يوم حُفرت هاوية عظيمة في زمن كوباني

السبت 26 يونيو 202110:43 ص

يخنقني ألم تذكّري أختي بروين، كلما حاولت أن أعانقها. أعيش الحزن والفقدان، وأرى آثارها الناعمة هنا وهناك. تظهر في عقلي بين الخيال والخيال. لن أنسى بشرتها المصفرّة بلون الردى. انتهت الحياة في عينيها المغلقتين، وتجمدت ذكرياتها جميعها في ذلك اللون. تلاشت اللحظات كلها، وتحولت إلى صورة معلقة على حائط بيتنا، مع زوجها رودي.

كانت الساعة الخامسة فجراً حين هاجمت داعش مدينتنا الجميلة كوباني، كجحيم ظهر من فجوة زمنية. لم أخرج من مكان عملي في وكالة هوار للأخبار. أُخبرنا أنهم كانوا يرتكبون المجازر، ويقتلون كل من يصادفونه وسط ظلمة راية علت عقولهم المجنونة. شعرت بالذعر حين رن هاتفي النقال. لن أنسى تلك الجملة المفجعة: "أنتِ آلجين حمو؟ عليك الحضور إلى البيت لوداع بروين قبل دفنها، لقد توفيت أختك برصاص داعش". لم أصدق الكلام، وهرعت إلى البيت. لم أستوعب بكاء أمي وأقربائي وصراخهم، وهم يلتفون حولها مستسلمين. رأيتها ممددة بلا حراك. انتظرت، للحظات، أن تستيقظ من نومها. لكنها لم تنهض، ولم يثِر ضجيج العويل سمعها. صرخت بأعلى صوتي حين أدركت أنها سترحل إلى الأبد؛ إلى الطريق الوحيد الذي لا عودة منه. صرخت كثيراً حتى تسمع، علّ اللحظة تخون الموت، وتحيا بروين من جديد. لكن صراخي كان بلا جدوى.    

لن أنسى تلك الجملة المفجعة: "أنتِ آلجين حمو؟ عليك الحضور إلى البيت لوداع بروين قبل دفنها، لقد توفيت أختك برصاص داعش".

متنكرين بزي القوات الكردية، اجتاح عناصر داعش عائلة زوجها رودي، كما أخبرتني أخته. كانا في زيارة عندهم. ثم فجأة أطلقوا الرصاص على حماتها التي كانت تتوضأ لأداء صلاة الفجر. قتلوا أفراد عائلتهم واحداً تلو الآخر، متنقلين من غرفة إلى أخرى، ورصاصاتهم تخترق أجسادهم. كانوا على عجل، فلا وقت للاختيار. الكل سيُقتلون. اختبأت ابنتا حميها في زوايا البيت، وخلف الباب، كما أخبرتني إحداهن، وتعيش في مدينة كوباني. تسمرت أختي بروين وهي تسمع خطاهم تقترب وتبتعد، كالردى يلمسها في كل حين. فجأة لمحها أحدهم، وكأن مكانها عنوانهم. وجّه سلاحه نحوها، وأطلق رصاصة، فأرداها قتيلة. كانت الأختان الأخيرتان تسمعان أصوات الرصاصات، وهي تقضي على إخوتهم وزوجاتهم وأولادهم الأحد عشر، وسط ذعر جمدهما كالجليد. كان ظلام الفجر رفيقهما، ويحرسهما من عيونهم. وقْع أقدام القتلة الملطخة بالدماء أثار صمت المكان الذي لفه الردى بعباءته القاتمة. رحلوا تاركين خلفهم مجزرة وويلاً ثقبا تاريخ الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو سنة 2015.

بعد شهر من وقوع المجزرة، ذهبنا إلى بيت بروين لنأخذ أغراضها وثيابها. غبار الغياب المفجع يكسو أثاث بيتها. تأملت أن ترف روحها، أو عطرها، من المرآة، ويحرك السكون، أو أن أحرك صورتها المعلقة لتظهر من جديد. أعرف أن كلاً منا يمشي إلى ميعاد مماته، فهو طريق الجميع. لكني لم أصدق أن بروين تلاشت في الرثاء، وستتحول إلى ماضٍ. يحزنني أنها لم تخبرني عن خوفها، وعن ألم الرصاصة في جسدها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وعن اللحظات التي ربما استنجدت خلالها بي، ولم أسمعها. كان قد مضى على زواجهما عشرون يوماً قبل المجزرة. أقفلنا الباب حاملين كل ما يخصها في حقائب، ومضينا.

قتلوا أفراد عائلتهم واحداً تلو الآخر، متنقلين من غرفة إلى أخرى، ورصاصاتهم تخترق أجسادهم. كانوا على عجل، فلا وقت للاختيار. الكل سيُقتلون.

ذكرياتي مع بروين تظل ترسم التفاصيل التي عشناها. تفتح أبواباً لعودة أنتظرها في خيالي. أراها في منامي بفستان جميل، تضيء بصورة تغلب نور النهار، وهي في بيتنا القديم الذي دمرته داعش أثناء هجومها الأول على كوباني سنة 2014. أراها تضيء بهيئتها، ثم تبتسم وتغادر. أستيقظ وأنظر حولي لأبحث عنها كأنها زارتنا توّاً، فلا أرى سوى خيالي يعيد ذكرياتها كأنني أبحث عن آثارها على شكل صورة حقيقة.

مآسينا واقع يتجدد في حواسنا عند كل استذكار سنوي. نعيد حكاياتهم كأنها حصلت البارحة، فلا نحظى بلحظة عناق تسعدنا، ولا يكف الحزن، ووجع الفراق عن خيالنا. ما حصل جعلنا نتبع تقويماً جديداً؛ نحدد الأحداث على أنها حصلت قبل تاريخ المجزرة، وبعدها. يحدث ذلك لا شعورياً حين نتكلم عن تاريخ موت أحدهم وولادته. يحزننا أننا نتذكرها ونحن نتحدث عن تفاصيل الأعراس. تمر المجزرة في ذاكرتنا بشكل غريب، وكأنها وليدة اللحظات كلها. كما لو أن الزمن حوّل ذلك اليوم إلى هاوية عظيمة نتعثر بتفكرينا فيها، فنسقط في وجعها. ساعات قليلة جعلت تفاصيلها المفجعة تفوق آلام العالم بأسرها. تعيش معنا طالما حيينا، فلا نسيان ينجينا، ولا الذاكرة تخفف من ثقلها علينا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard