الثقافة والاضطهاد في اللغة العربية… المرأة والمثليون/ان جنسياً نموذجاً

الخميس 11 يونيو 202010:01 ص

كثيراً ما تجعلنا المواقف اليومية والحكايات العابرة في حيواتنا، نتوقف عندها أحياناً، متأملين سياقاتها وكيف تحولت الأمور إلى هذا المستوى، وقد تبدو الأمور في ظاهرها عابرة وغير مهمة، لكن ما جعلني أحاول الكتابة عن هذا الأمر، موقف شخصي تعرضت له.

دعوني أسرد الحكاية بأسلوب بسيط ومقتضب، قبل أن أناقش نفسي بصوت عالٍ للوصول إلى نتيجة ما.

في أحد الأيام كتبت شيئاً متعلقاً بالصراع الساذج وغير المنتهي بمطالبة المتدين دائماً الشخص العلماني باحترام وجهة نظر الآخر، وقلت حينها إن العلماني لا يطالب المتدين ولا يتجرأ عليه، ولا يسمح لنفسه ولا لتفكيره وقناعاته بحرية الآخر، أن يكون فضولياً أو يمارس النصيحة تجاهه، أو يتدخل بحياته، لماذا يصلي مثلاً أو لماذا هناك امرأة محجبة؟ وعلى النقيض، هناك الكثير من المتدينين، باعتبارهم الشريحة الاجتماعية السائدة، يمارسون هذه السُنّة الكونية - من وجهة نظرهم - على الآخرين المختلفين بالنصح، معتبرين أنفسهم أولياء الحق الذي فرضه الله، فيمارسون فضولهم على الناس: لماذا لا يصلون أو لا يصومون، أو لماذا هناك امرأة ترتدي لباساً قصيراً؟ وأنهيت ما كتبته بسؤال: أيهما فعلياً يجب أن يطالب الآخر بالاحترام... العلماني الذي لا يتدخل بالآخر أم المتدين، كشريحة اجتماعية سائدة، الذي يحاول دائماً فرض قانونه الكوني؟

أي طامة فكرية نعيش في هذا العالم فعلياً؟

بعد وقت، ظهر شخص أكاديمي في اللغة العربية وله قناعات دينية (وبالطبع هذه حريته الشخصية) وعلّق على ما كتبت، مناقشاً الموضوع بأن الأمر هو بتطرف الجهتين، وجاء بمثال على أحد الفيديوهات التي شاهدها، بأنّ هناك شاب عربي "مخنّث" يعيش في ألمانيا قد اعتدى على امرأة محجبة، وكان ردّي أن الأمر جائز الحصول في أي مكان، وبأنّ هناك مثلي جنس، مثل أي كائن بشري آخر، قد لا يحترم قناعات الآخرين، لكنها ليست قاعدة، فإن كان هذا المثلي معبّراً عن حالة فردية، فالثقافة السائدة في مجتمعاتنا من الجميع ذوي الأبعاد الأيديولوجية الغيبية، هم لا يحترمون خيار الهوية الثقافية والجنسية فقط، بل هم لا يحترمون أصلاً اختلاف تفكير الآخر، مجرد التفكير، فجاء رده الأخير في النهاية على الجدل، بتركيز وإصرار واضح: إنه "مخنّث".

طبعاً كان الجدل طويلاً، وغير مهم ما قيل لسرده هنا، لكن إصراره على تسمية مثلي الجنس بالمخنث، جعلني أتوقف قليلاً عند الرغبة الدفينة لتلك العقلية الثقافية السائدة، إن كانت بأبعادها اللغوية (اللغة العربية) أو ببعدها الديني، وهو ما دعاني للبحث عن أصل الكلمة لغوياً.

المخنث في اللغة العربية له الكثير من التوصيفات، لكن جميعها تتفق تقريباً على نقطة واحدة وهي، أنّ المخنث هو الذي يظهر بمظهر النساء، ويتكلم مثلهنّ تدللاً وغنجاً وتملقاً وتذللاً، وهو ذو أعضاء تناسلية ذكرية وأنثوية.

هذا هو التعريف اللغوي في اللغة العربية للمخنث.

إصراره على لفظ مخنث، وعدم قبوله لتعبير مثلي الجنس، يحدد مدى وعيه الهامشي، وهي بطبيعة الحال لا تُردّ إلى الخلفية الدينية التي يعتنقها فقط، بل تعود إلى الخلفية اللغوية المتحجرة بعدم قبول أي شيء يدخل إلى مستوى وعي جديد، لأنه يعتبر اللغة وامتدادها الديني قد أحاط جميع العلوم سابقاً ومستقبلاً

بالوقوف قليلاً عند هذا التعريف، المتفق عليه من قِبل الجميع، كقواميس لغوية، وحتى بأصول دينية تاريخية في تحديد هوية هذه الفئة، نستنتج في إصرار أكاديمي مثير للسخرية للأسف، على لفظ المخنّث، أنه قد وقع في مطبين تافهين فعلياً: الأول، أنه قد وضّح مستوى وعيه نتيجة تأثره باللغة التي نشأ في تفاصيلها، كيف أن اللغة العربية بتراثها تنظر للمرأة كعنصر مدلل ومغنّج ومتملق، أي أنها عنصر سلبي وغير فاعل حقيقي، وفاعليته فقط في الحياة تقوم أساساً على منهجية الدلال وتملّق الآخر.

وهذا بالطبع ليس مجرد تعريف لغوي عابر، بل هو حقيقة منهجية لآلية تفكير ثقافي واجتماعي مُغلّف باسم اللغة الصامدة، والتي تستمد هيكلية وجودها وبقائها من تاريخ نصي ديني.

والأمر الثاني، هو اعتباره تعبير مخنث، يدين السلوك البشري كنمط وفئة اجتماعية أقل من البشر الطبيعيين، بحسب أيديولوجيته، إنه إدانة غير مباشرة للاختيار الجنسي واعتباره (متجاهلاً أو جاهلاً بتفاصيل العلوم النفسية أو التطورات الفيزيولوجية في الكائن الحي) أن مثلية الجنس ذات بُعد واحد، وهي أن يكون الشخص ذا أعضاء ذكرية وأنثوية معاً.

هو غير مدرك لتفاصيل الهوية الجنسية وتنوعها، لأنه يستمد فكرة الاختلافات الجنسية من ثقافته اللغوية ذات البعد الواحد، أن هناك ذكراً وأنثى ومخنثاً فقط.

إصراره على لفظ مخنث، وعدم قبوله لتعبير مثلي الجنس، يحدد مدى وعيه الهامشي، وهي بطبيعة الحال لا تُردّ إلى الخلفية الدينية التي يعتنقها فقط، بل تعود إلى الخلفية اللغوية المتحجرة بعدم قبول أي شيء يدخل إلى مستوى وعي جديد، لأنه يعتبر اللغة وامتدادها الديني قد أحاط جميع العلوم سابقاً ومستقبلاً.

ضمن هذه القصة وسردها البسيط، أليست اللغة بهذا الوقوف عند حدود معينة، تضطهد ذاتها وتضطهد وعي جيل كامل من البشر؟ ألا تخلق حالة من الصنميّة الثقافية التي لا تستطيع تجاوز معاييرنا الاجتماعية والأخلاقية وإعطاء منهج قطعي بكل شيء؟

أليست اللغة بهذا الوقوف عند حدود معينة، تضطهد ذاتها وتضطهد وعي جيل كامل من البشر؟ ألا تخلق حالة من الصنميّة الثقافية التي لا تستطيع تجاوز معاييرنا الاجتماعية والأخلاقية وإعطاء منهج قطعي بكل شيء؟

شخصياً لا أريد أن أمارس دور الاتهام للغة أو وعي المجتمع والبشر، رغم وضوح جمودهم جميعاً، لكن القصة جعلتني أفكر بأنّ هناك ملايين من الأمثلة والأحداث المتشابهة التي تحصل مع الجميع وبأي مكان، وربما نعبر قربها دون الوقوف عليها أو تفسيرها أو نقدها أو مناقشة طارحيها.

وهنا ستكون كارثة مستقبلية، فالمسألة ليست رأياً يُقال وكفى الله المؤمنين شرّ القتال، بل هي منهج مستمر وراسخ ويفرض نفسه دون أن نعيه.

فهذا الأكاديمي مثلاً لم تعد المشكلة معه أو مناقشته حول حرية الرأي والتعبير، بل هو يحاول ترسيخ رؤية لغوية لها أبعاد ثقافية، ليست فقط تجاه مثليي الجنس، بل تجاه الأنثى التي يتم اعتبارها - من أمثاله - أنها كيان طبيعي في الحياة، ومع ذلك نظرته لها أنها كائن مغنّج ومتملق، بحسب التعريف اللغوي للمخنث الذي أصرّ على قوله.

أي طامة فكرية نعيش في هذا العالم فعلياً؟

بكل الأحوال، قد يبدو كل ما قيل غير مهم لكثير من الناس، لكني أرى وبأسلوب بسيط، أن مشاركة مثل هذه الأمور التفصيلية العابرة قد تصنع فارقاً يوماً ما في وعي جيل مستقبلي، وقد تصنع حتى فارقاً في وعي جيل ثقافي ما يزال حياً اليوم، لينتبه إلى نقاط قد تبدو غير مهمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard