قوس القزح.. العبور من النار والماء في تراث المشرق العربي

الثلاثاء 11 مايو 202112:39 م

 سمعت في طفولتي حكاية شعبية تتحدث عن فرح الأطفال بظهور قوس القزح بعد هطول المطر، وسعيهم في البساتين للمرور من تحته، لأن الفائز بهذا الامتياز يتحول إلى أنثى إن كان ذكراً والعكس.

كان الفشل نتيجة بحثي عن مصدر هذه الحكاية، إلا أن قصة شعبية في بلغاريا اقتربت من معنى ما سمعت: فالرجل الذي يمر تحت قوس القزح يبدأ بالتفكير كالمرأة، والمرأة التي تمر تحت قوس القزح تبدأ بالتفكير كالرجال.

وإذا كان المغزى الظاهر من القصة الأولى هو الحديث عن عفوية الأطفال واندفاعهم العفوي إلى الآخر، فالمغزى من القصة الشعبية في بلغاريا أكثر تحديداً، حيث سحبت منه عفوية الأطفال للمرور تحت قوس القزح لمصلحة التحول في آلية التفكير وتبعاً المشاعر. فما هي قصة قوس القزح في تراث المشرق العربي القديم؟

أول ذكر لكلمة قوس قزح

تركبت كلمة قوس قزح في الصياغة المسمارية السومرية من ثلاثة مقاطع صوتية قدمها نائل حنون في كتابه "دراسات في علم الآثار واللغات القديمة" الجزء الثاني (تِر. أن. نا) وتعني حرفياً تِر= غابة، أن= سماء، نا= دخان، أي دخان غابة السماء. هو خيال جميل يحمل منطق فهمه القديم: فالآلهة التي تحيا في السماء تحرق من خشب غابتها بعد هطول المطر لتتشكل من دخان هذه النار ألوان قوس القزح.

أما النار (في المسمارية السومرية إزِ) فيسمى البخور في المقطعية المسمارية (نا. إزِ) أي نار السماء.

تجري اللغة الأكادية على مسير الصياغة السومرية فهي تجمع بين كلمتين في استخدام واحد: البخور والقطران (قُتريّن) باعتبارهما من نتائج النار والاحتراق بما يشبه الملاحظة العلمية البدائية، والنار كما يقدمها علي فهمي خشيم في كتابه "الأكدية العربية" إشاتُ، في العربية من شاطت النار أي اشتعلت والتهبت.

تركبت كلمة قوس قزح في الصياغة المسمارية السومرية من ثلاثة مقاطع صوتية  (تِر. أن. نا) وتعني حرفياً دخان غابة السماء. هو خيال جميل يحمل منطق فهمه القديم: فالآلهة التي تحيا في السماء تحرق من خشب غابتها بعد هطول المطر لتتشكل من دخان هذه النار ألوان قوس القزح

والغريب في الأكدية أن كلمة "نار" كما يقدمها نائل حنون في كتابه تعني في الأكدية أيضاً جدول ومسيل الماء! وتعني أيضاً موسيقي! ولمشتقاتها التي تجمع حروف "نار" في الأكدية "نُرُ" هو الضياء و"نَنَّرُ" في الأكدية نور، و"نَنَّرْ" في السومرية الضوء الجديد.

إذن النار كعنصر/ كلمة، اشتقت منه الملاحظة والعلة، غير مذكور في قوس القزح المسمارية. إن هذه الطريقة في التفكير كانت هو المنطق العلمي السليم في تلك الأزمان التي تخلط بشدة بين الذات والموضوع. فالسحر الغامض في الألوان المتجسدة في السماء افتُرِضَ أنه دخان من نار في غابة سماوية! وليست تنويعات كلمة نار إلا تتمةً لذات الدلالة من بخور وضياء ونور، وليس بغريبٍ أبداً حتى اقتران الموسيقي ومجرى مسيل الماء بذات أحرف كلمة نار والنار.

تفسير علم النفس للرموز

يقدم علم النفس تفسيراته للرموز بما تعبره عن دواخل المتحدثين والحالمين فيها. إريك فروم في كتابه "اللغة المنسية دراسة ممهدة لفهم الاحلام والحكايات العجيبة والأساطير" يميز بين ثلاثة أنواع من الرموز. يسمى أحد الأنواع بـالرمز الشامل The universal symbol فهو يشمل معظم الثقافات التي نعرفها، والنار أحد هذه الرموز، فهي رمز أبوي ذكوري بإيجابياته: القوة والطاقة والرشاقة، وبسلبيته: في التدمير والاختناق بدخانها.

النار تظل نفسها من غير أن تكون نفسها، حيث تحتوي الثبات والتغير في نفس الوقت، ويقاربها فروم بهذا الفهم بجدول الماء، من حيث خاصية التغير والثبات مما يعطي خاصية الحيوية والطاقة، ولكن عنصر الماء في الجدول يرمز إلى حيوية الأثقل والأبطأ والأكثر ارتياحاً بينما النار حيوية السرعة الهائجة والمفاجأة. وبالتالي الدخان الناتج من النار يرمز إلى الاختناق والتهديد بالموت وبالتالي نحن أمام نزعة تدميرية.

"ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ/ وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر"

إن اللغة الرمزية الكامنة في" دخان غابة السماء" نزعت الجانب السلبي من دخان النار السماوية (المتجسّد في الاختناق) وأعطته بعداً إيجابياً في تشكل ألوان قوس القزح، وخاصة أن هذه النار تشتعل بعد هطول المطر ولا تظهر إلا كنتيجة له. هكذا يعقب الرمز الأبوي (النار) الرمز الأمومي (المطر) ويكون مظهراً له.

لرمز الغابة أيضاً بُعده في قصة الكلمة. فالغابة بحسب بيير داكو في كتابه "تفسير الأحلام" رحلة في حياتنا اللاشعورية بمواردها وظلماتها ومخاطرها وفرجاتها. الغابة في الأحلام مسكونة بالحيوانات الصديقة والمعادية والسحرية أيضاً، والعمالقة في أحلام الأطفال بالتحديد. إننا نبحث في الغابة عن أنفسنا، وإننا لنتجه صوب مكانٍ سري يوجد فيه الكنز. ليس بوسع من يدخل الغابة إلا ان نتمنى له مياهاً صافية وفرجات مضيئة، لأن هذه الرحلة تعتبر سفراً داخليّاً وضرباً من العبور.

هل كانت الرحلة الداخلية لمبدع تركيب "دخان غابة السماء" نوع من اللاوعي الجماعي للعبور تجاه كنز ألوان قوس القزح! وما هو هذا الكنز؟

لا يفترض أن يكون انسجام الكلمات (دخان وغابة وسماء) قد حاز على رضا مؤلفها فقط! بل قبول وموافقة المجتمع اللاواعية لها، لأن اللغة هي أكثر الاتفاقات الجماعية اللاواعية قدماً. هل نحن أمام كنز جماعي في اللاوعي؟  

قوس القزح والطوفان

وردت قصة الطوفان في الكتابات المسمارية والسماوية كحدث يعاقب فيه الإنسان لخروجه عن نواميس الآلهة أو الله وبواسطة الماء الذي هو أيضاً من الرموز الكلية الشاملة، ويعتبر رمزاً أمومياً وأنثوياً، وبينما تخلو الإشارة في قصص الطوفان المسمارية إلى أي قوس قزح، تضع الرواية التوراتية قوس القزح بمثابة عهد بين الله وبطل قصة الطوفان التوراتية نوح، الذي يخبره الله في سفر التكوين الإصحاح التاسع:

"وقال الله هذه هي علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم، وضعت قوسي في السماء فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض وتظهر القوس في السماء، إني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد، فلا تكون المياه طوفاناً لتهلك كل ذي جسد، فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً بين الله وبين كل نفسٍ حية في كل جسد على الأرض".

وردت قصة الطوفان في الكتابات المسمارية والسماوية كحدث يُعاقب فيه الإنسان لخروجه عن نواميس الآلهة وبواسطة الماء الذي هو من الرموز الكلية الشاملة، ويعتبر رمزاً أمومياً وأنثوياً، وبينما تخلو الإشارة في قصص الطوفان المسمارية إلى أي قوس قزح، تضع الرواية التوراتية قوس القزح بمثابة عهد بين الله ونوح

يقابل هذا الفهم التوراتي لحدث الطوفان (الذي يظهر فيه الله كمن بحاجة لئلا ينسى الذي فعله في الطوفان) في النصوص المسمارية يظهر الندم صريحاً عند الآلهة والغضب على الإله الذي قرر قيام الطوفان. يظهر الغضب بأشده عند عشتار (إلهة الحب) أو عند (ننخرساك) ويعني اسمها في السومرية "سيدة الجبل العظيم"، وهي خالقة البشر والربة الأم وزوجة الإله إنكي (في السومرية تعني سيد الأرض وهو الذي سرب كارثة الطوفان إلى الإنسان) فهو غضب أمومي له ما يبرره.

يقترح إنكي على الإله الذي أرسل الطوفان عقوبات أخف عوضاً عن هذا الموت المدمر، مثلاً الموت من الأوبئة أو الحيوانات المتوحشة (فلا تزر وازرة وزر أخرى) وأن يترك بينه وبين الناس شعرة فلا يقطعها، وهو فهم تبتعد عنه التوراة ولا تقترب منه أبداً.

كان العقاب على الإنسان باستخدام الماء الرمز الأمومي والمؤنث في الروايتين الوضعية المسمارية والسماوية التوراتية. وقابل الغضب الأمومي على الطوفان الذي أفنى الإنسان، وبالتالي منح الخلود لبطله في الرواية المسمارية، قوس القزح في الرواية التوراتية، كعهد من الله ألا يكرر ما فعله، كأنه إشارة خفيه على ندمه، وهي إشارة ليست بغريبة عن الفهم التوراتي لمفهوم الله الذي قد يُخطئ أحياناً. إنه فهم متوقع لما يرمز إليه إله اليهودية من أب مستبد وذكر غيور وإله للجند.

الفهم القرآني للطوفان وقصة التنور

استخدم الله الماء كعقاب على قوم نوح الذي أرسله الله منبهاً لخروجهم عن نواميسه، فكان الطوفان كما تصفه سورة القمر: "ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ* وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر" والمذكور ليس بغريب عن طبيعة حدوث الطوفان بمطر هاطل وينابيع تفرغ ما عندها. المثير للاهتمام هو العلامة التي أنذرت نوح ببداية الطوفان (فوران التنور) حيث ورد ذكر هذه العلامة في موضعين سورة هود:

"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين"، والمؤمنون: "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين"، واختلفت أقوال المفسرين واللغوين في المراد والمعنى من فار التنور، إلا أنهم اتفقوا على أنه اسم أعجمي لأن أصل بنائه "تنر" وليس في كلام العرب نون قبل الراء.

والأصح أن الكلمة "تنور" أكدية البناء بحسب كتاب "دراسات في علم الآثار واللغات القديمة" لنائل حنون، واستخدمت في الآرامية القديمة بحسب كتاب معجم "المفردات الآرامية القديمة" لسليمان بن عبد الرحمن الذييب، وليست الآرامية وقبلها الأكدية إلا أصل اللغة العربية القديم.

قدم المفسرون العديد من المعاني المتناقضة لكلمة "تنور"، فمنهم من قال إنه وجه الأرض أو موضع اجتماع الماء في السفينة، ومنهم من اعتبرها اسماً لمكان قريب من الكوفة، أو أنه أعالي الأرض، أو عين ماء كانت في الجزيرة السورية. الطبري في "جامع البيان" كان أكثر منطقية عندما اعتبر التنور الموضع الذي يخبز فيه وأنه معروف من كلام العرب، وأن كلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب والأشهر من معانيه عند العرب.

وتفسير ابن كثير أكثر تحديداً أن الماء فار من التنور الذي يخبز فيه فكانت علامة لمقدمة الحدث. إن تخصيص فوران التنور (وهو موضع النار) علامةً لنوح، دلالة أدبية ونفسية على انطفاء الحياة وقدوم الموت، في زمن وحضارة كانت سيدة العالم في اكتشاف زراعة القمح وخبزه كجزء من القوت اليومي. وقد يحمل أبعاداً أعمق مما نتصور، فهل تغلب في فوران التنور ماء الأم على نار الأب؟ وكان تغلبه دلالة على إفناء الحياة؟

قوس القزح عند العرب والنار

يخبرنا ياقوت الحموي في "معجم البلدان، الجزء الرابع"، أن قزح كان اسم جبل قرب المزدلفة في الحجاز، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا قوس قزح فإن قزح اسم للشيطان، ولكن قولوا قوس الله. ويخبرنا ياقوت أيضاً أن قريش كانت توقد النار في المزدلفة. لذلك اعتقد المؤرخون أنها كانت نيران الإله قزح المقدسة. أما فيروز أبادي في "القاموس، الجزء الأول" فيقول إن قزح كان اسم ملاك موكل بالسحاب. ويبدو أنه فقد آخر العصر الجاهلي ميزاته التي بقي منها طقس إشعال النار على جبل المزدلفة.

نيران العرب في شبه الجزيرة العربية كثيرة، يهمنا منها "نار الاستسقاء". ذكرها محمود سليم الحوت في كتابه "الميثولوجيا عند العرب" حيث كانوا يشعلون مواد نباتية سريع الاحتراق، ويعلقونها بأذناب البقر بعد أن يصعدوا بها إلى جبل وعر. فهذا العمل في زعمهم سببٌ لنزول الغيث. وطبعاً يترافق الحدث مع ضجيج من الأدعية والتضرع. 

يخبرنا ياقوت الحموي أن قزح كان اسم جبل قرب المزدلفة في الحجاز، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا قوس قزح فإن قزح اسم للشيطان، ولكن قولوا قوس الله. أما فيروز أبادي فيقول إن قزح كان اسم ملاك موكل بالسحاب

بين دخان غابة السماء السومرية التي اصطلح أنها قوس القزح في المشرق العربي وقزح إله السحاب في شبه الجزيرة العربية الذي كانت ناره على جبل فيها، وطقس الاستسقاء المتعلق بالنار، إشارة إلى طقوس وفهم ميثولوجي ولغوي ربط الماء بالنار وليس كأضداد، فكلاهما علة لنتيجة ومنطلق لمستقر وتوازن. ليس غريباً أن المدراس الفلسفية اللاحقة في منطقة المشرق العربي ومحيطها (اليونان والفرس) قام جزء من فهمهم للكون على طبيعة العناصر الطبيعة التي منها (النار والماء والتراب والسماء/ الهواء).

الغريب هو التشابه والاقتراب في أحرف كلمة التنّور وتر. أن. نا (دخان غابة السماء) وليس اعتبار اللغوين العرب أن الكلمة التنّور من تنر إلا مدخلاً غريباً لتشابه الكلمتين والعلاقة الزمنية المتأخرة في جزيرة العرب لقزح، إله السحاب، وعلاقته بالنار وطلب المطر.

كما أن بقية الكلمات القريبة من ذات الأحرف: ننرْ السومرية (الضياء الجديد) ننرُ الأكدية نور، ونار الأكدية جدول ماء وموسيقي. تبدو كلمة التنّور بأحرفها وقد اختزل فيها تاريخ المفردات ومعانيها. بقي أن نعلم أن التنور في السومرية "نِنِندو"، فما هو السر في التاء والنون المضاعفة والواو والراء لتقدم لنا تراكيبها تفاعلات النار والماء وامتدادهما في الطبيعة؟ سؤال تصعب الإجابة عليه ويحتاج لجهد على السابق من ظهور الكتابة ويبدأ من فهم اللغة وصوتياتها وعلاقتها مع البيئة التي يحيا فيها مبتكروها.

رمز قوس القزح في علم النفس

يعتبر بيير داكو في كتابه "تفسير الأحلام" أن قوس القزح ذو ظهور نادر في الأحلام، وهو نوع من الرابطة والاتحاد والعلاقة، باعتباره جسراً ممدوداً إلى السماء (جسراً منح الخلود لبطل الطوفان المسماري فصار من الآلهة). ويعتبر من رمزيات العبور أثناء التحولات الداخلية النفسية الهامة. كما أنه يتصف برمزية التحالف والعلاقات الجديدة التي يقيمها الإنسان مع ذاته، فتأليه بطل الطوفان وزوجته وقد أصبحا خالدين هي علاقة الإنسان الحقيقية مع ذاته التي انتصرت على الموت في لحظة فناء.

تبدو عبرة الطوفان المسمارية، ومنذ موقف بطل الطوفان الذي أصغى إلى كلمات سيد الأرض الإله إنكي، عندما نقل سر الدمار القادم والآلهة الغاضبة على الإله المقرر للفناء، ومنحها الخلود لبطل الطوفان وزوجته معه نوعاً من أنسنة الإله وتأليه الإنسان في ذاته، وهي نزعة عملت عليها حكم الأقدمين، بينما كل عبرة قوس القزح الطوفان في التوراة تجسدت بعهد يقطع بين يهوا ونوح على عدم تكرار الحدث. 

أما العبرة في القرآن فهي أكثر واقعية ومنطقية، سورة هود: "قيل يا نوح اهبط بسلام وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم"، أي لا عهد بعدم تكرار العذاب لأن أمماً ممن كانت معه في الفلك ولكن لم تؤمن بنواميس الله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard