الأركِتِكْت... هيب هوب فلسطيني من المهجر

الجمعة 4 يونيو 202110:30 ص

يقضي المستمع وقته مع الأركِتِكْت في أغاني هيب هوب عربية بروح فلسطينية تأتينا من بلاد العم سام، تلك التي تضيِّقُ اليوم إجراءاتها على المهاجرين الفنانين، من أمثال الأركِتِكْت نفسه. اسم "الأركِتِكْت" يأتي من كلمة مهندس بالإنكليزية. أي، "مِعمَار الأغنية". فمن أجدر بهذا الاسم منه وهو المنتج ومهندس الصوت؟

أنتج الأركِتِكْت لنفسه أكثر من عشرين تراك، بالإضافة إلى إي-بي بعنوان "بحبّش السكون"، والذي لم يكن على سويّة أغانيه الأكثر بريقاً والتي بدأ ينتجها بغزارة منذ ما يقارب الصيفين، في أوائل شهر آب/أغسطس 2019.

وككل فنان غزير الإنتاج، قد يغيب التوفيق عن بعض الأعمال ليكلِّل بعضها الآخر، معطياً العمل الفني كينونة واقعية عضوية جميلة. نجح الأركِتِكْت في أغانٍ كثيرة مثل "خنقة" و"بسألش"، في خلق صوت واضح له بين مئات الأصوات التي تُنتجُ هذا النوع من الموسيقى في عالمنا العربي، واستطاع جذب جمهور يشكّل نواة صغيرة لجمهور عربي واضح التحديد والميول.


نواة مرشحة للنمو في حال استطاع الأركِتِكْت، المهاجر عن وطنه فلسطين، العودة يوماً ما، أو اختراق حاجز البعد الجغرافي عبر أدوات التواصل الاجتماعي المعاصرة. فهذه حال الفنّانين المهاجرين عن أوطانهم وعن الحاضنة الثقافية التي تتلقى فنونهم، خاصة الفنون الشعرية مثل الهيب هوب والتي تعتمد على الكلمة ووزنها ووقعها.

يقضي المستمع وقته مع "الأركِتِكْت" في أغاني هيب هوب عربية بروح فلسطينية تأتينا من بلاد العم سام، تلك التي تضيِّقُ اليوم إجراءاتها على المهاجرين الفنانين، من أمثال الأركِتِكْت نفسه

المتتبع لمشروع الأركِتِكْت يلاحظ أن كلمات أغانيه يغلب عليها الجانب الشخصي المتأمل والفلسفي المكثّف والثقيل على الأذن والذي يتطلب استماعا متكرّراً، بالإضافة الى ثيمة النوستالجيا المتكرّرة.

فنجد في أغنية "ديرة" مع الفنانة فاتن كبها، أغنية هيب هوب على مقاس رقصة الدبكة، في خلطة تذكّر بصوت 47 سول 47 soul ولكن بأدوات وأفكار مختلفة، مع فيديو براقصي دبكة فلسطينيين قاموا بتصوير الرقص من بقاع مختلفة حول العالم، وكأنها رسالة "وحدة" على إيقاع الدبكة، ولحن تغريبة واضحة المعالم عن بقعة محددة من هذه الأرض.

وهنا يجدر القول؛ لا يغيب عن عالم الأركِتِكْت البعد السياسي والاجتماعي، فعدد من أغانيه كان قد طغى عليها هذا الطابع مثل أغنية "وجب" وأغنية "دورية" التي تعالج قضية الاعتقالات التعسفية على يد قوات الاحتلال الاسرائيلي.

تعاون الأركِتِكْت مع غيره من المنتجين، مثل ستيف عبيدوف في أغنية "فاندُم"، لنسمع كلمات الأركِتِكْت وصوته ولكن بأدوات وإضافات صوتية لمنتج آخر له شخصية مختلفة. وتعاون بصرياً في أغنية "نوم" مع الفنانة يارا عواد، في إنتاج فيديو منخفض التكلفة ولكن ملفت للانتباه بعالمه المظلم الغامض وألوانه التنويمغناطيسيّة الداكنة.


وكان الأركِتِكْت سابقاً قد تعاون بصرياً مع شهد سمرة المقيمة في فلسطين في فيديو أغنية "كانت عارفة" الذي لم يكن بنفس التوفيق، ربما لمحددات التباعد المكاني بين الفنّان والمخرجة. وكان الأركِتِكْت نفسه قد جرّب إنتاج الجانب البصري لبعض أغانيه، وخاصة في مجال الأنيمشن البسيط، الذي يؤمن جوّاً بصرياً مرافقاً للأغنية ويحمل كلماتها، أي ما يُسمّى "ليركس فيديو"، مثل أغنية "دوّامة" وأغنية "صاحي".

السؤال الذي طالما طرح نفسه خلال نقاشاتي المتكررة مع الأركِتِكْت حول الفن واشتغاله به، هو هدف الخلق الموسيقي بحد ذاته، الذي لطالما انحاز هو فيه لفكرة مخاطبة الآخر عن طريق البوح بمكنونات النفس.

فأغانيه فيها الكثير من البوح الشخصي والقليل من الأيغو-تريب، أو حالة "التفاخر" التي تغلب على الكثير من محتوى تراكات الهيب هوب في العالم، ولم تخلُ منها بعض أغاني الأركِتِكْت مثل أغنية "سبعات" والتي يستعرض فيها مهارته الكتابية والموسيقية على إيقاع 7\4 غير المألوف في عالم الهيب هوب، مع أيغو-تريب كلامية مرافقة. فلا يبدو أن أحداً من فنّاني الهيب هوب يمكن له أن يفلت من ورطة التفاخر هذه.


ولكن بشكل عام، كان لرغبة البوح الشخصي عند الأركِتِكْت أن تكتمل أكثر لو تسنّى له أن يقدّم عروضاً حيّة منذ بدأ بمشروعه. ولكن كما غيّرت جائحة الكورونا العالمية واقع حال كثير من الفنّانين، حالت بين الأركِتِكْت وبين تقديم عروض حيّة لأبناء الجالية العربية في المغترب، إثر إلغاء عروض ومهرجانات فلسطينية-أميركية كان من المقرّر أن يشارك فيها.

ولكن ما يبدو واضحاً من التسجيل والإنتاج الفنّي حتى اليوم، هو جهده في مخاطبة "آخر"، يتمثّل بجمهور عربي بعيد عنه جغرافياً، في محاولة شجاعة لرأب المسافة الثقافية التي تُغرق روحه في بلاد غريبة.

يبذل الموسيقي "الأركِتِكْت" جهده لمخاطبة "آخر"، يتمثّل بجمهور عربي بعيد عنه جغرافياً، في محاولة شجاعة لرأب المسافة الثقافية التي تُغرق روحه في بلاد غريبة. أوليست هذه إحدى وظائف الفن ورسائله؟

أوليست هذه إحدى وظائف الفن ورسائله؟ بالإضافة إلى خلق مساحات للتواصل والتعاون والتشارك الفني، وهو ما قرّب بيني وبين غسّان صوالحي "الأركِتِكْت" في السنوات الماضية في تعاوننا من خلال مشاريع أخرى بعيداً عن مشروع الأركِتِكْت.

وهنا يجدر بي القول إنه وعلى الرغم من هذه الصداقة والعمل الموسيقي المشترك مع غسان صوالحي، أزعمُ بأني أقف من مشروعه الهيب هوب "الأركِتِكْت" على بُعدٍ يكفي لأقدّم رأياً موضوعياً قدر الإمكان.

فكانت مساهمتي الوحيدة هي حملي الكاميرا، كاميرا مان، في تصوير أول فيديو لأول أغنية أنتجها، في أواخر صيف 2019، وهي أغنية "وجب". فيما تبقى من الوقت كنتُ متفرجاً عادياً ومتلقياً يُبدي رأيه نادراً، كأي متلقٍ آخر يحب ما يحب ويأنف ما يأنف من أعمال أي فنان، مع إدراكي لصعوبة فصل المألوف عن الغريب عند محاولة لتقديم رؤية نقدية تخصُّ عملاً فنياً بحدّ ذاته.

ولكن ربما كان لهذا القرب النسبي فائدة بتقديمي قراءة أعمق لبدايات هذا المشروع. فلا أتوقع توقّف الأركتكت عن الإنتاج الموسيقي في مجال الهيب هوب في أي وقت قريب.

لازال في جعبته الكثير ليقوله. خاصة مع الدخول التدريجي لعنصر الميلودي على أغانيه كما نجد في أغنيته الأخيرة "غنّي معي"، من إنتاج ووردنكلف، بما ينبئ بتطور باتجاه جديد سيحضر فيه صوت الميلودي أكثر، وتأخذ الأغنية فيه شكلاً موسيقيّاً، ربما يبحر في تيّار بوكلثوم الرائد ولكن المشروع حقّاً على فنّانين هيب هوب صاعدين بخلفيات موسيقية متنوعة.


فما يَعِدُ به مشروع الأركِتِكْت هو أغنية هيب هوب بصوت عربي وصوت آلة العود، خاصة في أغانٍ لم تصدر بعد وكان لي الحظ في سماعها من النبع مباشرة. 

ومَن مِن فنّاني الهيب هوب العرب أجدر بمحاولة إدخال العود إلى الهيب هوب من غسان صوالحي/الأركِتِكْت وهو عازف العود ومُدرِّسه، وكان قد شارك وسجّل في أعمال موسيقية على آلة العود عزفاً كما في "نحن نعيش في القاهرة  We Live in Cairo" للأخوين لازور الأميركيين، وتأليفاً كما في ألبومه "سجال" الذي لم يصدر بعد.

هذا ما يزيد من حماسي وأنا انتظر ما يَعِدُ به مشروع الأركِتِكْت من صوت هيب هوب عربي أكثر "عربيةً" من ذلك الذي نسمعه اليوم في عالم الهيب هوب، الذي لا يزال على فرادته، غربيّ الهوى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard