من الأم الأعجمية إلى الشتائم الذكورية في المجتمع العربي

الثلاثاء 25 مايو 202102:12 م

خلق الله آدم من تراب ليكون والد البشريّة، التي اتّصلت به، ومازالت تحمّله ضريبة الهبوط من الجنّة إلى عذابات الأرض وصرخات طينها اللازب التي لا تجفّ. فآدم هو بوابة النسب للإنسانيّة جمعاء، ولحُسن حظّه أن لا والد ولا والدة له، لئلا يُشتَم صباحَ مساءَ!

لكنّ عيسى بن مريم وُلد من دون والد، بل كان نفخة إلهيّة، وفق الروايات والمعتقدات، جعلت مريم العذراء عرضة للعتاب والغضب. وهي العذراء التي جاءت قومها بطفل تحمله، ولم يكن أمامها من شيء سوى تسليم الأمر لله وحده، وجاء الإسعاف الإلهي الذي أنطق الطفلَ في المهد بحسب الروايات الإسلاميّة التي ظهرت جليّة في القرآن: "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً. وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً. وَبِرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً". (مريم:27-30).

يقول النسفي في تفسيره: "كان أخاها (هارون) من أبيها، ومن أفضل بني إسرائيل، أو هو أخو موسى عليه السلام، وكانت من أعقبه، وبينهما ألف سنة. وهذا كما يقال: يا أخا همدان، أي يا واحداً منهم، أو: رجل صالح أو طالح في زمانها، شبّهوها به في الصلاح، أو شتموها به، وما كان أبوك زانياً، وما كانت أمّك زانية." لكنّ الله برّأ مريم من سلطة المجتمع التي سرعان ما بدأت تنسج قصة مريم بخيوط مجتمعيّة ذاتيّة تقوم على ربط عائلة مريم بما جرى لها لشتمها وشتم أهلها، وبذلك نجت مريم من عار قد يلحق بها وبأهلها إلى أبد الآبدين.

"تزوّجوا نساءً جميلات، وأنجبوا أولاداً وبنات وسيمين، سمّيناهم بأولاد الأجنبيّات، كانوا نظيفين، مرتّبين، وغير مبذّرين،... يهتمّون بالقراءة والموسيقى، ولواحدهم في الغالب حيوان أليف"

وفي مقالة عنوانها "لماذا لا يكون المولود يهوديّاً إلّا إذا وُلد من أمّ يهوديّة؟" للباحث ميشيل حنّا الحاج نُشرت في موقع الحوار المتمدّن بتاريخ 28-5-2014 ينوه الكاتب بأنّه لا يوجد نصّ حاسم وواضح في التوراة للدلالة على النهج اليهوديّ، على الرّغم من وجود نصوص قليلة تفيد أنّ الولد من أمّ يهوديّة هو يهودي. أمّا الابن من رجل يهوديّ وزوجة غير يهوديّة لا يكون يهوديّاً إلّا إذا تهوّد.

ويشير الباحث أيضاً إلى أنّ نسبة الولد إلى أمّه دون أبيه كان معروفاً وسائداً في بعض المجتمعات البدائيّة بسبب الغزو والسبي، باعتبار أنّ الأمّ أقدر على معرفة والد الطفل الحقيقي. ولعلّ هذا الاعتقاد كان سائداً عند العرب قبل الإسلام، فهم عرفوا "زواج المخادنة" أي "المصاحبة"، ويُطلق هذا النّوع من الزواج على معاشرة رهطٍ من الرجال لامرأة واحدة، فإذا حملت ووضعت أرسلت إليهم، فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع، وتسمّي المرأةُ مَن أحبّته أو مَن تظنّ أنّه والد الطفل، وتُسمّى المرأة بالمُقسّمة، كما ذكر عبد السلام الترمانيني في كتابه الزواج عند العرب في الجاهليّة والإسلام.

لكنّ النسب إلى الأمّ لم يقتصر على معجزة إلهيّة (عيسى بن مريم)، ولا مرجعيّة دينيّة (اليهود)، بل نُسب بعض الرجال إلى أمّهاتهم لجمالهنّ وحسنهنّ، كملك الحيرة، المنذر بن ماء السماء، واسم أمّه ماوية بنت جشم، وماء السماء لقبها. واشتهر الملك باسم "المنذر بن ماء السماء" على الرّغم من أنّ اسم والده معروف (امرؤ القيس) كما جاء في كتاب المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي.

الأم الأعجميّة

توسّعت الدولة الإسلاميّة في العصرَين الأمويّ والعبّاسي ودخل الكثير من الأعاجم الدينَ الإسلاميّ، وكثر الموالي والجواري وأمّهات الأولاد في العائلات العربيّة والإسلاميّة. يقول الجاحظ في البيان والتبيين: "كانت في عبيد الله ابن زياد لكنة لأنّه كان نشأ بالأساورة –عجم- مع أمّه مَرْجَانَة. وهي أمّ ولدٍ لزياد، فبسبب هذه الجارية أصبح اللحن في بيت زياد بن أبيه الذي كان مثالاً في طلاقة اللسان وفصاحته، ولكن دبّ اللحن إلى بيته عن طريق جاريته وأمّ ولده الأعجميّة."

"أكملت درب والدي وتزوّجت فتاة سويسريّة غير مسلمة، وقامت والدتي بالاعتراض على هذا الزواج بحجّة أنّ زوجتي أجنبيّة ولا تعرف التقاليد العربيّة"

فظاهرة "اللحن" التي يعرّفها محمّد التنوجي وراجي الأسمر في كتابهما المعجم المفصّل في علوم اللغة، هي: عيب في اللسان يقوم على تحريف الكلام عن قواعد الصرف والنحو. كما يقوم على مخالفة النطق الفصيح واللفظ السليم. فاللحن عيب لغويّ واجتماعيّ لأنّه نقيض ما اتّصف به العربيّ من فصاحة وبيان، خصوصاً أنّ اللغة العربية ارتبطت بالقرآن.

أولاد الأجنبيّات في الأدب العربيّ الحديث

تقول الروائيّة السوريّة شهلا العجيلي في روايتها "صيف مع العدوّ"، وهي تتكلّم عن الرجال السوريّين الّذين درسوا في أوروبا الشرقيّة في سبعينيّات القرن المنصرم: "تزوّجوا نساء جميلات، وأنجبوا أولاداً وبنات وسيمين، سمّيناهم بأولاد الأجنبيّات، كانوا نظيفين، مرتّبين، وغير مبذّرين، وجادّين في دروسهم، يهتمّون بالقراءة والموسيقى، ولواحدهم في الغالب حيوان أليف، قطّة أو كلب. يذهب أولئك الأولاد المسلمون إلى الكنيسة مع أمّهاتهم، ويقيمون أعياد ميلادهم في بيوتهم الصغيرة وغير الباذخة في منطقة الثكنة أو الدرعيّة، لكنّها بيوت دافئة، وكلّ ما فيها ينمّ على ذوق راق بالفنون والخبرة العمليّة، كلّ شيء في مكانه، بلا إضافات... إلخ."

تلك التفاصيل التي أشارت إليها العجيلي تدلّ على أنّ نظرة المجتمع العربيّ إلى أولاد الأجنبيّات فيها الكثير من الغرابة والدهشة، وأنّهم يشكّلون مجتمعاً أوروبيّاً مصغّراً داخل مجتمع عربيّ واسع، له خصوصيّاته الاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة، على الرّغم من أنّ الأولاد مسلمون، لأنّ الأولاد يتّبعون دين الأب في الإسلام لكنّهم كانوا يذهبون إلى الكنيسة أيضاً فأمّهاتهم بقين على ديانتهن المسيحيّة، ولا شكّ أنّ هذا ليس بالأمر المستهجن بين أوساط كثير من المثقفين، لكنّه قد يُعاب من المجتمع العربيّ عموماً، لأنّ المجتمع محكوم بمنطلقات ذكوريّة تفتخر بالرجل أكثر من المرأة.

والتقى رصيف22 بأحمد (سويسريّ من أصل عراقيّ)، يقول أحمد: "وُلدت في سويسرا ولا أعرف الكثير عن العراق، لكنّ والدي من قرية في جنوب العراق. درس في جامعة بغداد، وتعرّف إلى أمّي التي تنحدر من مدينة بغداد، وكانت عائلة والدي حجر عثرة في طريق ذلك الزواج، بحجّة أنّ العروس غريبة، وليست من عشيرة والدي، ولا بدّ أنّها سوف تجعل والدي يتخلّى عن أهله وعائلته وعشيرته وقريته، وسوف تجعل أولاده/أولادها في عزلة من مجتمعهم، وسوف تغيّر عاداته وتقاليده، وكانوا يعرضون عليه أسماء فتيات من العشيرة والقرية، لكنّه رفض."

ويضحك أحمد متابعاً قوله: "وأكملت درب والدي وتزوّجت فتاة سويسريّة غير مسلمة، وقامت والدتي بالاعتراض على هذا الزواج بحجّة أنّ زوجتي أجنبيّة ولا تعرف التقاليد والعادات العربيّة!"

هذه الألفاظ البذيئة هي نتائج ثقافة سلبيّة سائدة تجاه المرأة

نلاحظ أنّ عائلة أحمد عاشت تجربة متناقضة، على الرّغم من انتقال العائلة إلى سويسرا منذ زمن بعيد، وعلى الرّغم من أنّ أمّ أحمد كادت أن تخسر شاباً تحبّه بسبب تمسّك أهله بمبدأ رفض الزواج بغريبة أو أجنبيّة، أرادت أن تسقي ابنها من الكأس ذاتها التي شربت منها! لكنّ الحبّ انتصر في الحالتين! وهذا النجاح قد يكون استثنائياً في مجتمع لا يحبّ أنّ يبتعد عن عاداته وتقاليده، ويرى في المرأة الأجنبيّة أو الغريبة شبحاً يهدّد كيانه الاجتماعيّ النمطي.

شتائم ذكوريّة بجلباب أنثوي

نسمع كثيراً في الشارع أو أثناء المشكلات التي تبدأ بتبادل الشتائم وتنتهي بتبادل اللكمات وغيرها، عبارات بذيئة، ونرى أن معظم الشتائم القاسية تدور حول "العِرض"، ويتناول الشاتم عِرضَ المشتوم بعبارات سوقيّة كـ: ابن الشرموطة، ابن القحبة، كسّ إمّك، كس إختك، إلخ. علماً أنّ قاموس الشتائم في الثقافة العربيّة يشمل الحيوانات وغيرها، وربّما ينعت الشخص بابن الكلب أو ابن الخنزير وغيرها.

ومن المظاهر السلبية التي نراها كثيراً في مجتمعاتنا لجوء الشباب إلى شتم بعضهم بعضاً عن طريق "المزاح" ويقومون بتبادل الشتائم التي تطال الأمّ والأخت والزوجة ويعتبرون هذا من علامات المحبّة والصداقة والودّ!هذه الألفاظ البذيئة ليست مجرّد كلمات يتفوّه بها الإنسان عند الغضب، بل هي نتائج ثقافة سلبيّة سائدة تجاه المرأة، خصوصاً أنّ الشاتم لا يعرف المرأة التي يشتمها غالباً، لكنّه يريد إثارة المشتوم واستفزازه بعبارات لا صحّة لها سوى أنّها وقود لحرب كلاميّة ضحيّتها امرأة أو فتاة لا ناقة لها ولا جمل في هذه المعركة.

إلى متى سيبقى صوت المرأة عورة وشتمها رجولة؟ إلى متى سنبقى نعامل المرأة على أسس جغرافيّة أو عرقيّة أو إثنيّة؟ إلى متى ستبقى المرأة مصنعاً للأطفال وبركاناً للعار؟ إلى متى ستبقى المرأة الحلقة الأضعف في أيّ صراع مجتمعي؟ أيعقل أن تبقى المرأة هي حبّة القمح الأكثر طراوة في طاحونة الشرق الغريب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard