مفارقة "تلخيص" أصل الإنسان... من الثور إلى الإنسان مروراً بالحمار والقرد

الثلاثاء 4 مايو 202110:04 ص

نقرأ في كتاب "داروين في الفكر العربي: 1860 – 1950" لمروة الشاكري، عن بداية دخول تشارلز داروين شخصاً ونصّاً إلى العالم العربي واللغة العربية، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

فصاحب "أصل الأنواع" أو "أصل الخلائق"، 1850، ظهر بدايةً ضمن المجلات العلمية الشعبية، تلك التي تقدم "المختصرات-digests"، لتعريف العامة على العلوم الغربية وآخر الاكتشاف والنظريات التي وصل لها العلم، كحالة مجلة "المقتطف" التي عرّفت بـ"العالم" الشهير داروين، وقادت الجدل الثقافي حول الخلق وأصل الإنسان وكيفية تعريب المصطلحات العلمية، وذلك ضمن جهود التنوير ونشر ثقافة العلم في المنطقة العربية.

تلخيص ما لا يُلخّص

التلخيص السابق للكتاب لا يفيه حقه، لكن لا بد منه من أجل قارئ لا يعرف الكتاب، أو يريد التعرف على السياق. هذا التمرين البلاغي، التلخيص والاختصار والاختزال من أجل نقل المعرفة، يدّعي الحياد، لكنه يهمل الحيثيات على حساب الكليات، أو تلك المكونات الجوهرية للنص التي يجب أن يحويها التلخيص ليكون أميناً للأصل، فهناك عناصر لغوية تحمل المعاني والمفاهيم، إن نقصت واحدة منها لم نعد أمام تلخيص أو اختزال، بل تلاعب وتحذلق وتحايل.

لا أدّعي الخبرة في "فن التلخيص" لكن كشخص قام به منذ فقرتين، اخترت من العناصر ما يخدم ما أريد نقاشه، فجعلت الكتاب إطاراً لما أشير إليه: "سياق تاريخي، عاَلِمٌ غربي، قرّاء عرب، جدل ثقافي"، والأهم أني لست ملخِّصاً أميناً، بل قصاصاً ربما، أو ناقل كلام مختزل لخدمة ما أقول.

فالتلخيص الذي قدمته قابل للجرح والتعديل ولا قياس فيه سوى هواي، فهذا الفنّ البلاغي الاختصار والاختزال، تمرين أكاديمي ومبحث بلاغي، هدفه نقل المعرفة وحفظها، ونراه في الثقافة العربية بوضوح دون التعمق في معانيه، إذ نتلمسه في عناوين الكتب، مختصر كذا، أو الجواهر المنتقاة من كذا، وما "سأنتقيه" من الكتاب الذي لخصته سابقاً، لا علاقة له بـ"تلخيصات" كتاب أصل الأنواع لتشارلز دارون التي ظهرت في "المقتطف"، بل (التلخيصات) الساخرة لفرضية الكتاب الأشهر: سلسلة التطور.

ظهر اسم دارون للمرة الأولى في مجلة المقتطف عام 1876، بعد سنوات من صدور "أصل الأنواع"، وتتالت الردود على طروحاته من قبل القرّاء العاديين والشخصيات الثقافية في تلك الفترة، وفي أغلبها تظهر "ملخصات" المعترضين والساخرين بشكل مدهش، خصوصاً الجمل التي تختزل سلسلة التطور

ظهر اسم دارون للمرة الأولى في مجلة "المقتطف" عام 1876، بعد سنوات من صدور "أصل الأنواع"، وتتالت الردود على طروحاته من قبل القرّاء العاديين والشخصيات الثقافية في تلك الفترة، وفي أغلبها تظهر "ملخصات" المعترضين والساخرين بشكل مدهش، خصوصاً الجمل التي تختزل سلسلة التطور، والتي تعاكس شكلاً ومضموناً جهود مترجم الكتاب الأول، إسماعيل مظهر، عام 1918.

وجد مظهر في أصل الأنواع لا فقط كتاباً علمياً للمختصين، بل منهجاً فكرياً كاملاً يحفز القراء على التفكير وتبني العلم وأساليبه المنطقية، بل مظهر أرفق مع الطبعة الثانية من الكتاب، الأوسع والتي تشمل فصولاً أكثر، مقدمةً أشبه بمبحث في فلسفة الترجمة. والجدير بالذكر أن بعض الانتقادات التي ردت على أفكار دارون، لم تكن نتاج قراءة الكتاب الأصلي، بل نتاج الاطلاع ما نشرته مجلة المقتطف من "ملخصات".

نحن إذن أمام ثلاثة أشكال من جهد التدوين: الترجمة كنقل لكل الكتاب من لغة إلى أخرى، التلخيص كانتقاء لأبرز ما فيه من عناصر جوهرية والاقتباس المُختزل، أي تلخيص الكلّ وحيثياته في جمل بسيطة، تحافظ على الجوهر وتثبت العلاقات بوصفها سببية بحتة.

ضرورة الوجه

تلخيصات المنتقدين مثيرة للاهتمام، ليس فقط بسبب قدرتها على الاختزال أو الخزل "الإضمار والطيّ حسب التعريفات للجرجاني"، بل أيضاً في "النظام" الذي حاكته ساخرة من فرضية تطور البشر، أي ابتدع ترتيباً للانتقال السببي والأفقي من حال إلى حال، لا عبر التناحر "الصراع حد الموت"، بل عبر قفزات بين الأنواع، التي لا تحوي بالضرورة أعداء، بل ربما صفات أو كائنات تتفرع لتجتمع بعدها في عنصر، لنرى أنفسنا أمام ما يشبه قوائم بورخيسية لكائنات لا علاقة بينها إلا في النص.
 ألفاظ ذات معان تفترض منطقاً زائفاً يجمعها، تختفي ضمن العلاقات الأخرى المختلفة عن السببية، لتظهر مستقرة في اللفظ فقط، حين الانتقال من "عنصر/ كائن" إلى آخر.

 ركزت الانتقادات على داروين على أنه لا يمكن انتقال/التطور/الاصطفاء من "بهيمة" إلى "إنسان"، لأن هذه النقلة مستحيلة فالمنتقدون  يرون في اللغة جوهراً ربانياً، هو هدية "الخالق" للـ"مخلوق"

ركزت الانتقادات بشكل عام على أنه لا يمكن انتقال/التطور/الاصطفاء من "بهيمة" إلى "إنسان"، ولن نذكر هنا الإحالات إلى الخلق وتاريخه، لكن هذه النقلة مستحيلة من قبل المنتقدين لأنهم يرون في اللغة جوهراً ربانياً، هو هدية "الخالق" للـ"مخلوق".

فالبهيمة، تُشتق من بَهَمَ، أي من لا لغة له أو من يتحدث بما هو غير مفهوم، فدون القدرة على التواصل لا تستوي الأنواع، ولا تتشابه الطبائع جوهراً حتى وإن اختلفت شكلاً، خصوصاً أن الحيوانات الناطقة كائنات متخيلة، وإن بإعجاز ما ظهرت، فليس إلا لإفساد الأرض وتخمير الحق بالوهم.

نقرأ في بداية النقاشات حول نظرية داروين تساؤلات عن الاكتشافات الأحفورية وإمكانية وجودها في تاريخ يسبق "الخلق"، وذكرت المقتطف لاحقاً الرأي التالي: "قائل إن نوعاً من القرود المنقرضة، انتصبت قامته، بدت بشرته، اتسع دماغه وتقوّت قواه العقلية والأدبية إلى أن صار إنساناً"، ترجمت الشاكري بدت بشرته بـ"ظهر له وجه".

لنتأمل كيف لُخّصت نظرية دارون وما هي العناصر الموجودة في الفرضية السابقة: قرد وقف ثم تلاشى شعره واتسع دماغه، حقيقة ومجازاً، ثم تأنسن. في الجملة السابقة مخلوق مشكوك بأمره، وليتأنسن كان عليه أن "يقف" ثم "يظهر وجهه". لكن، لم الوجه؟ أو ظهور الوجه؟ لم تفترض هذه الفرضية الساخرة ضرورة تلاشي الشعر، ربما لأن كل ما له "فرو وشعر" يصنف مع البهائم، يضحى به ويمتطى، فلابد من جلد أملط إذن كي يصل كائن ما إلى مرتبة الإنسان.

ربما الوجه ضروري لعلاقته بيوم الحساب، حيث الوجوه إلى ربها ناظرة، أي لا تقف محدقة بأسلافها من البهائم، بل في ذاك الذي نفخ فيها الروح، فالأوجه تختلف وتتمايز، أما البهائم فتميل نحو التطابق، أو على الأقل، إدراكنا لها كذلك. الوجه أيضاً علامة الضياع أو الوجود في المكان، فمن هام على وجهه ضاع دون أن يجد طريقه، لكنه اختار ذلك، بعكس من لا وجه له، إذ لا مَلكة له تدلّه سوى غريزته، والحدس لديه مرتبط بنجاته فقط، لا بالاكتشاف والمعرفة.

في البدء كان الثور

احتفت "المقتطف"  بدارون بعد وفاته. تبنت مقاربته العلمية، ولم تخض في الشؤون الدينية والتأويل، خصوصاً أن الصراع بين الخلق والتطور حينها كان في أوجه، هنا يظهر أمامنا شكل آخر من التلخيص، إذ نقرأ أن بعض الأشخاص اتهموا نظرية دارون بأنها تقول التالي: "كان الإنسان في البداية ثوراً، ثم حماراً، ثم حصاناً، ثم قرداً"، قبل أن يصبح إنساناً.

المدهش في هذا التلخيص أنه يرى في "التطور" انتقالاً من الدواب التي تمشي على أربعة، ثم إلى كائنات تمشي على اثنتين، إن وضعنا الإنسان والقرد في ذات المكانة، لكن البداية إشكالية، ثور؟! "ألفا" أو "ألف" بالفينيقية واليونانية، بوصفه أصل العمل، وأن تمتلك ثوراً فهي بداية الاستقرار.

الأهم، الثور للطحن والفلاحة، عبد بصورة ما، لا يمكن أن يبدأ منه البشر، أما الحمير والأحصنة فربما لأنها تُمتَطى، وتختلف في أطباعها وطاعتها، أما القرد فمرتبط بالهزل والخداع، لكن الإشكالي أن هذه "البهائم"، حتى بالنظر، لا صلة قربى بينها، ولا تشابه في الأشكال، والتأول هنا يمكن أن يقودنا إلى معالم تطور حضاري، من الزراعة (الثور) ثم الانتقال والغزو (الحمار والحصان) ثم الاستقرار والهزل (القرد)، ليأتي الإنسان هنا أشبه بنكتة يستحيل أن تكون نتاج كل المقدمات السابقة و"التطورات" العابرة للأنواع.

الأصل هو الكثرة

الأب لويس شيخو، اليسوعي الذي انتقد بشدة مجلة "المقتطف" ونشرها نصوصاً ومقالات عن دارون وأبحاثه، لخص نظرية الأخير أو زعمها بالشكل التالي: "أصل الإنسان والوحش من جرثومة صغيرة تطورت مع الوقت كي تصل إلى شكلها الحالي".

الأب لويس شيخو، اليسوعي، لخّص نظرية داروين بالشكل التالي: "أصل الإنسان والوحش من جرثومة صغيرة تطوّرت مع الوقت كي تصل إلى شكلها الحالي"، في استثناء كامل لمملكة الحيوان 

جعل شيخو في هذه المقاربة الأصل بين الإنسان والبهيمة واحداً، أي هناك نقطة بداية تفرع منها "الجميع"، واختار بدقة الجرثومة، الكائن مجهري، الذي لا يمكن أن يرى بالعين المجردة. هذه السخرية تتضح حين كتب لاحقاً أنه لا يمكن لتلسكوب أن يكشف سر خلق الله، في تهكم واضح من العلم وأدواته، وتلك الحاجة "العلمية" لأن "نرى" من أجل أن نصدق، وهو ما يتناقض جوهرياً مع الإيمان، أن نصدق دون أن نرى.

هذا الأصل وتنويعاته اللاحقة حملها الزمن وتقلباته، ذاك المتناهي والعدمي والمخلوق، فبدايته ونهايته معلومتان، خلق ثم موت ثم بعث وحساب.

يستثني شيخو مملكة الحيوانات بأكملها، ويرى أن البداية حسب ما فهمها كائن متناه في صغره حد اللاوجود، لاوعي له ولا وجه ولا عقل، كائن يسبح في السيتوبلاسما، طفر عن ذاته وتنوع بشراً وبهيمة.

المفارقة الأخرى التي يُبطنها شيخو هي استحالة وجود جوهر واحد يجمع "الكل"، فالتنوع هو الأصل، ووراء الأصل هناك الله الخالق، أما وجود نقطة أو لحظة انطلق منها الزمن، فغير منطقي، فكيف يمكن لمن له وجه أن ينحدر مما لا وجه له؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard