فخ الاستثمار الصيني… قروض للاستيلاء على أصول دول عربية

السبت 22 مايو 202111:02 ص

في العقد الأخير، باتت البلدان العربية متعطشة للاستثمار والمال، وخاصةً دول مثل مصر والعراق اللتين خرجتا من حرب على الإرهاب وخضّات داخلية، منهكتين، بالإضافة إلى دول نفطية شهدت عجزاً في ميزانياتها بعد هبوط أسعار النفط، كما حدث في عُمان والجزائر،

اتجهت هذه الدول إلى البحث عن الاستثمار الذي لم يعد متاحاً بسهولة، لأن كل دولة في العالم، في ظل الأزمات الحالية، تريد جذب المال إليها، وليس ضخه في بلد آخر، ناهيك عن أن أغلب الدول العربية لا تتوفر فيها البنية التحتية المناسبة، ولا حتى أنظمة ديمقراطية واستقرار سياسي.

ومع ذلك، هناك عميل، وهو الصين، مستعد للاستثمار في هذه البلدان، في شكل قروض، لكن لن يضخها غالباً كأموال سائلة في خزينة الدولة، بل يعرض تنفيذ مشاريع معيّنة، بشركاته وعماله، ثم يحسب التكلفة، كدين بفائدة تقترب من سعر السوق الخاص، ويكون الدين مرهوناً بضمانات وأصول تمتلكها الدولة كالحصول على النفط مثلاً مقابل تمويل المشروع وفوائده.

القروض الصينية

عام 2018، في منتدى التعاون بين الصين والدول العربية، أعلن الرئيس شي جينبينغ عن قروض بقيمة 20 مليار دولار، يمكن تقديمها إلى هذه الدول، وهو أحدث الإغراءات الصينية لبلدان العالم العربي التي اقترض كثير منها من بكين بالفعل في السنوات الماضية.

على سبيل المثال، جمعت الحكومة العمانية 3.55 مليار دولار عام 2017 من خلال قرض من مجموعة من المؤسسات المالية الصينية، لرفد الخزينة التي تضررت بشدة من انخفاض أسعار النفط.

وأوضح الكاتب والمحلل السياسي العماني زاهر المحروقي لرصيف22 أن القروض الصينية للسلطنة يظهر أن جزءاً منها سائل، والباقي مشروعات تقوم الشركات الصينية ببنائها.

وفي 23 أيلول/ سبتمبر 2019، وقّع رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي خلال زيارته إلى الصين، مترئساً وفداً كبيراً رفيع المستوى، ما يُعرف بـ"الاتفاقية العراقية-الصّينية" المثيرة للجدل.

وأكد مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الإعمار والاستثمار صباح عبد اللطيف مشتت، في 29 نيسان/ أبريل، أن "الاتفاقية الصينية لا تزال موجودة، لافتاً إلى أنها "تعتمد على مبدأ النفط مقابل الأعمار"، كما لفت المستشار التجاري في السفارة الصينية في العراق، تشو شون، في الخامس من أيار/ مايو، إلى أن "العراق يتواصل مع الصين حول كيفية تنفيذ الاتفاقية بأسرع وقت ممكن".

وقال الأكاديمي والباحث السياسي العراقي فراس إلياس لرصيف22 إن هذه المشاريع قروض تمولها الصين، بفائدة، كما هو الحال مع إيران، التي وقعت اتفاقية شراكة استراتيجية مماثلة مع بكين.

وبحسب مشتت، ستنفذ في إطار هذه الاتفاقية عدة مشاريع بينها "مشروع إعمار مدينة الصدر" الذي سيتضمن "بناء 92 ألف وحدة سكنية"، بكلفة "من سبعة إلى ثمانية مليارات دولار"، وبينها "مشروع الألف مدرسة"، ومطار الناصرية، وسيدفع العراق مقابل هذه المشاريع نفطاً بمعدّل 100 ألف برميل في اليوم.

وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، حصلت مصر على قرض سائل قيمته 2.9 مليارات دولار من الصين، لا تُعرف شروطه أو قيمة الفائدة عليه، كما وقعت القاهرة على قروض أخرى مع الصين بعد 2016، قيمتها أقل، منها قرض وقعته عام 2019 بأكثر من 600 مليون دولار، بفائدة 2% سنوياً، وعلى 20 عاماً.

وفي 2019، أعلنت وزارة الإسكان المصرية عن قرض صيني قيمته ثلاثة مليارات دولار لإنشاء منطقة الأعمال المركزية في العاصمة. وفي 2020، أفادت صحيفة "الشروق" المصرية بأن القرض يواجه عراقيل بسبب الشروط الصينية المسبقة والتي لم يُكشف عنها. وبحسب تقرير نشره موقع المونيتور، يطالب الجانب الصيني بالمزيد من الضمانات.

وفي الجزائر، أعلنت وسائل إعلام عام 2019 عن اتفاق جزائري صيني وُقّع عام 2016 لإنجاز ميناء الحمدانية في مدينة شرشال، على أن يتم تمويله في إطار قرض صيني بقيمة 3.3 مليارات دولار. وعام 2020، قرر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقية مع الصين، طالباً من الحكومة إجراء المزيد من المفاوضات مع بكين.

ويقول المحلل السياسي الجزائري مالك بلقاسم لرصيف22 إن هذا المشروع ستنفّذه الصين، على شكل قرض، ولا توجد قروض مالية سائلة حتى الآن.

هناك عميل، وهو الصين، مستعد للاستثمار في البلدان العربية، ولكن على شكل قروض لتنفيذ مشاريع معيّنة، بشركاته وعماله، ويكون الدين مرهوناً بضمانات وأصول تمتلكها الدولة كالحصول على النفط مثلاً مقابل تمويل المشروع وفوائده

ولم يكن هذا المشروع الأول، فقد ذكر تقرير نشرته مجلة الإيكونوميست البريطانية عام 2019 أن شركة هندسة البناء الحكومية الصينية قامت ببناء منتجع شيراتون من فئة الخمس نجوم في الجزائر وسجن جنوب شرق العاصمة الجزائرية، وعشرات الأعمال الأخرى بقيمة إجمالية تبلغ 16 مليار دولار.

ومن هذه المشروعات أيضاً، بناء الشركة الصينية مسجد الجزائر الكبير، في العاصمة، بتكلفة مالية قُدّرت بملياري دولار.

وبحسب تقرير الإيكونومست، فإن قروض مشاريع البنى التحتية المقدّمة من الصين إلى دول في الشرق الأوسط نمت بمقدار عشرة أضعاف تقريباً في الفترة من عام 2015 إلى عام 2016، لتصل إلى 3.5 مليارات دولار. وذهب أكثر من نصف هذه القروض إلى الإمارات، لتمويل مشاريع مثل توسعة مطارات دبي، أكثر مطارات العالم ازدحاماً.

وتم تكليف البنك الصناعي والتجاري الصيني بتوفير قرض كبير قيمته 1.5 مليارات دولار لتمويل بناء مشروع للطاقة الشمسية الحرارية في دبي، وهو أكبر محطة للطاقة الشمسية الحرارية في العالم.

لماذا اللجوء إلى الصين؟

في تقرير نشره موقع "آسيا تايمز" الذي يعمل من هونغ كونغ، عام 2020، كتب الصحافي كريستيان لوميير أن دول الشرق الأوسط التي تفكر في طرق التعافي من جائحة كورونا، أو مجرد الاحتفاظ بخطوط الائتمان والتمويل بعد سنوات من النمو الضعيف أو الاقتراض المفرط، قد يبدو الدين الصيني خياراً جذاباً لها.

ولفت إلى أن الدين الصيني يأتي بدون شروط، وبضغوط قليلة حول إصلاحات الحوكمة. وتاريخياً، كانت بكين مستعدة لإعادة التفاوض بشأن الديون لمنع التخلف عن السداد، وربما بفائدة قليلة إذا لزم الأمر من أجل بناء النفوذ السياسي.

وفي ذات السياق، قال تقرير "الإيكونومست" إن "جزءاً مما يجعل الصين شريكاً جذاباً هو أن أموالها تأتي مع قيود قليلة. وسياستها قائمة على ‘عدم التدخل’ السياسي، وهو ما يسمح لها ببناء علاقات مع أعداء لدودين (السعودية وإيران وإسرائيل وسوريا) وتجعلها وسيلة تحوط مفيدة من أمريكا التي يخشى المستبدون العرب أن تتخلى عنهم".

"جزء مما يجعل الصين شريكاً جذاباً هو أن أموالها تأتي مع قيود قليلة. وسياستها قائمة على ‘عدم التدخل’ السياسي، وهو ما يسمح لها ببناء علاقات مع أعداء لدودين"

وأضاف التقرير: "المسؤولون العرب الذين تجاهلوا الصين ذات يوم يتحدثون عنها كقوة إقليمية صاعدة وكنوع أكثر ليونة من أمريكا أو روسيا".

وبحسب مالك بلقاسم، الجزائر لديها تجربة كبيرة مع الجانب الصيني في عدة مشاريع، تضمن بكين فيها السرعة في الإنجاز والمهنية، بعكس الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا التي تسعى فقط لضمان مصالحها على حساب الجانب الجزائري.

عام 2016، لجأت مصر إلى استدانة 2.9 مليارات دولار من الصين لأن صندوق النقد الدولي اشترط على القاهرة توفير هذا المبلغ في ميزانيتها، للحصول على الشريحة الأولى، بقيمة 2.5 مليارات دولار، من قرض قيمته 12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات.

مخاطر الاستدانة

في دراسة أجراها ثلاثة باحثين في مؤسسة "هارفارد بزنس ريفيو"، عام 2020، أظهرت البيانات التي جمعوها أن جميع قروض الصين تقريباً تعقدها الحكومة وكيانات مملوكة من الدولة. ويظهر أن الصين تميل إلى الإقراض بشروط السوق، أي بأسعار فائدة قريبة من تلك الموجودة في أسواق رأس المال الخاص. في المقابل، عادة ما تقرض الكيانات الرسمية الأخرى، مثل البنك الدولي، بأسعار فائدة ميسّرة وأقل من السوق وبآجال استحقاق أطول، وتشترط خطط إصلاح اقتصادي.

وقالت الدراسة: "ربما الأهم من ذلك، أن 50% من قروض الصين للبلدان النامية لا يتم الإبلاغ عنها، ما يعني أن أرصدة الديون هذه لا تظهر في مصادر بيانات ‘المعيار الذهبي’ التي يقدّمها البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو وكالات التصنيف الائتماني".

وأشار لوميير، في تقريره المذكور، إلى أن الصين تقوم بمفاوضات مع الدول، حينما تتعثر في السداد، وتصادر أيضاً الأصول، كما في حالة مطار "هامبانتوتا" في سريلانكا.

وأضاف: "بالنسبة إلى البلدان التي تمر بأزمة، قد يكون الإغراء بالحقن الفوري لتمويل مشاريع البنية التحتية خياراً جذاباً، لكن العلاج قد يكون قصير الأجل. في الواقع، فإن دولة ممزقة سياسياً مثل لبنان، التي يغمرها اللاجئون وتتشارك الحدود مع دولة فاشلة هي سوريا وتتأرجح في أزمة اقتصادية ومالية، توفر فرصاً هائلة لدولة مثل الصين لإعادة تشكيل البلاد بطرق قد لا يعترف بها مواطنوها أو يريدونها".

وتابع: "الصين، على سبيل المثال، تمتلك الآن أكثر من 70% من ديون جيبوتي... ثم اختارت الصين جيبوتي كموقع لقاعدتها العسكرية الوحيدة في الخارج، على الرغم من اعتراضات واشنطن".

وأضاف: "غالباً ما يتم ضمان القروض الصينية مقابل مشاريع البنية التحتية، وعندما يحدث تخلّف عن سداد القروض، تكون هذه المشاريع عرضة لخطر الخصخصة".

ويشير لوميير إلى أنه "توجد أمثلة كثيرة في إفريقيا وجنوب آسيا يمكن أن تكون بمثابة دروس مفيدة. ففي سريلانكا، سيطرت بكين بشكل سيئ على ميناء هامبانتوتا عام 2017 بموجب عقد إيجار مدته 99 عاماً، ما أدى في الواقع إلى خصخصة الاستثمار الذي أُخذ القرض من أجله".

وفي زامبيا، التي تدين بنسبة 30% من ديونها للصين، ورد أن بكين سعت للسيطرة على أصول التعدين في الدولة الغنية بالنحاس، أثناء إعادة التفاوض على الديون، بينما انتشرت تقارير حول مفاوضات مماثلة تتعلق بملكية أجزاء من مطار البلاد الرئيسي.

وجرت مفاوضات مماثلة بشأن مطار أوغندا الرئيسي وميناء مومباسا الكيني المربح، والذي يُنظَر إليه على أنه وسيلة للصين لضمان عائد استثمارها في السكك الحديدية الكينية.

وعام 2019، استحوذت شركة State Grid Corporation الصينية على حصة 49% في الشركة العمانية لنقل الكهرباء، في أول عملية خصخصة كبرى من قبل أكبر منتج للنفط في الشرق الأوسط من خارج أوبك، وذلك بعدما حصلت على قرض بثلاثة مليار دولار عام 2017.

وذكرت "الإيكونومست" أن الأعمال التي تنفّذها وتمولها الصين لا توفر فرص عمل في البلدان المقترضة، مشيرة إلى أن المشاريع التي نُفّذت في الجزائر بـ16 مليار دولار، قام حوالي 40 ألف عامل صيني بمعظم العمل فيها.

لذلك كثيراً ما تكون المشاريع مع الصين مثيرة للجدل. ففي العراق، أثار كتاب وخبراء اقتصاديون جدلاً واسعاً حول أن اتفاقية الشراكة هي في حقيقتها مشاريع تمولها الصين، تصل قيمتها إلى 500 مليار دولار، وتُنفّذ على عشر سنوات، وفائدة قروضها تصل إلى 6%. وحذّر البعض من أن ذلك قد يؤدي إلى استحواذ الصين على النفط العراقي.

الفائدة السياسية

يرى الأكاديمي العراقي فراس إلياس أن القروض الصينية تأتي كجزء من سياسة القضم الناعم الذي تمارسه الصين في منطقة الشرق الأوسط. وبرأيه، الموضوع أكبر من أن يتم حصره بقروض اقتصادية، فهو يأتي كتوجّه استراتيجي صيني لمزاحمة الولايات المتحدة.

ويضيف: "الأمر لا يتعلق بخسارة الولايات المتحدة لفرص إعادة الإعمار في المدن التي حررتها من سيطرة داعش، أو خسارة فرص في لبنان، وإنما بحالة تخادم سياسي بين الصين وبين إيران النافذة في هذه الدول، والتي تدعم الجهود الصينية في الحصول على المشاريع وعقود الإعمار نكاية بالولايات المتحدة".

وأشار إلياس إلى أن التردد الأمريكي في أزمات المنطقة جعل بكين تتحفز لممارسة أدوار غير تقليدية، عبر جعل سياسة القروض مدخلاً لشراكات استراتيجية مستقبلية تطمح لتوقيعها مع دول المنطقة في المستقبل.

من جانبه، قال كبير المستشارين في مركز تحليلات الخليج تيد كاراسيك إن القروض الصينية عبارة عن فخ تستولي بكين من خلاله على الأصول بسبب عدم السداد، وحدث هذا في آسيا الوسطى وبعض الدول الإفريقية، لكن الآن تختلف المشكلات بسبب كورونا، فبدأت الدول العربية تتوجه إلى الشرق بشكل متزايد لاستثماراته الخاصة في البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة، لذا هناك اهتمام عربي متزايد بالصين وببراعتها الاقتصادية المتنامية.

وعليه، يضيف الباحث الأمريكي في الشأن الخليجي لرصيف22، فإن هذه العوامل تدفع الولايات المتحدة إلى النظر إلى الدول العربية من منظور مستوى التفاعل وما قد تقوم به من أمور تعتبرها غير مشروعة، مرجحاً أن يكون هنالك إجراء أمريكي قيد التطوير هدفه "فحص" النشاط العربي-الصيني، وأن تكون الدول العربية في وضع يمكنها من اختيار الاتجاه الذي تريد أن تسلكه: إما الصين أو الولايات المتحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard