"لسنا كائنات فضائية هبطت على مصر لتشوهها"... الحياة في مصايف الإسكندرية "الشعبية"

الاثنين 28 يونيو 202105:15 م

"كل شهر بحط القرش على القرش، وأحوش اللي باقي من مصروف البيت، عشان نقدر نشم نفسنا يومين كل سنة زي بقيت الناس في الصيف"، تقول سهام بسيوني، ربة منزل من مدينة المنصورة، عن رحلة المصيف السنوية لمدينة الإسكندرية.

وتضيف: "هما يومين أو تلاته بالكتير، وعلى قد ما أقدر باوفر في المصاريف، فباخد كل اللي ممكن نحتاجه، وبنقضيهم بحر وتمشية في الشوارع ونرجع مبسوطين، ماهو يعني مش عشان جوزي موظف على قد حاله معرفش أفرح العيال".

"بتلبسي إيه في البحر؟"

تجيب سهام (39 عاماً): "هالبس إيه يعني، أي جلابية عندي، أنا مقدرش على تمن مايوه المحجبات اللي بيقولوا عليه، وحتى لو قدرت مش هالاقي مقاسي".

يقف وزن سهام حائلاً بينها وبين ارتداء "البوركيني" على الشاطىء لترحم نفسها من تنمر الكثيرين، الذين يتهمونها بالقبح، وعدم مراعاة الآداب العامة. كما أن قدرتها الشرائية لا تسمح بشراء لباس البحر. تقول: "ده أنا لو معايا تمن البتاع ده مش هاروح اشتريه عشان ألبسه يومين في السنة، بس هأجيب للعيال كسوة الصيف كلها، ولا أدفع لهم مصاريف المدارس، اسكتي يا أبلة اللي مايعرفش يقول عدس".

"الشاطئ للجميع"

دفعتني كلمات سهام إلى تساؤل، يبدو أن البعض يتشاطره معي في مصر، بداية كل صيف: لماذا نتهم البسطاء دائماً بالقبح؟ لماذا ننكر حقهم في الاستمتاع على طريقتهم؟ والأهم لماذا ارتبط الفقر في أذهاننا بالخروج عن الآداب العامة؟ هل هؤلاء البسطاء هم حقاً من شوهوا الإسكندرية ودمروا شواطئها وحولوها من مصيف النجوم الى مصيف "شعبي"؟

يلقي الكاتب والفنان التشكيلي، حسن الحلوجي، باللائمة على شركات القرى السياحية والبلاجات الخاصة، في مشاكل الزحام والقبح، يقول لرصيف22: "في الأصل، الشاطئ ملك للجميع، من حق كل المواطنين مهما اختلف مستواهم المادي والاجتماعي التمتع به، لكن عندما نجد كل الشاطئ قد احتلته القرى السياحية والبلاجات الخاصة، وتم تحديد حيز ضيق، أطلقوا عليه "شاطئ عام" ليتكدس فيه العامة، فهذا ليس عدلاً".

ويضيف: "كثرة العدد في نفس المساحة الضيقة، من الطبيعي أن ينتج عنها تشوه للمكان وعدم نظافة وحسن سير النظام، واختفاء المساحات الشخصية".

ويتابع: "وفروا لهم المساحات والخدمات قبل أن تتنمروا عليهم".

"يعترض الكثيرون من الطبقات الاجتماعية الأخرى على طريقتنا في الاستمتاع بمصايف الإسكندرية، كما لو كنا كائنات فضائية هبطت على مصر فجأة لتشوه جمالها، يسخرون من حلل المحشي، وطريقة أكلنا ولبسنا"

ويرى الحلوجي أن "حلل المحشي" والمعكرونة، والملابس الداخلية، والجلابية ثقافة لشريحة محددة توجد في نفس المكان، بين أفرادها اتساق وتصالح، تماماً كشريحة المايوهات البيكيني في المنتجعات السياحية والشواطئ الخاصة.

ويتابع: "الشريحتان ينتقد كل منهما الآخر لأنهما ببساطة مختلفتان تماماً، لكن هذا ليس مبرراً أبداً للتنمر الذي زاد عن حده مؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة".

"المتعة في التفاصيل"

اعتاد شهاب طلعت، طالب جامعي من المنوفية، أن يذهب إلى الإسكندرية كل صيف مع عائلته وأقاربه، يستأجر والده شقة على الكورنيش، بالقرب من شارع خالد بن الوليد حتى يكون في محيط السوق والبحر، لا لشيء إلا توفيراً للنفقات، كما فهم من والده.

يغضب طلعت "عاشق الإسكندرية" كثيراً من حملات التنمر التي يشنها الكثيرون على رواد المصايف "الشعبية"، يقول لرصيف22: "يعترض الكثيرون على طريقتنا في الاستمتاع، ما نأكله وما نرتديه، كما لو كنا كائنات فضائية هبطت على مصر فجأة لتشوه جمالها، لا يعرفون أننا خلال هذه الأيام القليلة نرتدي أفضل ما لدينا، حتى لو كان في نظرهم لا يليق، يعترضون على ما نأكل ويسخرون من "حلل المحشي "، ولا يعرفون أن هناك عائلات لا تملك ما يكفي لشراء وجبات جاهزة أو الذهاب للمطاعم مثل رواد الشواطئ الخاصة".

لا يبالي طلعت بـ"كيف يرانا الآخرون"، ما يهمه هو اقتناص إجازة من الزمن للاستمتاع كبقية البشر، ويرى أن "المتعة تكمن في التفاصيل". ويضيف: "الصحبة مع الأقارب والجيران والأصدقاء، والسهر حتى الساعات الأولى من الصباح على الشاطئ وفي الشوارع لنقتنص أكبر قدر ممكن من المتعة قبل أن ينقضي الوقت سريعاً، هذه كلها ذكريات نحملها، تهون علينا أيام السنة ومتاعب الدراسة أو العمل، ولا نعلم هل نستطيع تكرارها مرة أخرى أم لا".

ويكمل: "أتمنى أن يتوقف الجميع عن التربص بنا، فنحن نذهب للإسكندرية لنستمتع لا لنخرب أو نلوث أو نضايق أهلها كما يشيع البعض".

يقر الكاتب السكندري محمد العبادي بوجود "تنمر" يشمل رواد المصايف الشعبية، وخصوصا من أهل الاسكندرية. لكن يرى وجود "أسباب منطقية" وراء ذلك.

ويؤكد أنه يؤمن بحق الجميع في الاستمتاع بالبحر والشاطىء مهما كان مستوى الفرد الاجتماعي، لكنه يشدد على ضرورة وجود "قواعد وآداب عامة بديهية ليس لها أي علاقة بمستوى اقتصادي أو ثقافي".

"مدينة الجحيم"

يرى العبادي أن التغير الذي طرأ على الإسكندرية "طبيعي، فبعد أن كان يرتادها الملوك والأمراء ثم النجوم والمشاهير، أصبح يرتادها الفلاحون والموظفون البسطاء، بعد أن ظهرت قرى الساحل الشمالي التي جذبت الطبقة العليا، تاركين أماكنهم لطبقات ذات مستوى ثقافي واجتماعي مختلف".

ويضيف: "غضب أهل المدينة ليس من الزوار ولكن من تصرفاتهم التي تنافي الآداب العامة، وتشوه المدينة، وتجعلها طوال أشهر الصيف مدينة الجحيم التي لا تطاق"، على حد تعبيره.

صورة أبيض وأسود للأجواء العامة بشواطئ الإسكندرية أيام زمان

ويواصل: "طوال أيام الصيف لا أحد منا يستطيع الاقتراب من الكورنيش، وإلا ضاع وقته في شدة الزحام وفوضى الشوارع، حيث تفاجئك جحافل المصطافين خارجة من البحر مباشرة بالملابس الداخلية، عابرةً الشوارع أو مستقلةً المواصلات العامة بمياهها ورمالها، مما يسبب إزعاجاً للآخرين".

ويروي: "يعني ابقى نازل من بيتنا في كامل أناقتي أرجع مبلول ومتبهدل عشان مصيّف كسل يدخل الحمام العام يغسل نفسه من الرمل أو يغير هدومه المبلولة".

ويقول: "أنا لا أعترض على نزولهم البحر بالملابس الداخلية والجلاليب، هم أحرار، وفلنفترض أنهم لا يملكون ثمن ملابس البحر، لكن هل لا يملكون جلباباً جافاً يسترون به أنفسهم في الشارع بدلاً من الملابس المبللة، التي تبرز أجسادهم أكثر مما تسترها وتجرح نظر المارة".

ويتساءل العبادي في نهاية حديثه لرصيف22: "لماذا يجب علي أن أتقبل كل هذه البشاعة تحت دعوى حرية الفقير في التمتع بالبحر، فثقافة الجمال والذوق والنظافة ليس لها علاقة بالمستوى المادى، أنا لا ألومهم كأشخاص، المأساة ليست مسؤليتهم بمفردهم لكنها انهيار لقيم الجمال في البلد بشكل عام".

كلام العبادي تؤيده بشدة السيدة هالة سليم (60 عاماً)، التي عاشت سنوات صباها وشبابها في الإسكندرية، وعاصرت المدينة الساحرة في أوجها، عندما كانت مصيف النجوم والمشاهير.

"حلل المحشي والمعكرونة، والملابس الداخلية، والجلابية ثقافة لشريحة محددة بين أفرادها اتساق وتصالح، في أماكن بلا مساحات واسعة أو خدمات"

تسترجع هالة ذكرياتها في الإسكندرية، وتقول لرصيف22: "كنا طوال فترة الصيف نقضي الإجازة في إحدى كبائن الكورنيش في منطقة ميامي، التي كان يقصدها النجوم والمشاهير، فكنت أشاهد ميرفت أمين وليلى طاهر ويوسف شعبان في كابينة مجاورة، كما كانت المذيعة الراحلة سلوى حجازي تسكن خلال الصيف في الدور الثاني من كبينتنا".

صورة أبيض وأسود للأجواء العامة بشواطئ الإسكندرية أيام زمان

وتضيف: "كنت أنتظر هذه الإجازة بفارغ الصبر طوال العام، فمعها يأتي أصدقاء المصيف من القاهرة، يستأجرون كبائن من المحافظة أو يقيمون في كبائن خاصة بهم، لنقضي ساعات الصباح في البحر نمارس السباحة أو نلعب بالطائرات الورقية، ونتنافس في مباريات الراكيت على الشاطئ".

وتتابع: "أما ساعات الليل فكنا نقضيها في شوارع الإسكندرية نتناول الآيس كريم في سيدي بشر ونركب العجل في شارع 45، كما كانت زيارتنا لسينما فلوريدا في بير مسعود سمة أساسية لأيام الصيف ولياليه، وهي سينما صيفية كانت تعرض فيلمين يومياً، واحداً عربياً وواحداً أجنبياً".

محمد خضر (33 عاماً)، من شبين الكوم، يرى أن الإسكندرية ذاتها تغيرت، وأن الأمر لا يقتصر على المصايف والصيف، يذهب إلى هناك كل عام، ويسكن في شقة صديق بمنطقة سموحة الإسكان الصناعي، ويقول: "يلعب الأطفال في الشارع طول اليوم، والزحام يملأ الحي الذي كان منذ عشر سنوات هادئاً، حتى السماء الصافية التي أطل عليها من النافذة، تبرع أهل الحي لإقامة مجسم كعبة ضخم يسد القمر والشمس".

يعاني خضر من التنقلات وسط أحياء الإسكندرية من مسكنه إلى بعض الشواطئ، العديد من الشوارع مكسرة، وصادف في مشوار واحد حادثتي سير، ويفضل خضر الذهاب إلى الإسكندرية في الشتاء بسبب الزحام، وتكدس الناس على الشواطئ، ولا يحب دخول البحر من الأساس.

بالنسبة إلى خضر لا تختلف الإسكندرية كثيراً عن مدينته في محافظة المنوفية، باستثناء وجود البحر، والكورنيش، وتاريخها المميز.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard