بعد فشل الحكومة في محاسبة القَتَلة... حملة وطنية عراقية لـ"إنهاء الإفلات من العقاب"

السبت 29 مايو 202111:31 ص

بعد انتشار فيروس كورونا في العام الماضي، رُفعت خيام الاعتصام في عدد من المحافظات العراقية، وخَفَت وهج الانتفاضة العراقية... أما الناشطون والفاعلون في ساحات الاحتجاج، فهُجّر المئات منهم، بين إقليم كردستان وخارج البلاد، بعد أن أخذ الموت يتربّص بهم على شكل اغتيالات.

لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات عملية لإيقاف مسلسل الاغتيال والاختطاف والتحريض والتهديد، بل كثيراً ما جرت عمليات اغتيال أمام أعين القوات الأمنية. كررت كثيراً خطابات عن الكشف عن القتلة، لكن هذا لم يمنع الملثمين من تصويب أسلحتهم على أهداف كثيرة.

هناك مَن يعتقد ان الحكومة غير قادرة على السيطرة على ما يجري، وفرض هيبة الدولة، وآخرون يعتقدون أنها غير جادة، معللين رأيهم بأن العرف المحاصصاتي المتبع بعد 2003 هو ما جاء برئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، من خلال القوى والأحزاب التي تُتهم بقمع الاحتجاجات، ما يفرض عليه حزمة محددات لا يمكنه تجاوزها.

في بداية الانتفاضة، بدت حكومة الكاظمي مناصرة للمحتجين، خاصة أن رئيسها عمل على تسويق هذا الانطباع من خلال كسب ود المتظاهرين، واختيار ناشطين ميدانيين وإعلاميين وصحافيين مساندين للاحتجاج للعمل في مكتبه.

إلا أن الكاظمي فشل في أول تجربة عملية له. ففي 19 حزيران/ يونيو 2020، داهمت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب مقراً لكتائب حزب الله في منطقة الدورة، جنوب بغداد، وعثرت فيه على ورشة لتصنيع صورايخ قيل إنها من النوع الذي يُطلق على السفارة الأمريكية، واعتقلت الموجودين هناك. لكن بعد ساعات، ردّت كتائب حزب الله بشكل محرج للحكومة، إذ تحركت مجموعات مسلحة تستقل آليات رسمية نحو مقرات حكومية داخل المنطقة الخضراء وخارجها و"احتكت بها تجاوزاً"، على حد تعبير بيان قيادة العمليات المشتركة التي وصفتها بـ"جهات لا تريد أن تكون جزءاً من الدولة والتزاماتها وتسعى إلى البقاء خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة".

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ. بعد أيام قليلة، كشف القائد العسكري لكتائب حزب الله، أبو علي العسكري، عن إطلاق سراح المعتقلين في "ليلة الدورة"، واصفاً اعتقالهم بأنه عملية نُفّذت بطلب أمريكي، ومشيراً إلى أن "الكاظمي أُجبر على تسليم المختطفين إلى قوة من الحشد الشعبي وقد تم نقلهم بالتفاهم معنا إلى أحد مقرات الحشد مطلَقي السراح بدار ضيافة".

لم تمضِ أيام قليلة حتى اغتال مسلحون مجهولون الخبير الأمني هشام الهاشمي، وهو من المقربين من رئيس الحكومة الكاظمي. تعهد الأخير أمام عائلته بالكشف عن الجناة، ولكن هذا ما لم يحدث، وعلى العكس تمكن مطلوبون للقضاء على خلفية تهم باغتيال ناشطين من الهرب قبل أن تنفّذ القوات الأمنية عمليات القبض عليهم في البصرة.

إنهاء الإفلات من العقاب

هذا الواقع وهذه التجارب سلّطت الضوء بشكل واضح على إرادة الحكومة والقدرات الأمنية للدولة وإمكانياتها العسكرية، خاصة في ظل نفوذ الفصائل المسلحة التي يتوغل فيها النفوذ الإيراني، وفي ظل انقسام الأجهزة الأمنية وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية والحزبية.

"غياب المحاسبة عن انتهاك القانون تسبب أيضاً باستقواء الميليشيات والجماعات المسلحة على الدولة والمؤسسات ولم يعد الأمر يقتصر على عمليات القتل والفساد"

وساهمت المعطيات التي يعيشها العراقيون منذ نحو سنتين بإذابة جليد الأمل، والبرهنة على عدم جدوى انتظار كشف الحكومة عن مصير قَتَلة المتظاهرين، خاصة بعد أن أظهر تقرير وقوع نحو ثلث عمليات الاغتيال في زمن حكومة الكاظمي، خلال عام تقريباً منذ توليه منصبه.

‏ولذلك، اندفع عدد من النشطاء والصحافيين إلى إطلاق حملة بعنوان "إنهاء الإفلات من العقاب"، شارك فيها مواطنون كثيرون، لحث الأطراف المحلية والدولية على تحمل مسؤولياتها تجاه الجرائم المرتكبة، خاصة أنها تُرتكب في سياق عملية سياسية يعترف بها المجتمع الدولي دون أن يراجع أو ينتقد أخطاءها وفشلها في حماية أرواح العراقيين وتبديدها موارد بلدهم بصورة جنونية، وكل ذلك من دون أدنى محاسبة، بحسب الإعلامي معن الجيزاني، وهو من أبرز القائمين عليها.

تقوم هذه الحملة على تناقل أسماء وصور عشرات الشخصيات السياسية والأمنية ومسؤولين من مختلف مكوّنات السلطة، بتصاميم موحّدة، مع التهمة التي يوجّهها القائمون على الحملة لهم.

ويقول الجيزاني لرصيف22 إن "تطبيق المحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب لطالما كان القضية الأساسية المرتبطة بمطالب الناس عبر الاحتجاجات منذ 2010 وحتى الآن".

ويضيف أن "غياب المحاسبة عن انتهاك القانون تسبب أيضاً باستقواء الميليشيات والجماعات المسلحة على الدولة والمؤسسات ولم يعد الأمر يقتصر على عمليات القتل والفساد".

"الحملة المضادة اعتمدت على التشويه والتسقيط، وهي محاولة لشرعنة قتلنا، لكن العراقيين باتوا يعرفون أن كل حملة منظمة وممولة من خلال منصات وهمية وبواسطة جيوش إلكترونية، تقف خلفها أحزاب وقوى سياسية"

ويبدي الجيزاني اعتقاده بأن "تطبيق المحاسبة سيوقف الانتهاكات والتجاوز على القانون بكل أشكاله ويعيد الاعتبار للضحايا ويقوّي هيبة ومكانة الدولة، وهذه أمور لا يوجد عراقي واحد يمكن أن يختلف معها، وهنا تكمن أهمية هذه الحملة الوطنية لمستقبل العراق وحياة العراقيين".

وبشأن إطلاق الحملة، أوضح الجيزاني أن مَن أطلقها هم "مجموعة من الصحافيين والناشطين والمدونين"، لافتاً إلى أنها "لاقت ترحيباً واسعاً من الجميع، خاصة بين صفوف المحتجين الذين تبنوا هذه الحملة وأصبحت مطلباً أساسياً يختصر جميع مطالبهم بمحاسبة القتلة وإنهاء الفساد وقمع الحريات واستغلال النفوذ السياسي والحزبي للإثراء غير المشروع والتقصير في إدارة الدولة وتوفير الخدمات".

ويقول: "إنهاء الإفلات من العقاب والدفع باتجاه خلق بيئة تسمح بالمحاسبة وتمنع انتهاك القانون سيحقق بشكل تلقائي جميع مطالب المحتجين".

حملة مضادة

في المقابل، انطلقت حملة مضادة تستخدم التصميم ذاته، وتطلق تهم العمالة والتخوين على نشطاء وصحافيين فاعلين في الحملة.

ويقول أحد المستهفدين فيها، حيدر المرواني: "حملتنا وطنية وشملت كل السياسيين والمتورطين بقضايا الدم والفساد، وبمختلف توجهاتهم. لم نستثنِ أحداً، أو نشهّر به. الجميع متفق على أن هدر المال العام، واستغلال موارد الدولة، واستخدام السلاح، والخطاب الطائفي، ودعم الجماعات المسلحة، تتم بدعم وبغطاء من قيادات سياسية، حتى صارت إدارة الدولة بيد عوائل وبيوتات".

ويضيف لرصيف22 أن "الحملة المضادة اعتمدت على التشويه والتسقيط، وهي محاولة لشرعنة قتلنا، لكن العراقيين باتوا يعرفون أن كل حملة منظمة وممولة من خلال منصات وهمية وبواسطة جيوش إلكترونية، تقف خلفها أحزاب وقوى سياسية، فيما تفاعل الجميع مع حملتنا بحساباتهم الشخصية وهذا مصداق واضح على نظافتها واتفاق المواطنين معها".

ولم يقتصر الرد على التشهير بل أتى ردّ باستهدافات جديدة لناشطين:

وكانت الناشطة المدنية انتصار ناهي، وهي من الناشطات البارزات في تظاهرات تشرين وتعرضت للخطف والتعذيب سنة 2020، قد أعلنت عن تعرضها لمحاولة اغتيال في العاصمة العراقية بغداد، في 27 أيار/ مايو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard