"مجمع الخالدين" وإخوته... شعارات دعائية برّاقة وتقاعس عن خدمة اللغة

الثلاثاء 8 يونيو 202110:24 ص

تتفاقم أزمات اللغة العربية وتزداد تشابكاً وتعقيداً يوماً بعد يوم، وتتجه إلى مزيد من التنامي والتعمّق، لتعلقها بكائن حيّ متطور هو اللغة، بمستوياتها المتعددة؛ الكتابية، والقرائية، والبحثية، والعلمية، والاصطلاحية، والاستعمالية في الحياة اليومية. وتتعاظم الأزمة إلى درجة الكارثية فيما يخصّ المحتوى العربي على الإنترنت، الضئيل كمّاً والفقير كيفاً، والمتهافت روحاً ووهجاً وقيمة.

وفي خضم ما تقتضيه اللحظة الراهنة من تكاتف الجهود المؤسسية والجامعية والمبادرات الأهلية والفردية للتعاطي الواعي المدروس، والعَمَلي في الوقت ذاته، مع مشكلات "الضاد" وقضاياها الجوهرية الملحّة على نحو مغاير مرن، من أجل النهوض باللغة وتطويعها وتعزيز حضورها وتوسعة آفاقها في عصر المعلوماتية والرقمية والحوسبة والذكاء الاصطناعي.

إن الواقع يؤكد أن ما جرى في هذا الصدد من الممارسات الجريئة والتطبيقات الملائمة والأفكار الابتكارية لا يزال محدوداً للغاية؛ قياساً بما هو مطلوب ومأمول في الحاضر وفي المستقبل القريب. وعند الحديث عن هذا القصور، أو التقصير، فإن أول ما تشير إليه أصابع الاتهام هي مجامع اللغة المتخصصة، في مصر وسورية والعراق والسعودية والأردن والمغرب وتونس والسودان وغيرها من الدول.

تتفاقم أزمات اللغة العربية يوماً بعد يوم، لتعلقها بكائن حيّ متطور هو اللغة، بمستوياتها المتعددة، وتتعاظم الأزمة إلى درجة الكارثية فيما يخصّ المحتوى العربي على الإنترنت، الضئيل كمّاً والفقير كيفاً، والمتهافت روحاً ووهجاً وقيمة

تلك المجامع التي لا تزال في مجملها أسيرة للسياسات الماضوية المكرورة، والرؤى التحفظية الضيقة، المرتكزة على قداسة اللغة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، والمقتصرة على نظريات حراسة اللغة من أعدائها، والمسؤولة عن عزل اللغة فوق الأرفف وقولبتها وتحنيطها، إلى جانب ما قد تستغرق فيه هذه المجامع أحياناً من أمور شكلانية، ذات بريق مخادع.

ما يوحي بأن اهتمامها الأكبر بات منصبّاً على الشعارية والكرنفالية والفرقعات الإعلامية، والإجراءات التي تبدأ وتنتهي عند حد الدعوات المنبرية الزاعقة، فيما تبقى اللغة بانتظار الطحن، لا الضجيج.

ترديد كليشيهات

في القاهرة، على سبيل المثال، خلال الفترة الوجيزة المنقضية، فرض "مجمع الخالدين" العريق (تأسس في عام 1932) حضوره على المشهد، أو على الكاميرات على نحو أدقّ، من خلال عناوين عريضة جاذبة تندرج تحت مظلة خدمة اللغة العربية ودعمها وتمكينها، لكنْ حال تدقيقها وتمحيصها تتقلص أوجه الإنجاز وملامحه، وتكاد تتلخص في ظواهر صوتية وأمنيات حماسية.

من ذلك، ما أقدم عليه المجمع القاهري برئاسة صلاح فضل، من المبالغة في التعليق والثناء على ما قام به مجلس النواب المصري برئاسة المستشار حنفى جبالي من إلزام أعضاء البرلمان بالتحدث باللغة العربية في جلسات المجلس، مع حذف أي عبارات أجنبية من مضبطة الاجتماعات.

ويعدّ سلوك البرلمان إجراءً مبشّراً بالتأكيد، لكنْ في حدود الجهة التي قامت به، وهي بطبيعة الحال ليست المجمع اللغوي الذي يبحث له عن دور، والذي بدا كأنه انتهز الفرصة، فاسترسل في تصريحات رئيسه مستدعياً كليشيهات محفوظة حول مقوّمات الثقافة والغيرة القومية والتراث الحضاري وتمهيد الطريق لرصانة القول وإعادة الهيبة للغة العربية، وما إلى ذلك من تهويمات إنشائية في سياق امتداحه لسلوك البرلمان.

أمر آخر أعلن عنه مجمع اللغة بالقاهرة مؤخراً، واتخذه ذريعة لإثبات أنه "يقوم بدوره المهمّ في الحفاظ على اللغة والثقافة العربية"، وهو ترشيحه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي لنيل جائزة نوبل في الآداب.

وبغض النظر عن حيثية المجمع للقيام بهذا الدور، وأهلية حجازي للجائزة ومدى استحقاقه لها من بين الأدباء المصريين الذين يمكن ترشيحهم، وقانونية الإعلان عن اسْم المرشّح وفق لوائح الأكاديمية السويدية التي تشترط السرية، فإن الصيغة التي فرض بها مجمع اللغة ذاته في هذه الواقعة هي محل المراجعة والمساءلة.

ليس فقط بطريقة مغازلتها للفضائيات والصحف ومواقع الإنترنت والسوشيال ميديا بما يشبه "ركوب التريند"، وإنما كذلك اعتبار هذا الترشيح دليلاً كافياً على تفوق المجمع وحُسن أدائه المهامّ الموكلة إليه.

أهداف غائبة

يضع "مجمع الخالدين" بالقاهرة، شأنه شأن نظرائه بالعواصم العربية من المؤسسات العلمية والبحثية المعنية بالمصطلحات وشؤون التعريب واللغة في مجالات المعرفة الإنسانية، أهدافاً كثيرة محورية، منها: الحفاظ على سلامة اللغة وجعلها وافية بمطالب التقدّم، ملائمة لاحتياجات الحياة ومتطلبات العصر، وتحقيق التراث العربي، ووضع معاجم تاريخية للغة وأبحاث دقيقة في تاريخ الكلمات وتغير دلالاتها ودراسة اللهجات الحديثة المختلفة.

أعلن مجمع اللغة بالقاهرة مؤخراً، ترشيحه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي لنيل جائزة نوبل في الآداب. بدون التفكّر بأهلية المجمع للقيام بهذا الدور، وأهلية حجازي للجائزة وقانونية الإعلان عن اسْم المرشّح وفق لوائح الأكاديمية السويدية التي تشترط السرية

وتضم معاجم اللغة عادة لجاناً كثيرة، في الأدب، أصول اللغة، الألفاظ والأساليب، الفلسفة والعلوم الاجتماعية، المصطلحات العلمية، المعالجة الإلكترونية وغيرها.

وتشير قراءات الواقع الحالي إلى أن اللغة العربية، التي ينطقها أكثر من 400 مليون مواطن وتعد الخامسة بين لغات العالم في حجم الانتشار، تعاني أزمات متراكمة، تزداد حدتها مع الوقت، أبرزها عجز المحتوى العربي عن ملاحقة السيولة الرقمية وأبجديات الحوسبة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي وحيوية الضخّ عبر الإنترنت، سواء على مستوى التراث، أو النتاج العربي الجديد في سائر المجالات المعرفية.

ولا يمثل المحتوى العربي على الإنترنت أكثر من 3% من المحتوى العالمي، ويدور في معظمه حول أمور عامة وسطحية مشوبة بالبيانات والمعلومات غير الموثقة، المتناقلة بين المواقع كما هي، بدون إضافة أو ابتكار أو إعادة معالجة.

ومن المشكلات كذلك، وجود فجوة كبرى بين التصورات النظرية حول اللغة العربية الموروثة ككيان ثابت لا يُمَسّ، وحقيقة استعمالات اللغة الفعلية الحالية، سواء في الأدب أو العلم أو الإعلام أو مناحي الحياة اليومية.

وأسهم انعزال مجامع اللغة واقتصار أعمالها على إقامة مؤتمرات متعالية جامدة، في خلق تلك الفجوة بين اللغة كوصفة، واللغة كاستخدام، خصوصاً مع تعنت "أوصياء اللغة وحماتها" إزاء تطويرها وسهولتها وانفتاحها على اللهجات الشعبية والعامية وخروجها عن النمط المرسوم.

حلول واقعية

على الرغم من هذه المآزق كلها، وغيرها، لا تزال هناك آمال وحلول يجتهد بعض المختصين في طرحها لانتشال "الضاد" من عثرتها، وإضاءة المسار أمام مجامع اللغة العربية للقيام بدور حقيقي ملموس وفعّال.

وفي تصريح لرصيف 22، يقول د. مصطفى الضبع، أستاذ الأدب العربي الحديث في الجامعة الأمريكية بالقاهرة،‎ إنه منذ صدور المرسوم الملكي لإنشاء مجمع اللغة العربية قبل قرابة تسعين عاماً، وهو يجتهد ساعياً لتحقيق أهدافه، لكن في دائرة ضيقة.

تقتصر أعمال المجامع اللغوية العربية على إصدار "قواميس اللغة"، وتعريب الكلمات الأجنبية، الذي يكون أحياناً مثيراً للسخرية، "كالمرناة" التي وضعوها مقابلاً للتليفزيون، ودار الخيالة مقابلاً للسينما، وإصدار مجلات مجمعية لا يراها أحد

فالمجمع "ينغلق على نفسه من دون محاولة الانفتاح على المؤسسات وثيقة الصلة بعمله كالجامعات وغيرها من الكيانات العلمية، ما يعني غياب عمله واختفاء منجزه عن الجمهور، أي المتلقي العادي والمثقف البسيط الذي كان ينبغي أن يضطلع المجمع بحماية لغته".

ويرى د. الضبع أن مجمع اللغة العربية يبدو كأنه يعمل في الخفاء، أو كأنّ هناك تعمداً ألا يصل جهده للمواطن، فإنتاج المجمع هائل لكنه غير مرئي وغير مدرك، فالمنجز يُطبع لكنه ليس متاحاً وفق وسائل عصرية.

ويقترح الناقد المصري أن يكون للمجمع موقع إلكتروني جاد بدلاً من موقعه الحالي غير اللائق، وأن يتاح إنتاج المجمع في صورة إلكترونية ليحقق انتشاراً أوسع، وأن تكون للمجمع كذلك قناة على اليوتيوب تبث فعالياته وأنشطته وتحافظ على تاريخ يحق لنا جميعاً الاطلاع عليه والإفادة منه.

وهي جميعاً وسائل لا تكلف المجمع شيئاً، فهي التكنولوجيا الأرخص الآن، لكنها مطلوبة بشدة ليخرج المجمع من قوقعة لا تناسب الآمال المنعقدة عليه، وقد بات تطويره ضرورة ملحّة، وشرط استمرار وبقاء.

من جهته، يوضح د. صلاح فاروق العايدي، الناقد الأدبي وخبير اللغة العربية والتربية والتعليم، أن ما نحتاج إليه فعلاً هو أن "ينزل المجمع إلى الشارع"، بمعنى مناقشة وضع اللغة، ومناهج التعليم، ومقررات الدراسة التي يعرف كل المتخصصين أن ما تقدمه عن اللغة بعيد عن اللغة.

فليس فيما يقدمه المسؤولون عن التعليم، سوى قواعد جافة، في البلاغة وفي النحو، وحتى النصوص الحرة كالشعر وموضوعات القراءة والقصة فقد تحولت جميعها إلى نماذج بائسة يحفظها الطالب.

ويؤكد د. العايدي في تصريحه لرصيف 22 أن الأحرى بالمجمع القاهري، وغيره من المجامع العربية، أن تناقش قضايا تعليم اللغة، وأن تضع استراتيجية واضحة للنهوض بها من خلال مقررات التعليم، ومن خلال التواصل مع المسؤولين، وأن تشجع شباب الباحثين على البحث في قضايا اللغة، وأن تجمع من الدواوين الشعرية ومن الروايات المعاصرة اللغة المتطورة، تلك اللغة التي تجري على ألسنة المثقفين.

والأولى بها أيضاً أن تضع معجماً تاريخيّاً يرصد تطور دلالات الألفاظ بدلاً من المعاجم المستقرة على جمع كل ما يخص دلالات الكلمة دون تمييز تاريخي لنشأتها ولتطور معانيها، على مثال ما يفعله معجم "أكسفورد" في طبعاته المتطورة. وكذلك أن تبحث المجامع مستقبلها المهني، وأن تحدد وظيفتها الفعلية في خدمة المجتمع، بعيداً عن صراع كراسي الإدارة، والانخراط فيما لا يجدي، كما في مجمع الخالدين بالقاهرة.

وينتقد د. العايدي اقتصار أعمال المجامع اللغوية العربية على إصدار "قواميس اللغة"، التي لا يزال بعضها قيد العمل لزمن زاد على أربعة عقود، مثل "المعجم الكبير" ومعاجم أخرى في الفلسفة وفي غيرها من العلوم، وتعريب الكلمات الأجنبية، الذي يكون أحياناً مثيراً للسخرية، "كالمرناة" التي وضعوها مقابلاً للتليفزيون، ودار الخيالة مقابلاً للسينما، وإصدار مجلات مجمعية لا يراها أحد.

ويقول مختتماً: "هذه جهود مشكورة، لكنها لا تنتج شيئاً، لأن تطور اللغة يمضي في جانب، والمجامع اللغوية في جانب، حتى مؤتمراتهم التي يعقدونها من أجل اللغة لا يسمع بها إلا المهتمون من المقربين. فماذا يبقى من المجامع إذا كان عملها كله معزولاً عن المجتمع وعن الجماعة اللغوية؟".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard