احذر أن يلتهمك الجحيم (1)... الطريق إلى مليلية

الثلاثاء 25 مايو 202111:02 ص

"كنتُ لحظتها أنتظر الموت: كان زورقنا الذي امتطيناه يغرق، عقب 15 ساعة من الإبحار. البحر حولنا من كل اتجاه، فيما كنا نتوقع بأننا لسنا بعيدين عن المياه الإقليمية الإيطالية. وجدنا طائرة استطلاع دون طيار تحلق فوقنا وقد كشفتْ موقعنا للبحرية الإيطالية التي اقتادتنا من جديد إلى السواحل الليبية، حيثُ تم احتجازنا هناك لخمسين يوماً في ظروف كارثية لا يمكنك تخيلها. تم إطلاق سراحنا لاحقاً، لأفكر: إلى أين أذهب؟؟ لم يعد بإمكاني البقاء في ليبيا، فقد كان الوضع الأمني يزداد هناك خطورة يوماً بعد يوم، وأصبح البقاء فيها مستحيلاً ".

توقف نائل* (اسم مستعار لشاب فلسطيني كان مقيماً في ليبيا) قليلاً قبل أن يكمل قصته: "قررتُ أنا وبعض رفاق رحلتي التوجه إلى المغرب، عبر رحلة تهريب طويلة، بدأناها بالتهريب عبر الصحراء إلى الجزائر ومنها إلى المغرب. كان الخطر رفيق رحلتنا الدائم. أعجز أحياناً عن تخيّل أنني رأيتُ كل هذه الأهوال ولا زلتُ حياً أتحدثُ معك الآن".

"كُن حذراً"!

سنعود بالزمن إلى الوراء، وتحديداً إلى بدايات شهر أيلول/ سبتمبر من عام 2018: عشر ساعات انقضت، حينما وصلتُ بالحافلة إلى "الناظور" أخيراً، قادماً من مدينة "الدار البيضاء" المغربية. كان معنا بعض الأفارقة الذين نزلوا قبيل الوصول، بسبب وجود تفتيش أمني خاص على مشارف المدينة الساحلية، إذ يبدو أن هؤلاء كانوا مهاجرين غير شرعيين في طريقهم إلى مليلية، وسيتم ملاحظتهم فوراً وتمييزهم بسهولة بحكم اختلاف لون البشرة. بدأتُ ساعتها رحلة قصيرة للبحث عن فندق أقيم فيه.

في أحد شوارع مدينة الناظور.

وجدتُ واحداً بجوار معبر "بني أنصار"، يحمل اسم المدينة، ومنذ يومي الأول هناك، بدأتُ في اكتشاف "بني أنصار" والبحث عن طريقة لدخول مليلية التي لم تكن تبعد عني سوى عشرات الأمتار فقط. إنها على الجانب الآخر من المعبر. وبرغم الشعور العارم بالإنهاك، بفعل طول مدة الرحلة البرية، والوضعية المتعبة لكراسي الحافلة، كان لدي فضولٌ ضخم لاكتشاف المدينة التي وصلتُ إليها للتو.

تعد "بني أنصار" مدينة ساحلية صغيرة، يبلغ عدد سكانها 60 ألف نسمة تقريباً، وتتبع إقليم "الناظور"، الذي تحمل عاصمته الاسم ذاته. هو إقليم تابع لما يعرف في المغرب بـ"الريف"، في الشمال الشرقي من البلاد، ويضم أقاليم "الناظور" و"الحسيمة" و"بركان"، وغالبية سكانه من الأمازيغ.

ويعد إقليم "الناظور" بالذات واحداً من أغنى الأقاليم المغربية، وبوابة للتجارة مع مدينة مليلية التابعة للحكم الإسباني، حيثُ يعمل الآلاف من المغاربة الريفيون من أبناء الإقليم كأيدي عاملة رخيصة هناك.

يسعى للوصول إلى مليلية آلاف المهاجرين غير الشرعيين من دول عديدة، على غرار سوريا واليمن وفلسطين والجزائر وتونس والمغرب وغيرها من الدول، في طريق رحلتهم إلى البر الأوروبي. من خلال رحلاتي الاستكشافية، اكتشفتُ أن هنالك ثلاث بوابات فقط تسمح بالوصول إلى مليلية من خلال إقليم "الناظور"، إحداها وأكبرها هي بوابة "بني أنصار"، وهي بوابة كبيرة يستخدمها عادة المسافرون من وإلى مليلية للتنقل، وتمرّ عبرها حركة البضائع بين المنطقتين، حيثُ أن الأسعار في إقليم "الناضور" أرخص بكثير من نظيرتها في مليلية.

من خلال جمعي للمعلومات، علمتُ أنه يحق لأبناء إقليم "الناظور" التنقل بين مناطق سكنهم ومليلية بإبراز جوازات سفرهم فقط عند بوابات العبور، دون الحاجة للحصول على تأشيرة، رغم أن مليلية تابعة للحكم الإسباني، فيما لا يحق لبقية المغاربة ذلك. كما يحق لهم أيضاً العمل داخل المدينة الواقعة في شمال إفريقيا، والتي تسيطر عليها إسبانيا منذ أكثر من خمسة قرون، وتعتبرها المغرب "أرضاً محتلة". وجود مليلية كبوابة تربط بين "بلدين" مختلفين، أحدهما يؤدي إلى أوروبا، حلم معظم المهاجرين غير الشرعيين، أدى إلى ازدهار عصابات التهريب والسطو، التي استغلت حاجة المهاجرين الشديدة للهجرة.

توجهتُ إلى مقهى مجاورٍ لمعبر "بني أنصار" لتناول الفطور. تحدثتُ مع أحد العاملين في المقهى، من أجل طلب فطوري، باللهجة التونسية التي أُجيدُ التحدث بها بطلاقة، ليتمعن العامل في وجهي جيداً قبل أن يسألني:

ـ عذراً. هل أنتَ تونسي؟

ـ ليس مهماً من أين أنا!

فاجأني بابتسامة ودودة، وهو يقول بصراحة: " بكل الأحوال مرحباً بك. وعلى العموم، هنا لا يهم من أين أنت. ما يهمهم هنا هو نقودك. سيحاولون أخذها بكل السبل، فكن حذراً!".

كان هذا الدرس الأول لي في "بني أنصار"، وقد اكتشفتُ لاحقاً كم كانت نصيحة عامل المقهى قيّمة لأبعد حد: الحياة هناك ليست سهلة، حيثُ تنتشر الجريمة بأشكالها المختلفة، بحكم أنها بوابة للهجرة غير الشرعية. لاحظتُ أيضاً انتشار المراهقين والأطفال المشردين الذين قدموا من مناطق مغربية مختلفة، جالسين غير بعيد عن بوابة المعبر، ويحلمون بدخول مليلية.

وقعت العديد من الاعتداءات وحوادث الاستغلال ضد المهاجرين غير الشرعيين، يطول الحديث عنها ولا ينتهي، مما يتطلب مني أن أكون أكثر حذراً في تصرفاتي وحديثي. لو كنتَ مكاني، لا تثق بأي شخص بتاتاً هناك.

وجدتُ عدداً من السوريين والفلسطينيين واليمنيين في المقهى، لنبدأ بالتعارف: لدى كل واحدٍ منهم قصة معاناة قادته إلى المغرب الذي وصلوا إليه بطرقٍ مختلفة. كان الخطر الداهم رفيقهم فيها جميعاً. بعضهم قدم من ليبيا عقب محاولات فاشلة لعبور أوروبا من هناك، مثل "نائل". والبعض الآخر قدم إلى المغرب عبر رحلة طويلة، بدأت من قطاع غزة ثم مصر ثم موريتانيا، ومنها انتقل إلى الجزائر عبر صحراء مالي، قبل الوصول إلى الأراضي المغربية عبر التهريب.

يتوزع المهاجرون غير الشرعيين، في عموم الحال، بين فندقين في "الناظور"، أحدهما اسمه "الحبيب" والآخر "المركزي"، حيثُ ترفض كل الفنادق الأخرى استقبال هؤلاء اللاجئين لأنهم دخلوا إلى المغرب بصورة غير شرعية، ويتقاضى الفندق الواحد خمسين درهماً عن كل شخص يبيتُ هناك، أي ما يوازي خمسة دولارات تقريباً لليلة الواحدة.

قال لي "علي"، وهو يمني قدم بعد رحلة تهريب طويلة من موريتانيا إلى المغرب: "أحوال الفندقين مريعة وتفتقر إلى النظافة بشكل لا يمكنكَ تخيّله: أنتَ لا تسكن في الغرفة وحدك. قد يكون معكَ أربعة أشخاص أو أكثر أحياناً، فضلاً عن أن الغرف في أسوأ حال. المراحيض وأماكن الاستحمام متسخة لدرجة أن النفس تأنفها، لولا أنه لا حل أمامنا سوى استخدامها. لا يمكننا الطهي هنا بطبيعة الحال، كما يلزمنا دفع 12 درهماً كل يوم للقدوم والرجوع من وإلى "بني أنصار"، وهي جميعاً مبالغ مكلفة لنا، فيما نحن بالكاد نتدبر نفقات إقامتنا هنا، خلال مرحلة انتظار العبور التي قد تصل إلى عدة أشهر".

رأيتُ هناك "أحمد"، وهو شاب كردي سوري عمره عشرون عاماً. كان أيضاً في ليبيا. قال لي: "وصلتُ إلى الجانب الإسباني، من بوابة بني أنصار أربع مرات. في كل مرة كانوا يعيدونني إلى الجانب المغربي، رافضين استقبالي بحجة أنني وصلتُ إليهم من ممر السيارات لا من ممر المشاة! حاول شرطي مغربي في مرة منها إقناع نظيره الإسباني بأنني وصلتُ إلى نقطة الأمن الإسبانية، ولم يعد للمغاربة شأن بي. لكن جهوده ذهبتْ أدراج الرياح، وها أنذا أسعى لدخول مليلية من جديد".

ثم التفتَ إليّ مبتسماً ليقول ملاحظة وافقه الجميع عليها: "أنتَ طويل للغاية وبالتالي يسهل تمييزك. نصيحتي ألا تكثر من محاولات التسلل، لأن عناصر الأمن سيتعرفون عليكَ ساعتها بسهولة! ومتى ما أصبحت وجهاً معروفاً هنا، أصبحتْ رحلة عبوركَ إلى مليلية شبه مستحيلة".

"كان الخطر رفيق رحلتنا الدائم. أعجز أحياناً عن تخيّل أنني رأيتُ كل هذه الأهوال ولا زلتُ حياً أتحدثُ معك الآن"

من كرسيي في المقهى، رحلتُ أتأملُ بوابة "بني أنصار" من جديد لساعات، بسياجها المعدني الأزرق، والكتل الإسمنتية المحيطة بها، والتي تفصل بين ممرات مختلفة كانت يومها مزدحمة بحركة العشرات من المشاة والمركبات القادمة من مليلية أو المتجهة إليها، فيما كان رجال الأمن ينظّمون حركة السير، ويتابعون بدقة كل ما يدور هناك. كنتُ أراهم أحياناً يمسكون بتلابيب أحدهم، ويجرّونه إلى غرفة ما. من الواضح أنهُ كان يحاول الدخول بشكل غير شرعي.

في معبر "بني أنصار"، هنالك أربعة ممرات من أجل تنظيم حركة السير: واحد للمشاة المتجهين إلى مليلية، وآخر للمركبات الداخلة إليها، ثم ممرٌ ثالث للمركبات المتجهة إلى "بني أنصار" ورابع مخصص للمشاة المتجهين إليها. كما توجد في المعبر ثلاث نقاط حراسة ومراقبة، نقطتان منها تابعتان للأمن المغربي، الأولى عند الدخول إليه، والثانية في منتصف الطريق، فيما تخص الثالثة الأمن الإسباني.

وبحسب المعلومات التي تلقيتها من اللاجئين الذين حاولوا العبور منها، فإن التدقيق الأمني صارم للغاية، والمرور منها شديد الصعوبة. قررتُ استثناءها وتجربة المرور من نقطة أخرى.

المحاولة الأولى

إنها الآن الساعة الخامسة فجراً. كنتُ أتأمل من سيارة الأجرة السور الطويل الذي يحيط بـ"ميليلة" بإحكام تام، فاصلاً إياها عن محيطها المغربي، والذي تنيره الأضواء الكاشفة بشكلٍ ساطع.

يفصل بين إقليم "الناظور" ومليلية سياجان متوازيان عاليان شديدا الحصانة، يبلغ ارتفاع كل منهما ستة أمتار من أسلاك معدنية متينة ومشبّكة، فيها فتحات صغيرة، مع وجود أسلاك شائكة أعلى من كل منهما، لإعاقة الهجرة غير الشرعية وتهريب السلع والمهاجرين. يمتد السوران على طول 12 كيلومتراً، ويجاورهما طريق ممهد خاص بمرور مركبات رجال الأمن ومراقبة الحدود. وقد تم تجهيزهما بمصابيح الإضاءة القوية وكاميرات المراقبة ومعدات للرؤية الليلية، فضلاً عن أجهزة استشعار إلكترونية.

وقفتُ في طابور العمال، عند نقطة العبور الثانية المؤدية إلى مليلية: معبر "فرخانة"، وفيها أربع ممرات للمشاة والمركبات، على غرار النظام المعمول به في بوابة "بني أنصار"، وتتحكم به نقطتا حراسة، الأولى للمغاربة والأخرى لنظرائهم الإسبان، ولا يفصل بينهما سوى عدد محدود من الأمتار. نقطة العبور الثالثة والأخيرة هي "بالتشينو"، وهي خاصة بالعمال وصغيرة للغاية، فهي مخصصة للمشاة وحدهم، وفيها ممران أحدهما للدخول والآخر للخروج، وتوجد فيها نقطتا مراقبة فقط، إحداهما تابعة للجانب المغربي والأخرى للإسبان، ولا تفصل بينهما سوى أمتار معدودة، وقد استبعدتها بسبب التدقيق العالي على المارين بها.

حاولتُ ارتداء ملابس تظهرني بشكلٍ لا يختلف عن بقية العمال، مع حمل كيسٍ بلاستيكي فيه بعض الأغراض والأطعمة، تماماً كما وجدتُ معظمهم يفعل على مدى الأيام الماضية. جلستُ على الأرض، بانتظار فتح البوابة عند الساعة السادسة.

كانت خطتي بسيطة: أن أندس بين آلاف العمال، حيثُ أنه من الممكن أن يتم التفتيش بوتيرة أقل دقة، بعد مرور أول ألف شخصٍ تقريباً. لو شك الشرطي في شخص ما، فسيتحدث معه بالأمازيغية بلهجةٍ ريفية كي يتأكد أنهُ صاحب الجواز، وأنه لا يحمل جواز سفر لشخص آخر. لم يكن لدي جواز سفر شبيه بالطبع، وبالتالي، قررتُ خوض المغامرة معتمداً على الحظ وحده، ودون الاتفاق مع أي مُهَرِّب. بدأ رجال الأمن بإدخال العمال تباعاً. وجدتُ نفسي أقتربُ تدريجياً من مكان الشرطي، ولم أعرف ماذا أفعل؟! عند الوصول إليه، قدمتُ إليه جواز سفري الفلسطيني الداكن بمنتهى الهدوء وأنا أبتسم.

تأمله الشرطي مستغرباً، ثم صاح منادياً زميلاً له أخذني إلى غرفة التوقيف على الفور. هناك وجدت نفسي في غرفة فارغة، طولها ثلاثة أمتار تقريباً وعرضها خمسة أمتار، فيها عدد من الدرجات الهوائية التي تم التحفظ عليها، وشبّاكها مفتوح بقضبانه ذات اللون الأزرق. لم يطل بقائي وحيداً إلا لدقائق، إذ تم جلب تونسي أمسكوا به وهو يحاول المرور إلى مليلية بجواز سفر شبيه. ثم جرى الإمساك بتونسيين آخرين، ثم بثلاثة فلسطينيين من غزة، وبعدها بشخصين جزائريين، ثم بشخصين آخرين من اليمن، ثم بأربعة مغاربة، كان يبدو عليهم أنهم من القاصرين. كان الضرب والتنكيل بالمغاربة بالذات على أشده، وضُرب أحدهم أمامي بعنف من قبل شرطيين كانا يسألانه:

ـ هل أنتَ من "فاس؟". (كان من الواضح وجود حساسيات لدى رجال الأمن هناك من أبناء تلك المدينة بالذات).

ـ "لا والله آ سيدي. أنا من "سيدي يحيى".

"أنتَ طويل للغاية وبالتالي يسهل تمييزك. نصيحتي ألا تكثر من محاولات التسلل، لأن عناصر الأمن سيتعرفون عليكَ ساعتها بسهولة! ومتى ما أصبحت وجهاً معروفاً هنا، أصبحتْ رحلة عبوركَ إلى مليلية شبه مستحيلة"

تركوه ساعتها، ليبقى معنا في الغرفة شرطي راح يسألنا عن بلداننا ومستوياتنا الدراسية. لما علم بأنني حاصل على ماجستير وأتحدث خمس لغات، تغيّرتْ معاملته معي، وبدأ يتحدث معي باحترام كبير. قال لي: "هؤلاء المهربون يستغلونكم. معظمهم يرسلونكم إلى نقاط العبور زاعمين بأن لديهم علاقات مع رجال الأمن، وهذا غير صحيح. سيزعم كثيرون منهم لك أنهم قادرون على إدخالك بسهولة وأن عليكَ دفع المال. سيدفعكَ البعض للمرور عبر المعبر دون جواز سفر شبيه حتى، فإن عبرت سيقول لك: ‘أرأيت؟ لقد ساعدتك. أعطني نقودي’ وإن تم الإمساك بك سيتركك تحاول مجدداً. تلك هي لعبتهم ببساطة". (تبيّن لي لاحقاً أن معظم كلامه كان صحيحاً).

دخل علينا رجل أمن، متوسط القامة، يرتدي قبعة عليها شعار أمني ما، وقميص أبيض وسروال أسود اللون. راح يهيننا جميعاً واحداً تلو الآخر. كنتُ أتوقع هذا وأكثر، بحكم أنني الآن "مهاجر غير شرعي"، فهم لن يقدموا لنا "الكرواسون" و"الكافيه كريم"! قال لزميله وهو يشير إليّ ساخراً: "انظر إلى هذا الطويل ‘كي البوتو ديال الظو!’ (باللهجة المغربية: طويل كأنه عمود إنارة!)". ثم راح هو وزميلٌ له يشتمان أحد الموقوفين المغاربة قائلين له بلهجة بلادهما: "آ يا مولى التلاوات!". فهمتُ لاحقاً أنها شتيمة بذيئة للغاية هناك. ثم التفتَ أحدهما للقصر: "وأنتم؟ هل تريدون الذهاب إلى مليلية كي تحظوا بممارسة اللواط هناك بحرية؟!". لم يجيبوه قطعاً. انتهى حفل التقريع هذا بعد ما يقرب من سبع ساعات، عدتُ بعدها منهكاً إلى محل إقامتي ومعي جواز سفري، لأقرر أن الوقت حان كي ألجأ إلى مهرب هذه المرة.

"البطاقة ديالك"!

أين يمكن أن تجد المهربين في مليلية؟ الجواب بسيط: هم منتشرون في المقاهي القريبة من معبر "بني أنصار". كما أن أرقام العديد منهم منتشرة بين المهاجرين غير الشرعيين. سيقدمون لك أسماء وهمية، وسيقومون بتغيير أرقامهم باستمرار، خوفاً من إلقاء القبض عليهم. لا توجد أسعارٌ محددة لهم، وتتباين المبالغ التي يطلبونها من كل شخص. وآلية عملهم بسيطة: تتركُ المبلغ المطلوب مع طرف ثالث، يكون صديقاً للشخص الساعي للتهريب، كي يقوم بتسليمه للمهرب في حال نجاح عملية التهريب، وإن لم تنجح فلا يتم دفع أي مبلغ له. والطرف الثالث مُلزم بالتسليم، لأنه يسعى أيضاً إلى أن يتم تهريبه مع المهرب نفسه، كما أن المهرب سيقوم بالاعتداء على الطرف الثالث، بحكم أنه مَن يحمل النقود، وقد شهدتُ في معظم الحالات التزام المهاجرين بالدفع للمهربين، حال إتمام العملية.

قابلتُ "أحمد" في المقهى الموجود قرب البوابة. أخبرني أن اثنين من الفلسطينيين تمكنا من الدخول أخيراً إلى مليلية، خلال المساء السابق. سألتهُ:

ـ كيف تمكنوا من ذلك؟

ـ بالقفز من أعلى السور المجاور للمعبر!

رأيتُ في هذا جنوناً مطبقاً. كان ارتفاع السور ستة أمتار تقريباً، ويجاور منطقة خطيرة ينتشر فيها المجرمون، ولا يستطيع دخولها أي منا إلا مع أحد أبناء المنطقة "العتاولة". في ذلك المساء، سيحاول فلسطيني اسمه "رائد" وسوري يدعى "خليل" فعل الأمر ذاته، بعدما أقنعهما المهرب بأن الأمر "ممكن ولا خطورة منه"، وأنه سيجلب لهما سلماً خشبياً عالياً، ومن ثم يقومان بالقفز من حافة الحائط إلى الأسفل. جلستُ في المقهى أنتظر النتيجة وأراقب مرور الوقت على هاتفي المحمول: كانت الساعة الثامنة والنصف مساء. بعدها بساعة عاد إلينا "رائد" و"خليل" والخيبة تكسو ملامحهما. ليس هذا فحسب، بل إن خليل كان يعرج بشدة.

جلس "خليل" بجواري على كرسي في المقهى ليخبرني بما حدث والألم يكسو وجهه: "السور عالٍ للغاية. حاولتُ التقليل من ألم القفزة إلى أقصى درجة ممكنة، ولكن دون جدى. وقعتُ في الداخل، مصدراً صوتاً عالياً بسقوطي، فجاءني رجال الأمن المغاربة سريعاً، مما فَوَّتَ الفرصة على رائد كي يقفز بعدي. لحظة! انظر أمامك. هل ترى هذا الرجل الذي مر أمامنا الآن، ويرتدي ملابس مدنية؟ لقد رأيتهُ في المقهى هنا عدة مرات، وقد وجدتهُ عند الإمساك بي في داخل المعبر. إنه شرطي! هم يراقبون هذا المقهى وغيره من المقاهي باستمرار. لقد باتوا يعرفوننا واحداً واحداً".

كان "خليل" محظوظاً بكون إصابته قد اقتصرت على شرخ بسيط في عظام رجله، إذ حاول فلسطينيان القفز من السور ذاته بعدها بأيام، ليكسر أحدهما ساقه كسراً مضاعفاً فيما كان الآخر أسوأ حظاً: كسرت كلتا ساقيه، واضطر لتركيب "بلاتين"، ومُنع من الحركة لشهرين على الأقل.

اتصلتُ بمهرب قالوا لي أن اسمهُ "إسماعيل". حددتُ موعداً معه، عقب تسجيل كل المكالمات التي بيننا. وجدتهُ في الزمان والمكان المحددين مع صديق له وكانا داخل سيارة من طراز "مرسيدس" يعود إصدارها إلى الثمانينيات من القرن الماضي.

طلب "إسماعيل" مني تسليم المبلغ بالكامل له، فرفضتُ بالطبع، مؤكداً على أنني سأعطي المبلغ بمجرد عبوري إلى مليلية فقط. فوجئتُ به يوقف سيارته فجأة، ليقول لي بعدوانية وعنف باللهجة المغربية: "سير. سير." (أي "اذهب. اذهب."). كان عليّ ساعتها البحث عن مهرب ثالث.

أعطاني أحد اللاجئين رقم مهرب اسمه "عمر". اتفقنا على اللقاء في مكان غير بعيد عن بوابة "بني أنصار". كان فظاً في تعامله وبذيئاً ومتغطرساً إلى أبعد حد، وطلب مني أن أدفع مبلغاً رأيتُ أنه بالغ فيه، فلما طلبتُ منه خفض المبلغ، قال لي: "انتوما معاكم بالزاف الفلوس" (باللهجة المغربية: أنتم تمتلكون الكثير من النقود). احتد في النقاش معي، وكاد أن يعتدي عليّ، مع إطلاقه شتائم قذرة، وكنتُ في خطرٍ داهم: هو ابن المنطقة، ولم يكن وحيداً وقتها، بل كان حوله على الأقل خمسة من رفاقه، فيما كنتُ وحيداً: كان بالإمكان ضربي بشدة، وقد تصل الأمور إلى طعني حتى الموت. فوجئتُ به يتوقف عن الكلام فجأة ليفر هو ومَن معه.

أثار الأمر استغرابي، الذي لم يطل كثيراً، إذ اقترب منا رجلٌ يرتدي الملابس المدنية ليقول لي بلهجة مغربية آمرة: "البطاقة ديالك" (أي أعطني بطاقة هويتك). الآن فهمت! كان شرطياً وكانوا يعرفونه. بمجرد اكتشاف الشرطي أنني لستُ مغربياً، تركني وانطلق في أثر المهرب "عمر" ومَن كانوا معه.

بات من الواضح من الحوادث المختلفة والمتتابعة بأن الأمن المغربي يحكم قبضته بشدّة على المنطقة، ويتخذ إجراءات تزداد شدتها يوماً بعد يوم ضد المهربين. بعد محاولات متعددة، نجحتُ أخيراً في الدخول إلى مليلية، لأجد بانتظاري جحيماً آخر هناك.

* كل الأسماء المذكورة في هذا التحقيق مستعارة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard