بعد تصريح "الاستعانة بصديق"... نسويّات السودان ينقسمن حول السياسة ويتّحدن ضد أمل هباني

الأربعاء 16 يونيو 202106:12 م

تعرضت الصحافية والناشطة النسوية أمل هباني لهجوم قاس من بنات جنسها، جراء ما فسره متابعوها باعتباره دعوة للنساء المتزوجات إلى ممارسة التعدد خارج الأُطر الأسرية، متى قرر الشريك استخدام هذا الحق تأسيساً على نصوص دينية تكفل للرجل الجمع بين أكثر من زوجة (مثنى وثلاث ورباع).

وبدأ الهجوم الواسع على أمل المقيمة في كندا بعد منشور نشرته عبر صفحتها بفيسبوك، جاء فيه: "للنساء المسكينات المقهورات والمذلولات بنار التعدد، وليس لديهن أي مقدرة على الطلاق خوفاً من بشتنة –أي عنت- الأطفال وزيادة القهر بالطلاق، ممكن تستعيني بصديق يوم أن يذهب زوجك إلى زوجته الجديدة، لأنّ فكرة التعدد لا يداويها سوى فكرة الاستعانة بصديق".

تعرضت الصحافية والناشطة النسوية أمل هباني لهجوم قاس من بنات جنسها، جراء ما فسره متابعوها باعتباره دعوة للنساء المتزوجات إلى ممارسة التعدد خارج الأُطر الأسرية، متى قرر الزوج استخدام حق الجمع بين زوجات تأسيساً على النصوص الدينية.

"أفكار مسمومة" دينيًا

ترى الناشطة المنتمية للتيار الإسلامي، نفيسة مرتضى، أن الأفكار التي يعتقد أن أمل هباني قد بثتها في منشورها، "تمثل المسكوت عنه لدى شريحة ممن يسمين أنفسهن بالنسويات". وتقول لرصيف22: "هناك محاولات مستميتة من معاديات للدين والمجتمع، لتنزيل نموذج علمانيّ غربيّ في السودان المعروف رجاله ونسوته بالتحلي بقيم الدين والمجتمع الفاضلة". وأضافت أن دعوات هباني إنما "تعكس عدم تورع عند أولئك النسوة بمن فيهن هباني من تبني أية أطروحات في مقابل حصولهن على أموال من المؤسسات الغربية، والإقامة في دول العالم الأول، وحصد الجوائز المشبوهة".

ودعت الدولة إلى مراجعة المراكز النسوية والأفكار التي تبثها في المجتمع، "لا سيما في أوساط اليافعات في السن، معاداة للدين والأنظمة الأسرية".

وأضافت نفيسة أن مضي الدولة في إقرار اتفاقية "سيداو" سيجعل من فتوى (الاستعانة بصديق) التي تقول بها هباني، واقعاً.

الاعتراض النسائي على منشور هباني لم يتوقف عند المنتميات للتيارات الإسلامية، إذ تعتبر الناشطة النسوية الليبرالية صفية الجيلي أن منشور هباني "قد وجه طعنة نجلاء للجهود النسوية طيلة الفترة الماضية"

واتفاقية سيداو هي اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء، وتعنت النظام السوداني السابق بقيادة عمر البشير في قبولها باعتبارها "ستفسد منظومة الأسرة المسلمة في السودان" و"تحارب قوامة الرجل"

وتصف الداعية الإسلامية، خديجة حسيب، أحاديث أمل هباني بشأن التعدد بأنها "تنم عن جهل كبير بالدين، لا يعفي من مساءلتها قانونياً وأخلاقياً".

وتقول حسيب التي تقيم حلقات دروس دينية بمدينة أم درمان لرصيف22 إن "الدين الإسلامي لم يستهدف مطلقاً الحط من مكانة المرأة، التي هي محل تكريم القرآن والسنة النبوية". مشيرة إلى أن التعدد في الإسلام حق ممنوح للرجل "وفق اشتراطات صارمة" وليس حقاً مطلقاً، "بينما فتوى 'الاستعانة بصديق' تعكس قدراً كبيراً من الانحلال الفكري، وتنطوي على دعوات إلى ممارسة العلاقات خارج كيان الأسرة، ما يستتبع ذلك من تحلل مجتمعي، واختلاط في الأنساب، وتفشٍ للأمراض".

وأعلنت حسيب عزمها المشاركة في أية مسيرات تخرج ضد هباني، وتأييدها لأية دعاوى ترفع ضدها في المحاكم السودانية، بدعوى "نشر التفسخ والانحلال".

ضربة للقضايا النسوية

الاعتراض النسائي على منشور هباني لم يتوقف عند المنتميات للتيارات الإسلامية، إذ تعتبر الناشطة النسوية الليبرالية صفية الجيلي أن منشور هباني بعدد كلماته التي لا تتعدى العشرين، "قد وجه طعنة نجلاء للجهود النسوية طيلة الفترة الماضية"، ومن ضمنها نجاحات الحركة النسوية السودانية في دفع الحكومة للمصادقة على اتفاقية مناهضة لجميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وإقرار قانون يجرم ختان الإناث.

وتقول الجيلي لرصيف22 إن تصريح هباني تسبب في تصوير صراع السودانيات الطويل لأجل التحرر بأنه "معاداة للدين ومناصرة للانحلال"، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع الصوت المعادي للحركة النسوية، وصولاً إلى اصطفاف المجتمع ضد النسويات، وضد كل الأفكار التي يطرحنها مستقبلاً مهما كانت موضوعيتها.

وترى أن أمل، وإن كانت تسعى إلى معالجة مشكلة التعدد عبر آلية (الصدمة)، فإنها تناست أن المجتمع السوداني لا يزال غير مؤهل لهذا الأمر، لافتةً إلى وجود إمكانيات كبيرة لتحقيق كل الأهداف النسوية من مساواة وتعديل للأوضاع المنتهكة، "عبر عمل تثويري دؤوب"، يتضمن منح المرأة الحق في الطلاق من دون أن يستغرق ذلك سنواتٍ طوالاً في المحاكم، وحمل الزوج على دفع نفقات أبنائه، وصولاً إلى تضمين شرط بمنع التعدد في قانون الأحوال الشخصية الوطني.

وأهابت الجيلي بالمناصرين للقضايا النسوية تركيز خطابهم الرافض للتعدد على "إظهار آثاره النفسية الكبيرة على الزوجات، ومثالبه على الأسرة والأبناء"، بما في ذلك التأثيرات الاقتصادية التي تعني ضمناً خفض مستويات المعيشة والصحة والتعليم.

أما الصحافية رزان محمد عبد العزيز، فتأخذ على أمل هباني، "تصويرها الرجل على أنه مركز انطلاق القضايا النسوية". وتقول لرصيف22 إن حديث أمل يعكس تهافتاً كبيراً على الرجال، وتسويقهم على أنهم محل تنافس، وهذا أمر مضر بالقضايا النسوية، كونه ينطوي على "تسليم للرجال حتى في إدارة القضايا النسوية"، مشيرةً إلى أن أحد أهم أهداف الحركة النسوية في سودان ما بعد التغيير السياسي الذي أطاح نظام عمر البشير، هو انتزاع حق ولاية المرأة على نفسها، ما يضعها في مركز مستقل تنطلق منه جميع تحركاتها، ولا يجعلها مطلقاً في خانة ردة الفعل لتحركات الرجال.

مخاوف شخصية؟

ترى الباحثة النفسية، إيمان سعد الدين، أن أحاديث أمل هباني "انعكاس لمخاوف شخصية من فكرة التعدد". وتقول لرصيف22 إن معظم النساء اللواتي صادفتهن في مسيرتها ممن يجاهرن برفض فكرة تعدد الزوجات، إما ينطلقن عن كون شركاؤهم قد مارسوا التعدد عملياً، أو في طريقهم إلى ذلك من خلال بثّ رسائل متواصلة بهذا الخصوص.

ونادت بأهمية الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعية في حالة التعرض لضغوط نفسية، لما قد تترتب على ذلك من تبعات قد يكون بعضها وخيماً.

ما يبدو وكأنه إجماع نسائي على رفض تصريحات أمل هباني، وإن كان من منطلقات مختلفة بعضها يدعو للإدانة والمحاكمة، وبعضها الآخر يرى أن "تعبير خائن" يحمل تهديدًا لمستقبل الحركة النسوية، إنما يعكس أن التيارات الإٍسلامية والليبرالية واليسارية السودانية لا يزال كل منها في خندقه، وأن الثورة السودانية وإن أنتجت تغييرًا سياسيًا على مستوى الحكم، فإنها لم تخلق تغييرًا واضحًا في ما يتصل بالحوار بين التيارات الفكرية والسياسية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard