شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"الصمت أقوى صرخة"... ما هي فوائد الصمت في عالمنا الصاخب؟

"الصمت أقوى صرخة"... ما هي فوائد الصمت في عالمنا الصاخب؟

حياة

الثلاثاء 22 يونيو 202105:52 م

في خضمّ هذا العالم الصاخب الذي نعيشه اليوم، قد يكون من الصعب العثور على مساحة للصمت، بخاصة وأننا نتعلم منذ الصغر أنه يتعيّن علينا دوماً الردّ، حتى ولو كنّا على دراية تامة بأن ما نقوله غير مفيد، وكأن المهم هو خلق ضوضاء من حولنا حتى لا نغرق في أفكارنا الصامتة والتي قد تبثّ الرعب في قلوبنا.

ولكن ما هي القوة الكامنة وراء الصمت بخاصة في عالم تسوده الفوضى والتلوث السمعي؟

الصمت... ضعف؟

قدّرت منظمة الصحة العالمية أن جزءاً كبيراً من السكان يتعرض لمستويات ضوضاء قد تشكل ضرراً على صحتهم. ومن المتوقع أن يعاني أكثر من 500 مليون شخص من مشاكل السمع بحلول العام 2030.

غالباً ما نتحدث عن أهمية التعبير عن أنفسنا وإثبات حضورنا، ولكن الاستخدام الهادف للصمت يمكن أن يشكل أداة قوية لإيصال رسالتنا.

عندما نفكر في شخص قوي يعبّر عن آرائه بحرية في الحياة من دون خشية أو خوف، فإننا غالباً ما نتخيّله يتحدث بصوت عال، وكأن قوّته تأتي من النبرة الحازمة والصوت العالي الذي يصل أحياناً لحدّ الصراخ.

نتعلم منذ الصغر أنه يتعيّن علينا دوماً الردّ، حتى ولو كنّا على دراية تامة بأن ما نقوله غير مفيد، وكأن المهم هو خلق ضوضاء من حولنا حتى لا نغرق في أفكارنا الصامتة والتي قد تبثّ الرعب في قلوبنا

هذه الصورة النمطية التي نتعلمها منذ الصغر تجعلنا نعتقد بأن الأشخاص الصاخبين، كأهل السياسة والمشاهير وأصحاب المال والنفوذ، يسعون دوماً للتحدث بصوت عال حتى تصل كلماتهم إلى آذان السامعين/ات، في حين نتربى على فكرة أن الصمت يوازي الضعف والعجز والخضوع، فعندما يتم إسكات صوتنا، بطريقة ما، نشعر بأننا تحت سيطرة الطرف الآخر وكأننا فقدنا قدرتنا على الكلام وخسرنا قوتنا في التفاوض.

ولكن وبعيداً عن الصور النمطية والأفكار الخاطئة، فإن "الصمت هو أقوى صرخة" وقد يكون أبلغ من الكلام وأشد وقعاً من الصراخ.

الجانب الآخر من الصمت

تكشف الإحصاءات أن 93% من التواصل غير لفظي.

وفي سياق بحث أجراه الدكتور ألبرت مهرابيان في الستينيات، تبيّن أن الكلمات تنقل 7% فقط من رسالتنا، بينما تحدث بقية الاتصالات من خلال نغمتنا وتعبيرات وجهنا وإيماءاتنا وما شابه ذلك.

إذا كانت غالبية الاتصالات غير لفظية، ألا يعني هذا بأن الصمت قادر على توفير تواصل جيد؟

لا يتعلق الصمت الهادف بالقوقعة والعزلة، بل بالاستماع والإنصات الجيّد لما يقوله الطرف الآخر، ومحاولة فهم حديثه قبل القفز إلى الاستنتاجات بشكل متسرع.

وبالتالي فإن هذا النوع من الصمت لا علاقة به بالتحكم وببسط السيطرة على الحديث والنقاشات، بل يمكن اعتباره بمثابة استراتيجية وتكتيك للسماح بالمحادثة بالاستمرار والمضي قدماً، عوضاً عن التوقف على تفاصيل صغيرة.

واللافت أنه لا يقتصر تأثير وجودنا الإيجابي الصامت على إحداث فرق كبير في شعور الآخرين تجاهنا وكيفية استجابتهم فحسب، بل تظهر الأبحاث أنه يؤثر أيضاً على جودة المعلومات التي نتلقاها، بحيث يمنحنا الاستماع الفعّال قوة لا توصف، بالإضافة إلى القدرة على مشاركة رؤيتنا والتواصل مع الطرف الآخر والتعلم منه.

وفي حال ترافق الصمت مع الابتسامة والإيماء ووضعية الجسد المكشوفة، فإن لغة الجسد هذه من شأنها أن تجعل الشخص الآخر يتعمّق في المحادثة ويعبّر عن رأيه بشكل أكثر انفتاحاً، أما في حال كان الصمت مصحوباً بالعبوس، فإن الطرف الآخر يكون أكثر حرصاً على انتقاء كلماته ولا يشارك إلا الحقائق الملموسة والمعلومات السطحية من دون الغوص في عمق الحديث.

فوائد الصمت

"الصمت يمكن أن يجعلنا غير مرتاحين لأننا معتادون على إلهاء أنفسنا عما نشعر به"، هذا ما قالته الدكتورة ستيفاني لودويغ لموقع Canyon ranch.

فقد أوضحت ستيفاني أنه عندما نكون صامتين، يتعين علينا مواجهة كل ما يتخبط في داخلنا.

وبالتالي بهدف تجنّب هذه المواجهة، فإننا غالباً ما نستمر في التحرك ووضع الخطط، غير أن ذلك يكون على حساب جني ثمار الصمت، على حدّ قولها: "إذا عرفنا حقاً النعم التي تأتي من الصمت، فسنخصص بالتأكيد المزيد من الوقت لذلك".

وبينما يكره بعض الناس البيئة الصامتة ويربطون الصمت بالوحدة، يتطلع آخرون لقضاء الوقت بصحبة أفكارهم فقط ويسارعون للبحث عن الصمت بشغف، كما لو كانوا يتوقعون هدية ما، فالصمت بالنسبة لهؤلاء هو أكثر من مجرد نقيض الضوضاء، إنه نعمة.

وبالفعل، فقد كشفت الأبحاث أن الصمت قد يحمل فوائد للصحة الجسدية والنفسية، بخاصة في حال كان يأتي وسط الضوضاء.

فقد تبيّن أن قضاء الوقت في صمت له آثار ايجابية على الجسم لناحية تعزيز نمو خلايا الدماغ، خفض ضغط الدم، تقوية جهاز المناعة وتقليل مستويات الكورتيزول في الدم، بالإضافة لتنظيم الهرمونات وتجنب تصلب الشرايين.

أما بالنسبة للفوائد النفسية للصمت، فتشمل: تعزيز الإبداع، زيادة التركيز وضبط النفس، هذا ويوفّر الصمت فرصة للتأمل الذاتي، ما ينشط أجزاء متعددة من الدماغ، ويمنحنا الوقت لتقليل الضوضاء والفوضى الداخلية ويعزز زيادة الوعي بالأشياء الأكثر أهمية، بالإضافة إلى عيش اللحظة الحالية وتقديرها وتقليل التوتر، بحسب ما كشفت دراسة أجريت في العام 2006، والتي أوضحت أن دقيقتين فقط من الصمت تعتبر أكثر استرخاء من الاستماع إلى الموسيقى.

كيف يمكن استخدام الصمت وتسخيره من أجل إيصال أفكارنا بقوة؟

في عالمنا المزدحم والصاخب، يبدو أن الكثير من الناس يخشون الصمت، على اعتبار أنه سلاح ذو حدّين، وفق ما أكدته الأخصائية في علم النفس لانا قصقص.

فقد أوضحت قصقص، لموقع رصيف22، أن الصمت يمكن أن يشكل مساحة لكي يتمكن المرء من التفكير أكثر في الحادثة أو تحليل الموقف الذي يمرّ به، فيختبر المشاعر كلها بروية وهدوء، ومن دون أن يتخذ قرارات متسرعة أو يطلق أحكاماً مسبقة.

غير أن التزام الصمت في مواقف معيّنة قد يتحول إلى وسيلة تؤذي الطرف الآخر، بخاصة حين يمتنع المرء عن التعبير عن نفسه وعن مشاعره، فيعيش في عالمه الخاص، رافضاً التفاعل مع الآخرين.

إذن، على غرار كل أشكال القوة، يمكن استخدام الصمت للإيذاء أو لتعزيز الهدوء والسماح للجسم بالشفاء من الضغوطات النفسية، بمعنى آخر، يمكن مقاربة الصمت بشكل إيجابي أو سلبي في عملية التواصل، ولعلّ هذا ما يجعل استجابة الناس للصمت تختلف بشكل كبير.

فالصمت بالنسبة لبعض الأفراد، يعني الشعور بالوحدة أو العزلة أو الإحراج، ويمكن استخدامه للإشارة إلى الانسحاب العاطفي أو الرفض أو حتى العقاب، وغالباً ما تستخدم كلمة صمت في لغتنا مع دلالات سلبية، في سياق ما يعرف بمؤامرة الصمت أو المعاملة الصامتة.

وعليه، من المهم أن نسأل أنفسنا دوماً: "هل يخلق صمتي هذا إحساساً بالأمان والراحة أم أن سكوتي مخيف ويشكل تهديداً للآخرين؟ هل أستخدم الصمت للتلاعب بالطرف الآخر أم لخلق مساحة له للتعبير عن تطلعاته وإثبات وجهة نظره؟

من المهم تخصيص بعض الوقت في اليوم للجلوس بصمت والتركيز على اللحظة الآنية، وعندها سوف تشكركم/نّ عقولكم/نّ وأجسامكم/نّ على هذه اللحظات الثمينة التي لا تعوض

ربما تعلم الكثير منّا قمع أو حجب الصوت أثناء الطفولة، بعض الأهل يستخدمون "المعاملة الصامتة" لإرسال رسالة مفادها أن سلوك الابن/الابنة غير مقبول، ومع التقدم في العمر، قد يلجأ البعض إلى هذا النوع من الصمت لإبقاء الطرف الآخر في حيرة من أمره من دون العثور على حلول واضحة وصريحة.

والحقيقة أننا لم نتدرب كثيراً على تعزيز حضورنا القوي والإيجابي من خلال الصمت المثمر، ولكن لحسن الحظ، لا يزال بإمكاننا التعلم واستخدام صمتنا للاستماع إلى آراء الآخرين وتعزيز التواصل معهم.

في نهاية المطاف، يتطلب الأمر بعض الشجاعة لاستخدام الصمت كأداة اتصال، ومن المفارقة أنه يمكن أن تشعروا/ن بصعوبة في ترك كلماتكم/نّ معلقة دون مزيد من التفسير أو الدفاع عن وجهة نظركم/نّ، ولكن كما أشرنا في السطور السابقة، هناك قوة تكمن في طيات الصمت أيضاً، من هنا من المهم تخصيص بعض الوقت في اليوم للجلوس بصمت والتركيز على اللحظة الآنية، وعندها سوف تشكركم/نّ عقولكم/نّ وأجسامكم/نّ على هذه اللحظات الثمينة التي لا تعوض.

Website by WhiteBeard