حضور الحيوان في ثقافة البشر... نوستالجيا الوجود الأوّل

الاثنين 24 مايو 202110:00 ص

سيكون علينا أن نتأمّل في التواضع المفترض للآلهة وهي لا تستحي "أن تضرب لنا مثلاً بعوضة فما فوقها"، حين تتحدث عن الكفّار الذين هم "كحمر مستنفرة فرّت من قسورة"، والذين يصرخون بأصوات قوية ومنكرة و"إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".

يقع الحيوان ضمن خزّان كبير للمعاني في اللاوعي البشري، أكثر من النبات الذي يبدو خالياً من عنصر المفاجأة والاستقلالية، بينما يتثبت الحيوان كأساس صارم وموسّع لما ما لا يجب أن يكون عليه البشري، للافتراق عنه والتمايز بصفاته بشرية المنشأ.

فتعابير مثل "يأكل كالخنزير" و"يفكر كالحمار" و"يضاجع مثل أرنب"، تعبيرات شائعة لدرجة أننا سهونا عن غير قصد عن الجذر الأساسي للتعبير وهو النهم والمستوى العقلي والشهوانية المفرطة، وأحلنا جذر اللغة إلى الحيوان.

فأصبحت "الخنزرة" "الحمرنة" و"الأرنبة" وغيرها "صفات" بشرية مجلوبة من ممارسة طبيعية لكائن متشابه ومختلف عنا بآن، رغم أن تعريف كلمة "حيوان" أكثر شمولية، فهو "كل ذي روح من إنسان وبهائم"، فإذا افترق الإنسان عنه وأصبح مستقلاً، هل يعني أنه لم يعد يعنى بالمشترك الذي يمتلكه مع الحيوان وهو الروح؟ أم احتكرها له؟

يقودنا استخدام التشبيهات الخاصة بالحيوانات إلى فكرتين، أو لهما نفي "حياة" الحيوان الذي لا يمتلك تعريفاً إلا صفة عامة فيه من بين العديد من الصفات الأخرى، والثانية نفي الخصم البشري، العدو، الآخر، الذي نستخدم ضده هذه المفردات، رمزياً أو افتراضياً وتدميره.

استخدام الحيوان في الإهانة

المجتمعات القديمة كانت تختزن هشاشة في أساطيرها وأخلاقها وطقوسها الدينية المختلفة، بالتالي، فاستخدام أسماء الحيوانات بدل الكلمة الأصلية، كالحمار بدل الغباء والبغل بدل العند، يتفعّل أكثر في أخلاقياتها ويندرج ضمن منظومتها اللغوية ويصبح كليشيه وصفي ضمن الذخيرة اللغوية للمجتمع، وهكذا فإن الحمار والكلب وابن الكلب ثوابت أساسية في فعل "الإهانة" بالعربية، وبغيرها من اللغات أيضاً.

يقع الحيوان ضمن خزّان كبير للمعاني في اللاوعي البشري، فتعابير مثل "يأكل كالخنزير" و"يفكر كالحمار" و"يضاجع مثل أرنب"، تعبيرات شائعة لدرجة أننا سهونا عن الجذر الأساسي للتعبير وهو النهم والمستوى العقلي والشهوانية المفرطة

وما يثير الدهشة هو انقسام أنواع الحيوانات إلى قسمين قد يتم تداخلهما أحياناً، وفقاً للمحتوى الدلالي الذي يعتمد على الثقافات والظروف التاريخية والأديان المتغايرة، إلا أنه في جميع الأحوال، ورغم استخدام الحيوانات لتوجيه إهانات وأحياناً لوصف الشجاعة أو البطولة أو القسوة أو الوفاء، إلا أن الاستخدام العام للحيوانات ينطوي على قمع شديد في اللاوعي الجمعي.

يقع التعريف العام للإنسان في مرحلة تفترض تفوقاً على "شريكه" و"جذره" الحيوان، ما يثير ازدواجية وجودية يفترق عنها البشري باستخدام التفكير وبنفس الوقت هذا الخط الذي من المفترض أن يفرّق الانسان عن جذره أيضاً يفرّق الإنسان عن الإنسان.

فالكوجيتو الديكارتي يتضمّن البشر لكنه يعزل الحيوان، وبنفس الوقت يستثني بعض البشر الذين لا "يفكّرون" أيضاً، وهنا تستخدم اللغة تعبيراً حيوانياً لوصف البشر الذين يستثنيهم تعريف ديكارت، وربما تنفيهم أيضاً بإنكار "وجودهم" الذي شرطه الأساسي التفكير.

المشكلة الموجودة والمتكررة بمحاولة تعريف الإنسان، تحتوي على دليل ثابت لا يتغير: الحيوان. جرّد الإنسان من ثقافته، ملابسه، لغته، أي من كل القشور التي صنعها صنعاً ولم تكن موجودة في بدايته، سيبدو حيواناً، مورفولوجياً وسلوكياً، ويفترق عنه بخضوعه للقانون "البشري" الذي هو متغير ووضعي، ولا تملكه الحيوانات، لكن الطبيعة لها أيضاً قوانينها التي لا نفهمها لأننا لم نضعها.

جرّد الإنسان من ثقافته، ملابسه، لغته، أي من كل القشور التي صنعها صنعاً ولم تكن موجودة في بدايته، سيبدو حيواناً، مورفولوجياً وسلوكياً

عبر قرون من الجهد المنظّم، عزل الإنسان نفسه عن عالم الحيوان، تعالى عليه ويكاد اليوم لا يعرفه إلا عبر الصورة أو عبر الوصف اللغوي والتصنيف الديني، والحيوانات التي قام بإدخالها إلى بيته، أو إلى حياته، كحيوانات أليفة، لا تسمح له بالنظر إلى عالم الحيوان كعالم شبيه بعالمه، له قواعده ونظمه وربما "أخلاقيته" الخاصة التي نحاول مقاربتها عبر أخلاقياتنا.

والمدافعون عن حقوق الحيوان، أصحاب النزعة "الإنسانية"، يضعون بذات الوقت أنفسهم كمركز للعالم والطبيعة، فهم يثمّنون عالياً مفاهيمهم "الإنسانية" بنفس الوقت الذي يدافعون فيه عن حقوق الحيوانات، هم يتعالون عن الحيوان عبر إعطاء أهمية لخصائص إنسانية فيه، كالوفاء والحنان واللطف وبقية الصفات، وينكرون عليه "أصله" الحيواني، غريزته المغايرة وردّات قعله التي لا تشبه ردات أفعالنا، باعتبارنا "حيوانات" من نوع آخر.

القانون الذي يجرّم الإساءة لحيوان يأتي من موضع عقلاني أي نفعي، لكن الواقع البشري معقد للغاية ومتشابك مع منتجات الحضارة البشرية من التعاطف والنزعة الإنسانية.

لكن يجب أن نعترف أيضاً أن البشر ليسوا دائماً عقلانيين وأيضاً أن القانون البشري الذي تمّ السعي باستمرار لتطبيقه، سواء فيما يتعلق بالحيوانات أولاً هو شيء بشري للغاية، صنعه البشر لأجل البشر، ولا يمكن فهمه أو استيعابه خارج حدود الهيمنة التي يمارسها البشر على كوكبهم، ولا معنى له أصلاً خارج "الفهم" البشري والتفسير البشري للعالم والحضارات.

الحضور المستمر

في سياقنا الثقافي تحضر الحيوانات أكثر بكثير مما هي عليه في الواقع، فبعض أبناء المدن الكبرى مثلاً ربما لم يشاهدوا الخنزير والبقرة والثور والجراد والحمار، لكنها كلمات أساسية في خطابهم اليومي، نتيجة الحضور الكثيف للحيوانات في ثقافة البشر، من حكايات أيسوب، إلى قصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، وأيضاً في الكتب المقدسة، وفي الأعمال السينمائية والوثائقية عن عالم الحيوان.

هذا الاهتمام المتزايد بحياة الحيوان وعالمه يعكس لحد ما نوعاً من النوستالجيا البشرية، لمرحلة سابقة للحضور الإنساني الحالي، كحلقة مفقودة في سلّم تطور الدارويني، وأيضاً يأتي حضور الحيوان في المجال الثقافي والتعليمي كوسيلة لإظهار أوجه الاختلاف الثقافي واستفزاز الفضول المعرفي وحب الاكتشاف.

يمثل الحيوان الصورة البشرية الأقرب للطبيعة، باعتماده الغريزة الطبيعية بينما يبتعد البشر عنها باعتمادهم على القوانين والتكيف والإخضاع، أي ما سمّي العقل بدل الغريزة، وبالتالي يكون الحيوان هو "لاوعي الإنسان"، طبقة عميقة ومستترة غطتها الثقافة والقوانين، وبالطبع نستطيع أن نكتشف أنها ليست عميقة كثيراً عبر الممارسات "البشرية" الحديثة.

تقسم الكائنات إلى ثلاث الملائكة، البشر والحيوانات، ويقع البشر بين منزلتين قصويين، فالملائكة  جنس أعلى لأنهم لا يحتاجون غذاء، الإنسان فيتغذى بقدر كفايته والحيوان يأكل أي شيء، وأي إفراط في بعض صفات البشر تجعلهم يقتربون من الكائنين الآخرين، سمواً أو هبوطاً

نقتبس عن يونغ: "الحيوانات التي كثيراً ما تدخل في الأحلام والفنون تشكل تعارضاً جزئياً مع الإنسان، هي جوانب من طبيعته المعقدة ومرايا لدوافعه العميقة وغرائزه البرية المستأنسة".

التلاعب البشري بالإله

كثرت الحيوانات المقدسة والمؤلهة في الديانات القديمة، كالمصرية واليونانية والهندية، وهناك العديد من الآلهة التي تمثل خليطاً بشرياً حيوانياً، لكن هذا التمثيل للآلهة اختفى مع وصول الديانات التوحيدية التي انتقلت إلى توصيف محض صوري للإله ولغوي أيضاً، كان الحيوان شريكاً للبشر في حيواتهم الماضية، يتعرّفون به ويتعرّف بهم، يستخدمون صفاته ويستخدم فضلاتهم، لكن الأديان التوحيدية صنعت الفصل التراتبي وجعلت الحيوان في منزلة أدنى.

حيث تقسم الكائنات إلى ثلاث مراتب، الملائكة، البشر والحيوانات، ويقع البشر بين منزلتين قصويين، كان الدافع وراء هذا الفصل هو حاجة الكائنات إلى غذاء ربما، فتمّ ترفيع الملائكة إلى جنس أعلى باعتبار أنهم لا يحتاجون غذاء أما الإنسان فيتغذى بقدر كفايته والحيوان يأكل أي شيء، وأي إفراط في بعض صفات البشر تجعلهم يقتربون من الكائنين الآخرين، سمواً أو هبوطاً.

فإذا كان الإنسان شديد الحسية ويتعلّق بغرائزه ويمارسها بإفراط يقترب من الجنس الأدنى، الحيوان، وبنفس الوقت، ابتعاده عنها يجعله يسمو إلى ما يقارب الملائكة.

استخدم الإنسان الحيوان كوسيط في الأديان التوحيدية ليتقرب من الآلهة، يرضيها أو يتلاعب بها، وثمة نظرية تقول إن الحيوانات في الأديان التوحيدية "الذكورية" تمّ استخدامها كقرابين، لكن في الأديان "الأنثوية" استُبدلت بالنباتات وعناصر أخرى لا تتضمن التضحية بها إراقة للدماء.

كانت عصور العبودية تتضمن الإشارة إلى بعض الأجناس أو الأعراق باعتبارها أشياء، كالحيوانات التي لا تتألم، وشكّل اكتشاف ألم الحيوانات علامة فارقة بالنظر إلى هذا الجنس من المخلوقات، وتم إثره إعادة النظر بترتيب الحيوان في الطبيعة.

ثم استمرّت العلوم بتقديم مجموعة من الأدلة التجريبية التي خلصت إلى وجود "تقارب" ما بين الإنسان والحيوان، ثم خلصت لنتيجة نهائية هي أن الإنسان "حيوان" أصلاً، وهذا ما أعاد البشرية إلى مفهوم الشراكة الأول الذي ابتدأت منه البشرية وانحرفت عنه بتأثير الأديان: الحيوان مفهوم يقارب الآلة، الشيء، الذي "يُستخدم"، لكن من قال إن الإنسان ليس "شيئاً" أيضاً؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard