؤسسي معمل الإسمنت (وهو والد الشاعر نزار قباني)، وسليم الشلاح عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق (والد بدر الدين الشلاح)، وصادق غراوي صاحب معمل شوكولا "غراوي" (والد الصناعي بسام غراوي)، وشكري القوتلي، قبل أحد عشر سنة من انتخابه رئيساً للجمهورية السورية.

اقترن معمل الكونسروة باسم الرئيس القوتلي، الذي صرف جهداً كبيراً ومالاً على إنشائه بعد عودته من سنوات طويلة من المنفى في مصر، هرباً من الإعدام بسبب دوره القيادي في الثورة السورية الكبرى.

مع نهاية الثلاثينيات، وصل عدد موظفي وعمال "شركة الكونسيروة" إلى 200، وبلغ إنتاجها السنوي خمسة وعشرين طناً من المعلبات، يتم تصديرها إلى فلسطين ولبنان وإمارة شرق الأردن والحجاز ومصر

كانت سورية يومها في المرتبة الثالثة عالمياً في زراعة المشمش، نظراً لكثرة البساتين المشجرة والمزروعة في محيط العاصمة دمشق. هدفت الشركة المساهمة إلى إدخال المحاصيل الصيفية من الخضار والفواكه المجففة في غير موسمها إلى كل بيت في سورية والمنطقة، وبدأ معملها بالإنتاج عام 1934. حُدد رأس مال الشركة بثلاثين ألف ليرة عثمانية ذهبية، تم توزيعها على خمسة عشر ألف مساهم. جال المؤسسون الثمانية على كافة المدن السورية لبيع أسهم الشركة الجديدة بقيمة ليرتان ذهبيتان للسهم الواحد.

ومع نهاية الثلاثينيات، وصل عدد موظفي وعمال "شركة الكونسروة" إلى 200، وبلغ إنتاجها السنوي خمسة وعشرين طناً من المعلبات، يتم تصديرها إلى فلسطين ولبنان وإمارة شرق الأردن والحجاز ومصر. رفض القوتلي بيع أسهم الشركة في أي مصرف أجنبي، بالرغم من إلحاح مصرف "كريدي ليوني" الفرنسي، وأصرّ أن يتم الاكتتاب العام إما في فرع دمشق من بنك مصر أو عبر البنك العربي.

وكانت من عادته إهداء أسهم في "شركة الكونسروة" لأصدقائه عند عقد قرانهم أو رزقهم بمولودٍ جديد، كما أنه كان يرسل حوالي خمسين صندوقاً من منتجات الشركة في كل موسم لصديقه الملك عبد العزيز آل سعود، ملك مصر فاروق الأول ورئيس وزراء العراق نوري السعيد.

أشرف شاب لبناني على إدارة "شركة الكونسروة" عند تأسيسها، جاؤوا به إلى دمشق فور تخرجه من جامعة بيروت الأميركية، يدعى نديم دمشقية، الذي ذاع صيته بعد سنوات عندما أصبح سفيراً للجمهورية اللبنانية في واشنطن في زمن الرئيس جون كيندي.

عُيّن نديم دمشقية مديراً للشركة براتب اثنتي عشرة ليرة ذهبية شهرياً، ونزل ضيفاً خلال إقامته بدمشق في قصر الرئيس عطا الأيوبي في حي نوري باشا، والذي كان عضواً في مجلس إدارة الشركة. أما بقية أعضاء مجلس الإدارة، فذهبت الرئاسة للدكتور أحمد منيف العائدي، أحد مؤسسي كلية الطب في جامعة دمشق، ومعه رئيس الجامعة الدكتور رضا سعيد.

وانتُخب مدني الحفار، التاجر في سوق البزورية، وتم تداول أسهم شركة الكونسروة في سوق البورصة، أحد تفرعات سوق الحميدية، حيث انفرد في بيعها وشرائها شخص يدعى أنور الزالق، كان يتنافس في ذلك مع رجل اسمه أبو موفق التسابحجي، المهيمن على تداول أسهم معمل الإسمنت. ذاع صيت الشركتين بشكل كبير في الأوساط الدمشقية، لدرجة أن القاضي الشرعي في دمشق كان يخيّر الناس عند توزيع ميراثهم بعد وفاة أحد الأقارب، بين المال النقدي أو وضع أموالهم في إحدى الشركتين. استمرّت شركة الكونسروة في العمل من عام 1934 إلى أن تم تأميمها مع معمل الإسمنت في بداية عام 1965.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard