"عودة دانتون"... أما آن للمسرحية أن تنتهي؟

الخميس 8 يوليو 202109:42 ص

اكتسب عدد غير قليل من المسرحيات السورية المنتجة في أوروبا في السنين الماضية، شكلاً يمكن تسميته بـ"العرض غير المكتمل"، الذي نشاهد ضمنه مجموعة من العاملين في المسرح يحاولون "إنجاز" عرض ما، أو سرد حكاية على الخشبة، سواء كانت واقعية أو "مسرحية"، دون التمكن من ذلك، ليكون العرض نهاية أقرب إلى "ما قبل العرض"، ونقصد بذلك استعراض التجهيزات والتمرينات واختيار الممثلين والعمل على النص.

نتعرف في العروض ذات الصيغة السابقة على الصعوبات التي يواجهها فريق العمل للوصول إلى الصيغة النهائية للمسرحية، والصراعات حول حكاية "سورية" وعلاقة الممثلين مع الشخصيات التي سيؤدونها، وكيفية توظيف الفن المسرحي كوسيط للحكاية.

استخدام تعبير "عدم الاكتمال" ليس تهجماً أو سباباً أو انتقاصاً، بل محاولة لتوصيف شكل العرض الذي يُخاطب نفسه ويعي أنه مسرحية، هذا الأسلوب أتاح للعاملين في المسرح طرح أسئلة على أنفسهم كـ"ممثلين، مخرجين، كتاب.."، وكسوريين " لاجئين، مهاجرين، منفيين، سوّاح..."، والأهم، هو شكل يتيح مساءلة المسرح نفسه، سواء على المستوى الجمالي أو على المستوى المرتبط بمكان العرض، الجمهور، المموّل والإنتاج.

هل المسرحيين السوريين عاجزين عن سرد حكاية مختلفة عن حكايتهم بسبب الحشيش؟

نشاهد واحداً من تنويعات المقاربة السابقة في العرض المسرحي "عودة دانتون" الذي بُثّ مؤخراً على الإنترنت ضمن مهرجان "شباك"، وهو من تأليف مضر الحجي وإخراج عمر العريان، وبالتعاون مع تجمع "مقلوبة" المسرحي، ونتعرف فيه على الممثل رضا (محمد آل رشي) ، والممثل ستيف (محمد ديبو) والمخرج إياس (كنان حميدان) والدراماتورج رهف (أمل عمران)، الذين يتدرّبون على أجزاء من النص الكلاسيكي "موت دانتون" للألماني جورج بوشنر، لتصوير "présentation" للحصول على تمويل لإنجاز العرض بأكمله، في رهان على أن نص "موت دانتون" من كلاسيكيات المسرح الألماني، وسيثير اهتمام المؤسسات الألمانية الداعمة للمسرح.

اختيار هذا النص ليس مجانياً ولا يرتبط فقط بـ"المموّل الألماني"، فـموت دانتون يناقش الصراع بين طهرانية الرعب الروبيسبيري وانفتاح دانتون على الآخر وعلى الطبيعة البشرية المتقلّبة، الثنائية التي وظفت لطرح أسئلة على المواقف السياسية السورية وإمكانية المقارنة بين الثورتين، الفرنسية والسورية. والأهم، محاولة لتحديد "العدو" وماهيته، وهل هو فعلاً موجود وثابت عبر الزمن، ومن هو بدقة؟

ناهيك عن السؤال الأشد رعباً: ما هو دور المقصلة في الثورة؟ تلك التي تحاكم في المسرحية الشعوب والسياسيين ثم صنّاع المسرح أنفسهم، ومخاوفهم الخاصة ضمن العمل المسرحي. أي هل نصنع المسرح لنأكل، لنحقق أحلامنا أم لننقل رسالة سياسية؟

أين "نلعب" ومع من؟

يطرح العرض أسئلة عن جدوى اللعب، أي العمل في المسرح، وإشكالية العلاقات بين العاملين على الخشبة. فستيف، الممثل الذي قرر أن يصبح "DJ"، منذ وصوله إلى ألمانيا يحاول إعادة إحياء حلمه بالتمثيل الذي دفنه طوال عشر سنوات، مفضلاً لعب الموسيقا والتحرّر من سطوة النص والمخرج والدراماتورج، أما المخرج إياس فيحاول الحصول على التمويل وتقديم رؤيته ومحاربة مخاوفه الشخصية والفنية، أما الدراماتورج، عدو الجميع، فيحاول البحث عن عمل حقيقي لنفسه ضمن وخارج المسرحية والدفاع عن دوره كدراماتورج، المهمة التي ينكر الكثيرون أهميتها في العمل المسرحي.

نص "عودة دانتون" يناقش الصراع بين طهرانية الرعب الروبيسبيري وانفتاح دانتون على الآخر، الثنائية التي وظفت لطرح أسئلة على المواقف السياسية السورية وإمكانية المقارنة بين الثورتين، الفرنسية والسورية

هناك أيضاً العوائق التي تحضر خارج مساحة اللعب، فهناك حرص على المساعدات التي يحصل عليها كل واحد من الدولة وكيفية الحفاظ عليها، إلى جانب محاولة إيجاد "العمل" المناسب بالتعاون مع مكتب العمل، وغيرها من "العقبات" والقيود البيروقراطية وأساليب الاعتراف التي تحيط باللاجئ، تضبط وضعيته وتنظّم علاقته مع الدولة.

لن نخوض في تفاصيل العرض وإحالاته المختلفة، لكن ما يثير الاهتمام بدايةً هو تساؤلات رضا، الممثل المحترف لأكثر من 30 عاماً، والمقيم في ألمانيا، والذي يرى نفسه ممزقاً ضمن صراع بين إعالة أسرته والدفاع عن أخلاقه وموقفه السياسي، يتجلّى ذلك في عروض التمثيل التي جاءته للعمل في "المسلسلات السورية" والتي يرفض المشاركة بها بالرغم من المال الذي سيكسبه والذي سيحسّن معيشته وأسرته، أما سبب رفضه فهو عدم قدرته على "اللعب" إلى جانب أولئك الذين يختلفون عنه سياسياً، المشاركين حرفياً في تخوينه ونعته بالإرهابي والترويج لحكاية النظام السوري.

يبقى سؤال رضا دون إجابة واضحة، خصوصاً أن ظاهرة "أصدقاء على الشاشة، خصوم في الواقع" أصبحت منتشرة في الوسط الفني السوري، وتثير العديد من الإشكاليات، فهل نفصل مساحة اللعب عن مساحة الجد السياسية ونحاول كسب لقمة العيش، أم نرسّخ المقاطعة مع النظام السوري، ونرضى بالعمل ضمن مساحات مردودها لا يكفي للمعيشة، مساحات محكومة بالصراع مع الآخر الأوروبي وسياساته ونظرته إلى اللاجئين؟

في الحشيش وتوزيع اللوم

يظهر في العرض أيضاً "الحشيش-Cannabis " كعقبة في وجه الإنتاج المسرحي، في ذات الوقت أسلوباً للنجاة المؤقتة من الواقع، في إحالة إلى الاتهامات التي تلاحق الكثير من السوريين في أوروبا، ووصفهم بـ"مدمني المخدرات"، الأمر الذي تنتقده المسرحية ثم توظفه.

 فبالرغم من محاولة حل المشكلة مع أحد الممثلين (ستيف) عبر "تقنين" تعاطيه للحشيش، لكن هذه "المادة" تظهر نهاية كدرب لخلاص ما، وأسلوب لتجاوز خيبة الأمل، إذ نرى كيف يتحول التدريب بسبب الإحباط إلى احتفال تُقدم خلاله نسخة "هذيانية" لواحد من مونولجات دانتون، نسخة تثير غضب المخرج حدّ ترك العمل.

يظهر "الحشيش-Cannabis" بوصفه المشكلة الأسهل التي يواجهها الممثلون/ اللاجئون، فحلّه بسيط: توقّفْ عن التدخين أو اضبطْ أوقاته. لكن وراءه تختفي المشاكل الحقيقية، ألا وهي مواجهة السوق الأوروبي، تحديات العمل المسرحي ومشكلة اللغة المتكرّرة في المسرحية والتي يناقشها الممثلون عدة مرات، لكن الحشيش ليس حلاً سحرياً يعطل الزمن والاتزان كما يروّج المنتقدون، هو أسلوب للانعتاق واللعب وتجاوز كل العقبات نحو الحرية، تلك التي يعد بها المسرح ممارسيه بعيداً عن أي قيد.

نركز هنا في حديثنا عن موضوع الحشيش و بسبب تكرار الحديث عن العلاقة بينه وبين العجز عن إكمال أي عمل، بصورة اتهامية تخالف، ليس فقط المنطق، بل العلم نفسه، لكن المشكلة لا ترتبط به ولا بمدخنيه، بل بالسوق نفسه، فصعوبات العمل المسرحي لا تواجه السوريين فقط، بل كل العاملين في المسرح في أوروبا، لا خصوصية للسوري إلا في حكايته التي بدأ يتلاشى وهجها في نظر المؤسسات المسرحية، ولا نحاول هنا أن نتجاهل التهجير والصدمات وأثر الثورة والحرب على السوريين، لكن هل هذا يعني أن السوريين عاجزون كمسرحيين عن سرد حكاية مختلفة عن حكايتهم بسبب الحشيش؟ هل لهذا السبب العروض المسرحية في الفترة الأخيرة تتحرك في كواليس المسرح، وتحاول أن تفهم لمَ نعجز عن سرد حكاية مكتملة بسب الحشيش؟

لا نطرح هذه الأسئلة سخريةً، لكن هناك إشكالية متكررة الطرح، ولا علاقة لها بالحشيش، إلا أن سطوة الحكاية السياسية المرتبطة بالثورة السورية على أهميتها، حوّلت المسرح إلى مساحة للسؤال عن جدوى الوسيط نفسه، واكتشافه عبر طرح أسئلة على الثورة وعلى المنتمين لها، خصوصاً فيما يتعلّق بـ"فن التمثيل" و هذا ما يقوله رضا، ويتساءل حزناً وغضباً عن جدوى عمله بل و قدرته على إنجاز "وظيفته"، إن كان يعجز عن النوم ويفكر كل يوم بمصيره ومصير السورين والحال الذي وصلوا إليه.

ظاهرة "أصدقاء على الشاشة خصوم في الواقع" منتشرة في الوسط الفني السوري، فهل نفصل مساحة اللعب عن مساحة الجد السياسية ونحاول كسب لقمة العيش؟ أم نرسخ مقاطعة النظام السوري و(فنانيه)؟

ناهيك عن السياسات الأوروبية نفسها التي تقولب وتحجّم "المسرح السوري"، وهنا يظهر المميز في عرض "عودة دانتون" إذ يطرح إشكاليات شديدة الراهنية يختبرها العاملون في الحقل الثقافي خارج سورية، خصوصاً اللاجئين والمهجرين، الذين يعيشون الخذلان المتكرر، والشعور بأن حيواتهم الماضية وخبراتهم لا تعني شيئاً، إذ نتلمّس خيبة الأمر مراراً، والخيارات القاسية بين العمل الفني والانتماء السياسي، وتحديد الموقف من البلد المضيف، ذاك الذي يحشر الأفراد ضمن خانة واحدة لا يستطيعون التحرك خارجها.

هذه الخانة تتلخّص بالأسئلة التافهة التي يواجهها العاملون في الوسط الفني: ما رأيك بالاندماج؟ هل عبرت البحر بالقارب؟ كم مرة واجهت الموت؟ هل اللاجئون يحبون المسرح؟ هل هناك مسرح في سورية؟

الأسئلة السابقة تطرحها صحفية على إياس، المخرج في العرض، وكما هو واضح هي تحمل إهانة في داخلها، أولاً لأن الصحفية لا تسأله أبداً عن المسرحية التي ينجزها، وثانياً، تبدو وكأنها تقول: "لا يهمنا كل ما تقوم به وكل مسرحك وكل شغفك، ما يهمنا هو موتك المؤجل، وكيف ستتطابق مع القيم التي نفرضها عليك".

لماذا ندرس "موت دانتون" في سورية؟

تطرح شخصية المخرج في المسرحية أسئلة عن نص "عودة دانتون" نفسه، ودراسته في سورية في المعهد العالي للفنون المسرحية، ما يحيلنا إلى طبيعة تجهيز المسرحيين في الأكاديمية السورية واستعداداهم للعمل المسرحي.

والمعروف أن المعهد العالي للفنون المسرحية في سورية لا يُدرّس التجارب المعاصرة، عدا تلك التي ألّفها بضعة كتاب سوريين وعرب مرسّخين، الباقي يتناول تاريخ المسرح العالمي، وبعض الإشارات إلى المسرح العربي وأصوله، وهنا يمكن النظر إلى تجربة المؤلف مضر الحجي نفسه، واختياره لهذا النص، والسؤال الذي يُطرح ليس فقط في العرض، بل في وصف العرض نفسه، لمَ يُدرّس في سورية نص "موت دانتون" بترجمة سيئة؟

يمكن الاستطراد والقول إن العرض ينتقد المؤسسة السورية الرسمية التي تسعى لجعل الممارسة المسرحية السورية على توازٍ مع المسرح الأوروبي، في ذات الوقت تحويله إلى نموذج يحتذى به، نختلف عنه أو نماثله، لكنه في النهاية "نموذج"، وهذا ما تقوله شخصية المخرج في المسرحية أنه حين قرأ النص للمرة الأولى لم يعجبه، ولم يعن له شيئاً، كون احتمالات الثورة في ذاك الوقت، 2003، لم تكن فقط مستحيلة، بل خارج الحسبان.

هذا الانفصام بين ما تلقنه المؤسسة الأكاديمية والشرط السياسي يظهر في العرض نفسه عبر الحديث عن المسلسلات، وكأن هذه الصناعة المهينة على سوق الفن في سورية والأيديولوجيا المرتبطة بها هي المنفذ الوحيد لكسب العيش، أما المسرح فبلا جدوى، سواء في سورية أو أوروبا، هو حكر على فئة صغيرة تعمل به وتتغنى بتاريخه دون تماس مع السوريين أنفسهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard