عمرها 600 عام... مطالب قبطية بتعديل وصية الزواج لتعارضها مع حقوق المرأة

الأحد 6 يونيو 202110:37 ص

عادة ما يتفاخر الأقباط بعدم وجود تفرقة بين الرجل والمرأة في ديانتهم، مستندين في ذلك إلى المساواة في الميراث. في المقابل، يقف الكاهن في صلاة الإكليل (الزواج) ويتلو وصية العروسين، ويقول للعروس: عليكِ أن تهابيه، وتطيعيه، وتخاطبيه يا سيدي، ويخبرها أن الرجل رأس المرأة، فيما يخاطب الرجل قائلاً: المرأة كيان ضعيف بحاجة إلى مَن يكون مسؤولاً عنها، بعد والديها.

هذه الكلمات من شأنها أن تلغي مفهوم المساواة المزعوم داخل الأوساط القبطية، خاصةً أن تلك الوصية يستخدمها رجال الدين والأهالي لفض المنازعات الزوجية، وغالباً ما تكون وسيلة للضغط على الزوجة بحجة أنه عليها الاحتمال، والصبر، بينما ينتصر رجل الدين للزوج لأنه ذكر مثله.

ثورة القبطيات

يوصي الكاهن العريس قائلاً: "عليك أن تتسلم زوجتك بنية خالصة، ونفس طاهرة، وقلب سليم، وتجتهد في ما يعود لصالحها، وتكون حنوناً عليها، وتسرع إلى ما يُسرّ قلبها، فأنت الآن مسؤول عنها"، بعد والديها. ويوجه خطابه للعروس قائلاً: "يجب عليكِ أن تكرميه، وتهابيه، وألا تخالفي رأيه. بل زيدي في طاعته على ما أُوصي به أضعافاً. يجب عليك أن تقابليه بالبشاشة والترحاب، وألا تضجري في وجهه، وألا تضيّعي شيئاً من حقوقه عليكِ، وأن تتّقي الله في سائر أمورك معه، لأن الله أوصاكِ بالخضوع له، وأمركِ بطاعته بعد والديك".

تقول مريان سامي، وهي ممثلة مسرحية ثلاثينية، لرصيف22: "بالتأكيد الوصية غير مناسبة، وإذا نظرنا إلى بداية الخلق، فإن آدم وحواء كانت عقوبتهما بسبب الخطيئة، إذ إن الله أوصى آدم قائلاً: بعرق وجهك تأكل، وقال لحواء: زوجك يسود عليكِ. ولكن الآن الزوجة أصبحت تشارك زوجها في عقوبته، وتعمل، وتساهم في سد احتياجات الأسرة والأبناء، وقد تنفق عليه هو شخصياً. وليس من العدل أن تتحمل عقوبتها، بالإضافة إلى جزء من عقوبته، لذلك فإن استمرارية تسلّط الرجل على المرأة غير متّسقة مع تغيّرات العصر الحالي".

وبرأيها، "لا يجوز أن تتضمن الوصية الكنسية أمراً للزوجة بأن تهاب زوجها، وتخاف منه، وتطيعه طاعة عمياء، وتقابله بالبشاشة والترحاب. هذا كان في الماضي، حين كان يخرج للعمل، وتجلس هي في المنزل. بينما الآن هي تنافسه في التعليم والعمل، وقد تتفوق عليه".

وتضيف: "منتهى الظلم أن يقوم الكهنة بتطويع الدين في أي مشكلة زوجية، ليتّسق مع وجهات نظرهم الذكورية، وأفكار المجتمع الشرقي غير العادلة، وغير الإنسانية، والمتعارضة في الأساس مع العقيدة المسيحية التي فرضت المساواة".

وتتساءل: "كيف نمنح كل هذه السلطة للزوج بعبارات مثل ‘الرجل رأس المرأة’؟ لا أعتقد أن هذا كلام المسيح، وأتحدى مَن يأتي بآية واحدة عن لسان المسيح ذكر فيها أن الرجل أعلى من المرأة، وله سلطة عليها، ويتحكم فيها".

وتتابع: "كيف تسقط الكنيسة تلك السقطة، وتضع وصية بكل هذا الكم من الجهل والتخلف، وعلى الأغلب أن كاتبها خرج من الكهف منذ العصور الحجرية؟"، مطالبةً بـ"تعديلها لضمان سلامة الأسر المسيحية، ونفسية النساء".

تتفق أمل جرجس معها وتقول لرصيف22: "وصية الإكليل هي آيات من الكتاب المقدس، ولكن بعض الكنائس بدأت في تجديد الوصية بالفعل، مثل الكنيسة الكاثوليكية، فقد لاحظت في بعض الأكاليل التي حضرتها مؤخراً أن تلك العبارات أزيلت من الوصية، ولا أدري إذا كانت الطائفة بأكملها قد أقرّت تلك التعديلات، أو أن كاهن الكنيسة قام بالأمر من تلقاء نفسه".

وتضيف جرجس، وهي مندوبة مبيعات تبلغ من العمر 44 عاماً: "آخذ على الوصية أن كلماتها تسببت ببعض المشاكل، بينما لم تكن مقصودة بمعناها الحرفي، مثل عبارة ‘الرجل رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة’، والمقصود منها القيادة الروحية والدينية. لدينا فئة كبيرة من الناس والكهنة الذين استخدموا هذه الكلمات لسلب المرأة حقوقها".

أما نيفين جرجس (47 عاماً)، وهي متخصصة في الكيمياء، فتقول لرصيف22: "في رأيي الشخصي، الوصية أصبحت غير صالحة للزمن الذي نعيش فيه، وأعتقد أنها تساهم في ترسيخ مفهوم أن المرأة أقل من الرجل، كعبارة ‘الرجل رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة’. ولكننا سنجد تبريرات وتأويلات لولبية من نوعية ‘المقصود أن الرجل يضحّي لكي يحافظ على زوجته، زي ما المسيح ضحّى على شان يحافظ على الكنيسة’".

"لا يجوز أن تتضمن الوصية الكنسية أمراً للزوجة بأن تهاب زوجها، وتخاف منه، وتطيعه طاعة عمياء، وتقابله بالبشاشة والترحاب. هذا كان في الماضي، حين كان يخرج للعمل، وتجلس هي في المنزل"

وتشير جرجس إلى أن "الكنيسة الأرثوذكسية بالتحديد، تحتفظ بمفاهيم من العهد القديم تُعدّ رجعية بالمقارنة مع الطوائف الأخرى، مثل نجاسة المرأة وقت الحيض".

ونوّهت جرجس إلى أن القساوسة يستخدمون تلك الوصية للتنكيل بالمرأة، وتحميلها أخطاء الزوج في جلسات الصلح. وتقول: "تخلصت من هذه الجرائم بزواجي من شخص من جنسية أوروبية، وعشت معه في بلده، بينما قلبي مع القبطيات في مصر نظراً إلى ما يتعرضن له".

تجديد الخطاب

تأسف الباحثة في قضايا التنمية والنوع الاجتماعي نيفين عبيد، لاستمرار هذه الوصية، وتقول لرصيف22: "نحن أمام نصوص كتابية، والوقوف لمناهضتها يتطلب جرأة من المثقفين والعلمانيين لطرح رؤية نقدية، ونرجو مساندة الكنيسة ورجال الدين وتبنّيهم للأمر، ولا ننكر أننا أمام تحدٍ كبير".

وتضيف: "هذه الوصية تكرّس علاقة القوة التقليدية، ولا تراعي الجديد في العصر الحالي، ولا الهدف من الزواج، لذلك نجد زيجاتٍ هشة، أو استمراراً غير واقعي مع سقوط أحد طرفي الزواج في علاقات خارج إطاره، ويدفع الأطفال الثمن. ولا ننكر أن الزواج يحتاج إلى قدر من التفاوض، والتوازن، والتنازل لصالح الآخر".

وتطالب عبيد العلمانيين بالقيام بدورهم في الدفع نحو تجديد الخطاب الديني، لتطوير وصية الزواج في اتجاه عصري، مشيرةً إلى أن الزواج المسيحي الكنسي، بشكله الحالي، ظهر في عصور قريبة، كما أنه أضيف مؤخراً إلى أسرار الكنيسة السبعة، بينما هناك أسرار أقدم منه، مثل المعمودية والتناول، و"ذلك نتيجة الخوف من الاضطهاد، والحفاظ على الهوية الأرثوذكسية، أي أن له أبعاداً سياسية واجتماعية".

وتتابع: "أما الآن، ومع وجود دولة حديثة، فنرجو أن تتولى دولة القانون الشكل الرسمي للزواج، وأن تقف الكنيسة عند الروحيات، لا سيما وأن خطاب كل الأديان يتبنى قيماً محافظة تتسق مع ثقافة المجتمعات التي نشأت فيها، وتميل إلى تحميل الزوجة مسؤولية أي نزاع أو فشل. وعلى النقيض من ذلك، فإن الديانات نفسها تساوي بين الرجل والمرأة في الحساب، سواء في الكذب، أو السرقة، أو الزنى. بينما يتبنّى رجال الدين خطاب تحميل المرأة مسؤولية أي مشكلة، من باب الضغط عليها، لإنجاح الأسرة كونها الطرف الأضعف".

"منتهى الظلم أن يقوم الكهنة بتطويع الدين في أي مشكلة زوجية، ليتّسق مع وجهات نظرهم الذكورية، وأفكار المجتمع الشرقي غير العادلة، وغير الإنسانية، والمتعارضة في الأساس مع العقيدة المسيحية التي فرضت المساواة"

عمرها 600 عام

عن تاريخ وضع الوصية، يقول الباحث في التراث القبطي زكريا بشير لرصيف22: "إن صلاة الإكليل بدأت توضع كطقس في الكنيسة، له نظام وقراءات، مع بداية القرن الـ14 بحسب أقدم مصدر تحدّث عن الوصية، وهو شمس الرئاسة ابن كبر في كتابه ‘مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة’، وبعده البابا غبريال الخامس في القرن الـ15 في كتابه ‘الترتيب الطقسي’، ولم تذكر أي مخطوطة مَن هو الشخص الذي وضع نص الوصية، أو في عهد أي من البطاركة حدث الأمر".

ويضيف بشير أن أحدث مصدر للوصية، وأقربها إلى النص الحالي، جاء في كتاب "رتبة الإكليل الجليل" للقمص فيلوثاؤس عوض، طبعة 1888.

من جانبه يقول المحاضر في معهد المشورة الزوجية في سوهاج القس دانيال داوود لرصيف22 "إن الوصية جيّدة بمجملها، ولكنها بحاجة إلى الوعي الديني والاجتماعي لدى العروسين، وعلى الرغم من أن متطلبات الحياة اختلفت عن الماضي، إلا أن الأزمة لا تكمن في الوصية، بقدر ما تكمن في ثقافة المقبلين على الزواج".

"الوصية أصبحت غير صالحة للزمن الذي نعيش فيه، وأعتقد أنها تساهم في ترسيخ مفهوم أن المرأة أقل من الرجل، كعبارة ‘الرجل رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة’"

ويضيف: "قد تكون الوصية بحاجة إلى التطوير للتكيّف مع روح العصر ومتغيراته، ولكن هذا لن يحل المشكلة، وغالباً ما يتعامل معها العروسان وكأنها مجرد روتين عليهم تحمله، بينما ينشغلان بالتصوير وفستان العروس"، ويتابع: "أنا لا أعوّل على الوصية بشكل كامل، وأرى أن دورات المشورة (وهي دورات تقدَّم للمقبلين على الزواج لتعريفهم بأسس الحياة المسيحية)، وهي شرط أساسي للحصول على تصريح الزواج، عليها أن تتوسع في شرح الحياة الزوجية ومشاكلها".

ويشير إلى أن "ما يقال في الوصية من أنك تستلم زوجتك، أو أنك مسؤول عنها بعد والديها، لا تعني أنها أقل منك، ولكن المقصود هو القيادة، وليس التسلط. فطاعة الزوجة لزوجها، وعدم مخالفته، لا تعني أن يتحول الرجل إلى ديكتاتور، ولكن الزوج يفكر بعقله بينما تفكر المرأة بقلبها".

ويلفت إلى أن "الوصية اهتمّت بدور كل منهما: هو يكون حنوناً عليها ويسرع إلى ما يسرّ قلبها، وذلك نظراً لحاجتها إلى الحب. بينما عبارات تهابيه، وتخاطبيه يا سيدي، لا يُنظر إليها بالمعنى الحرفي، بل تعني الاحترام، وتحديد الأدوار".

قابلة للتجديد

يشير المفكر القبطي كمال زاخر إلى أن المسيحية في بدايتها لم تكن تعرف صلوات الإكليل، وكانت تكتفي بحضور العروسين صلاة القداس، والتناول.

ويشرح أنه مع استقرار الكنيسة ووضع كيان مؤسسي وإداري لها، بدأت صياغة صلوات خاصة كانت أهمها صلاة الشكر، وحلول الروح القدس "بسجود العروسين، وذلك حسب المعتقد المسيحي".

وأخيراً، يضيف لرصيف22، وُضعت الوصية التي تُعدّ آخر محطات التطوير، ومع الوقت مُنعت صلوات الإكليل في المنازل، واقتصرت على الكنيسة.

وبرأيه، الوصية "روح الإنجيل، ولا مانع من مراجعتها لتكون مناسِبة للزمن الذي نعيش فيه. وكنيستنا مجدِدة، وليست جامدة. وقد أضافت طلبة (صلاة) خاصة تُردَّد في القداسات، لتوفير العمل للعاطلين، وتزويج الفتيات، وحماية غير المتزوجين من الفتن، وهو ما يؤكد أنها تتفاعل مع احتياجات العصر".

بدوره، يعتبر الباحث في التاريخ القبطي والأستاذ في الجامعة الأمريكية سينوت دلوار شنودة، أن لا فروقات جذرية بين الطوائف المسيحية في مصر في النظرة إلى المرأة والمساواة بين الجنسين لأن المرجع واحد وهو الكتاب المقدس.

يصف شنودة الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية بأنهما "تقليديتان"، منوّهاً إلى أن "الكنيسة الإنجيلية تقدمية بطبيعتها نظراً لإنها نشأت في أوروبا وبالتالي أصبحت تنصف المرأة وتمنحها بعض الحقوق الإضافية مثل الكهنوت والمشاركة في الخدمة".

ويعتبر أن مسألة غياب المساواة بين الجنسين والمسألة "ليست دينية بقدر ما هي ثقافية"، مبدياً اعتقاده بأن "التغيير قادم لا محالة ولكن أمامه نحو 40 عاماً، والصعوبة في الوصول إليه ترجع إلى رجال الدين المؤمنين بحقهم في السلطة الدينية على الأسرة وحق الذكر في التسلط وخوفهم من حرية المرأة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard