يوم تقفّيت أثر الشيخ إمام في القاهرة

الجمعة 11 يونيو 202112:12 م

ماذا تعني مصر؟ يحار المرء في الإجابة، أو على الأغلب، سيتعكّز على صورة رسمها الكثيرون من عشاقها؛ كالأدباء، والسياسيين، والفنانين، وأبطالها القوميين. كأن نقول مثلاً: هي أحمد عرابي، أو سعد زغلول، أو سيد درويش، أو طلعت حرب، أو أم كلثوم، أو أحمد زكي. كان ذاك السؤال صعباً ومرهقاً على عشاقها غير المصريين، إلى أن سمعنا بالشيخ إمام عيسى، الضرير الذي أزال الحيرة كلها بصوته، واختصر الكلام كله بأوتاره. حين نُسأل عنها، نقول ببساطة: هل تقصد بهية إمام؟

كيف تُختصر أرض، ونهر، وحضارة، وأمة كاملة بحنجرة إنسان ضرير؟ يا لجبروتك يا إمام. تمر ذكرى رحيلك السادسة والعشرون، وما زلت تسلب الوعي واللا وعي، تصنع البصر والبصائر، ما زلت تعلّم الناس أن الكلام حق، والكتابة حق، والغناء حق، والحياة أبسط الحقوق.

طوال عشر سنوات وأكثر من امتهان الخوف والصمت في الشام التي حمله أهلها على أكتافهم في الثمانينيات من القرن الماضي، حين زارها، كان الشيخ إمام إمامَ الأيام المظلمة والكئيبة، والملاذ الدائم من ضربات الهموم، وآلام الصمت اليومية، وطعنات الكبت. فما إن ينتهي النهار حتى نهرب إلى عالمه مساءً. لقد تعلمنا منه كيف ينظر المرء إلى نفسه، وكيف يُنظر إلى المحبوب، والأوطان، والحكام، والشعوب، وكيف يُنظر إلى الثائر الحقيقي.

طوال عشر سنوات وأكثر من امتهان الخوف والصمت في الشام التي حمله أهلها على أكتافهم في الثمانينيات من القرن الماضي، حين زارها، كان الشيخ إمام إمامَ الأيام المظلمة والكئيبة

تعلمنا منه كيف يكون الإنسان نغمة (بحسب تعبير مارسيل خليفة في ذكراه)، وكيف يكون كلمة أيضاً، وما أعظم هذا الاختيار. وبمنتهى الانسلاخ عن بلاد الشام المظلمة، بهيّة إمام صارت بهيتنا التي نحلم بلقائها، وتقبيل يديها. أي وطن جميل وبسيط وعادل يكون بؤرة للعشّاق، هو قطعاً "بهية إمام". صارت إسكندريته إسكندريتنا، وحارته "حوش قدم" حارتنا، ومصره الكبرى مصرنا.

مصر التي حين دخلناها للمرة الأولى، وبعد السلام والمرحبا، لم نسأل سائق التاكسي سوى:

"هل تعرف الشيخ إمام؟"

"لا، للأسف، هوَّ حد من بتوع قرّاء الإذاعة؟"

"طيب أحمد فؤاد نجم؟"

"كمان للأسف إنت بتجيب الأسماء دي منين؟"

الحوار نفسه، تكرر مع أحد ركاب خط رمسيس-السلام ذات يوم:

"يا عم فُكّك مني، أنا عارف الشيخ إمام يبقى مين؟"

"ما بتعرفش "مصر يما يا بهية"؟

"آه، غنوها كتار، لكن ما سمعتهاش من ده اللي اسمه إمام".

بصراحة، تملكني إحباط فوق إحباط، ويأس فوق يأس، ورحت أشكو هذا الإنكار للدكتور والشاعر عصمت النمر، الذي كتب لإمام قصيدة "أقبلي يا نشوة المشتاق". فأكد أن هذا الأمر حقيقي، وأن الشيخ إمام ما زال مجهولاً في وطنه. فالإعلام المحلي قصّر في حق فنان مات عاشقاً وطناً يجهله، وتعرض لصنوف السجن والقهر والتعسف كافة. هو أول إنسان في التاريخ يدخل السجن بسبب الغناء. إمام كان مؤمناً إلى أقصى درجات الإيمان بما يفعل. كان ممكناً أن يعيش مليونيراً، لو مشى في سكة سيد مكاوي، الذي تعلّم عزف العود والغناء على يديه. وهذا ما رواه إمام بنفسه لصافيناز كاظم في حوار أجرته معه عام 1975، في حضور طليقها أبي النجوم.

صارت إسكندريته إسكندريتنا، وحارته "حوش قدم" حارتنا، ومصره الكبرى مصرنا

في مدينة كبيرة وصاخبة مثل القاهرة، وفي زمن عربي كئيب ومليء بالانكسارات، تبدو فكرة اقتفاء أثر الشيخ إمام في القاهرة رومانسية نوعاً ما. لكن بمجرد الذهاب إلى أحياء الحسين، والمعز الغورية، والدخول إلى حارة "حوش قدم"، يُنسى الضجيج والصخب، وتُمحى الكآبة والانكسارات، فنحن الآن في مضارب الشيخ إمام التي ستعثر في كل زاوية فيها على قصيدة، أو أغنية. ذلك الحي مليء بالمساجد، والحارات الضيقة، والكلاب الجائعة والشاردة بين أكياس القمامة، وبالجدران القديمة، وببساطة أهله وعفويتهم. ها هو العم أبو مروان (صاحب مقهى الحارة) يرشد الناس إلى غرفة الشيخ إمام، المغلقة بأختام ومجلس الوزراء ومحافظة القاهرة وشعاراتها، والتي مكث فيها الشيخ حتى موته، بعد أن ضرب زلزال عام 1992 المريع منزله السابق، الذي يبعد 50 متراً عن الغرفة الجديدة. يقول أبو مروان: "الشيخ إمام عرّف العالم إلينا، وأدخل إلى الحارة مثقفّين كباراً لم يسبق لهم أن سمعوا بشيء اسمه "حوش قدم".

نصحني الدكتور عصمت النمر، بالتواصل مع الشاعر سيد مهدي عنبه، لمساعدتي في رحلة اقتفاء أثر الشيخ إمام، وأي سعادة تلك التي تغمرك حينما ترافق أحد أصدقاء الشيخ إمام الكبار في شوارع القاهرة إلى جمعيته التي أسسها عام 2015 تحت اسم "محبي الشيخ إمام للآداب والفنون"، والتي أحيت أمسية فنية وشعرية في مدينة نصر أمس الأول الخميس، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الشيخ إمام. وتحفظ الجمعية مقتنيات الشيخ كلها: العود، بدلاته، وسام الاستحقاق الليبي، وغيرها. كما ستؤرشفها كلها بطريقة إلكترونية، وتقيم الحفلات والندوات التي تحيي تراث الشيخ إمام داخل مصر وخارجها، وستدعم أي حركة إبداعية جديدة. وقد دعمها، قبل أن يموت عام 2018، نقيب الاجتماعيين والمهن الاجتماعية أسامة برهان، الذي كان للمفارقة طالب الثانوي نفسه الذي اعتُقل مع نجم في سجن القلعة عام 1973. وكتب نجم إثر ذلك الاعتقال قصيدة "صباح الخير على الورد اللي فتّح في جناين مصر"، ويقول فيها: "وبلّغ يا سمير غطاس يا ضيف المعتقل سنوي، بصوتك يلي كلو نحاس صباح الخير على الثانوي".

كيف مات الشيخ إمام؟ ماذا عن يومه الأخير؟

يروي الأستاذ سيد مهدي عنبه: "لم يكن مولانا يعاني من أي مرض، كما تدّعي المواقع والصحف. اعتنيا به قبل موته، والحكايات المؤلّفة عن هذا اليوم زائفة وباطلة. يوم الأربعاء 7 يونيو 1995، فتح العم كامل عبد السميع بيومي شقة الشيخ، ووجده صاحياً، وسأله الشيخ: إنت جيت يا بو أحمد؟"

رد عليه العم كامل: "أيوا"، وتابع: "الأستاذ سيد عنبه اتصل فيّ مبارح الساعة عشرة، وقلي إنه جاي هو واصحابه عشان ياخدوك لمقهى الفيشاوي اليوم".

فأجابه إمام: "إن شاء الله".

وتابع العم كامل: "هو أنا جبتلك بطيخة. عملت فيها إيه؟"

رد إمام: "أنا صحيت الفجر وصليت وأكلتها، بقلك إيه، عايز كبّاية ميّه، مش عارف صدري متلخبط".

ويحكي الأستاذ سيد: عندما عاد العم كامل، وجده ميتاً. على الفور اتصل بي، لكني لم أكن قريباً من الهاتف، فرد المجيب الآلي، وتأخرت في تلقي الخبر. كما اتصل بأسرة المستشار نور الدين العقاد، التي تولت رعاية الشيخ منذ عام 1972 حتى وفاته، ودفنه حسب وصيته في تربة الشيخ "عبد السميع بيومي" القارئ والمنشد الذي كان إمام في بطانته أيام الشباب. وهي تربة بسيطة في شارع صلاح سالم قرب حديقة الأزهر. وعندما جاء المساء، قابلت أصدقائي المتشوقين إلى رؤية إمام، لكني قلت لهم الخبر المفجع.

في مدينة كبيرة وصاخبة مثل القاهرة، وفي زمن عربي كئيب ومليء بالانكسارات، تبدو فكرة اقتفاء أثر الشيخ إمام في القاهرة رومانسية نوعاً ما

وتابع: "جاء أبو النجوم، ومحمد علي، والست سعاد العقاد، وأهالي الحي جميعهم، وأقمنا له عزاءً بسيطاً قرب منزله. وعندما انتهى اليوم الأول، وقف أحد الحضور ليدعو الناس كلهم إلى عزاء الشيخ إمام الكبير الذي سيقام في صالة عمر مكرم في التحرير. حينها، لم يبقَ تيار أو حزب في مصر إلا وحضر العزاء. كانت الصالة مليئة بالشعراء والفنانين والصحفيين. وبعد شهرين من وفاته، أصدرت مجلة القاهرة عدداً كاملاً يحتوي على عشرات المقالات التي تتناول حياة الشيخ، ونضاله. تقول صافيناز كاظم في إحداها: "حاز الشيخ إمام أسبقية لم يكن لها مثيل في بلادنا، كونه أول موسيقي ومغنٍّ يدخل المعتقل بسبب فنه. ولعلنا نجد في اعتقاله اعترافاً بأنه الفنان الذي قدم لأول مرة، وبشكل فعال وبارز، موسيقى الرأي وغناء الرأي".

لم تنتهِ رحلة اقتفاء أثر الشيخ إمام، حتى يخرج منا إمام جديد. ليس إنكاراً لكل من سلك، ويسلك الطريق نفسه، من المبدعين العرب المنفيين والمعتقلين الذين لهم في أعناقنا ألف دين ودين. لكننا في حاجة إلى من يشبه روحه، ثورته، حبه، صدقه، واستمراريته، في هذا الشرق البائس الذي نجح حكامه في صناعة شعراء من صلصالهم الرديء، ونجحوا في صناعة معارضين، وملحّنين، وصحافيين، وممثلين، ومصورين، ورسامين، وأطباء، ومعلمين، ونجّارين، وحلاقين، يشبهون طغيانهم، بل ويفوقونهم في القباحة والرداءة والخنوع. لقد نجحوا في صناعة شعوبٍ تخاف من الكلام، وترتعد منه.

في ذكراه السادسة والعشرين، وقفت أمام قبره تحت ألسنة لهب القاهرة، قرأت الفاتحة، وسألته آلاف الأسئلة:

ما الكلمة؟ ما الغناء؟ ما الحرية؟ ما النضال؟ من الإنسان؟

وكأنّي سمعته يغني كلام صديقه عن صديقهما المتعب الآخر:

"مسافر مسافر

ينام ع الطريق

ونوم الرفيق

نهاية حكاية عن السندباد

بداية حكاية لناس ع الطريق".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard