من حلب... عن أم خالد وعن الرعب أحدّثكم/ن

الأحد 18 أبريل 202110:10 ص

وصلتُ منذ يومين إلى مدينة حلب، لم أرَ أهلي منذ سنة ونصف تقريباً. الحياة هنا مرهِقة من اليوم الأول. الناس متعبون على الرغم من كثافة الابتسام وتكدّس الألم. أكتب لكم من مدينة حلب وعنها، عن حاراتها المدمّرة ومكتباتها المهجورة وحدائقها العطشى والمهملة.

أحكي لكم عن أم خالد، عن مأساة الخمس سنوات. أم خالد امرأة خمسينية ولها ثلاثة أولاد، الأول خالد، ولا تعرف عنه معلومة واحدة منذ خمس سنوات، والثاني سمير، وقد كان مجنداً في الجيش السوري، واعتُقل بعد أن وشى به أحدهم باعتبار أنه ترك الخدمة لمدة أسبوع دون إجازة خطية من القيادة، والثالث ياسين، وهو عنصر في الجيش السوري يؤدّي خدمته في ريف درعا، بعيداً عن حلب وعن أم خالد مئات الكيلومترات.

لا زالت أم خالد منذ خمس سنين تسعى للبحث عن الأول ولفكّ أسر الثاني ولدعم الثالث مالياً، أو لنقل خدمته العسكرية إلى حلب. أم خالد تساعد أمي في المنزل، وأعتذر من قارئي لضرورة تغيير بعض الأسماء لأؤمّن نفسي وأُؤمِّن أم خالد أيضاً، لكن حياة أم خالد أصعب بكثير من أن تنقلها الكلمات.

الصور والتماثيل في بلدي مقدّسة وتُمسح عنها الأتربة يومياً. هذا حقّ دولتي في حماية صور زعماء العالم. بذلك حقَّقنا أسمى صور العولمة وعلى طريقتها الفريدة والمجيدة والخالدة، بقيادة القائد الفريد والمجيد والخالد بطبيعة الحال

تجاوزت مأساة أم خالد الأسر والشتات وخدمة العلم، لتصل إلى الشتات بين جيوش العالم أيضاً. تبحث أم خالد منذ خمس سنين مع كلٍّ من الجيش السوري والجيش الروسي والحرس الثوري الإيراني عن ولدها الأول. أخبرتني البارحة أن أحدهم قال لها بأهمية الجيش الروسي اليوم في سوريا وسلطته الممتدّة، وأنه من الممكن اللجوء إليه لطلب المساعدة في إيجاد خالد وفكّ أسر سمير. وسمعت من كثيرين أن الجيش الروسي يسعى لكسب ودّ الشعب السوري، من خلال المساعدة بالوصول إلى بعض المعتقلين أو إخراجهم من السجون في بعض الأحيان.

 تبحث أم خالد منذ خمس سنين مع كلٍّ من الجيش السوري والجيش الروسي والحرس الثوري الإيراني عن ولدها الأول. سمعت من كثيرين أن الجيش الروسي يسعى لكسب ودّ الشعب السوري، من خلال المساعدة بالوصول إلى بعض المعتقلين أو إخراجهم من السجون في بعض الأحيان

دفعت أم خالد مئات آلاف الليرات وهي التي تعمل يومياً قرابة العشر ساعات لتحصيل كفاف يومها، بالإضافة إلى إعالتها زوجة ابنها المفقود وأولاده. لم توفّر أم خالد الحرس الثوري، لجأت إليه كما لجأت إلى الروس، لكنها كمن "يغني في الطاحون" و"لا تندهي ما في حدا".

بانتظار الرد من أحد (الوسايط)

الوعود لا تنتهي، الجميع يعد أم خالد بأن خبراً ما سيأتيها عن أحد ولديها بين اليوم واليومين. ليس من الممكن أن تنقل اللغة انتظار أم لخبر عن ولديها لمدّة خمس سنوات، أم خالد تعيش الانتظار كلّ ساعة مع هاتفها المحمول، منتظرة رسالة أو اتّصال من جهة عُظمى في دولتنا الموقّرة، أو من إحدى الجهات الأعظم الأخرى في دولتنا الموقّرة.

البارحة كانت أم خالد تنتظر ردّاً من أحد (الوسايط). وعدتها الواسطة منذ أسبوع بأخبار جيدة عن ابنها المفقود، وكانت قد دفعت مبلغ 200 ألف ليرة سورية لتسيير الأمر. كنا على مائدة الإفطار، رنّ هاتف أم خالد برسالة، قفزت كعصفور، أمسكت هاتفها، أعطتني إيّاه، مَن المرسِل؟ سألتني.

"من القيادة: نهيب بشعبنا السوري العظيم التبليغ عن أيّ مشتبه به للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، أنتم شعب هذا البلد وأمانه". رسالة جميلة لكنها في التوقيت الخاطئ وللشخص الخاطئ. تطلب الرسالة من أم خالد التبليغ عن ابنها الثالث

المرسل رقم رباعي (الأرجح أنه شركة سيريتيل السورية للهواتف)، فتحت الرسالة، وقرأتها بصوت منخفض: "من القيادة: نهيب بشعبنا السوري العظيم التبليغ عن أيّ مشتبه به للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، أنتم شعب هذا البلد وأمانه". رسالة جميلة لكنها في التوقيت الخاطئ وللشخص الخاطئ. تطلب الرسالة من أم خالد التبليغ عن ابنها الثالث، أو التبليغ عني أنا لأني سأفكّر في الكتابة عن الموضوع، تطلب الرسالة من أم خالد التبليغ عن نصف الشعب كي يرتاح نصفه الآخر.

اختصرت هذه اللحظات عشر سنوات من الثورة السورية (سمّها عزيزي القارئ ما شئت، قد يصحّ تسميتها بما آلت إليه من حرب أهلية). اختصرت عشرات اللوحات الدرامية التي نقلتها لنا الشاشة عبر بقعة ضوء. يطرق أحدهم باب بيتنا الآن، ربما عرفوا بأني كتبت لكم ما كتبت، سأكون إلى جانب خالد، وستصل رسالة إلى أمي غداً توصيها بالتبليغ عن قُطّاع الطرق للحفاظ على أمن البلد واستقرارها. ستكون هذه أول وآخر رسالة أكتبها لكم، لكني سأخبر خالداً بأني كتبت عنه هذا المقال، اكتبوا عني في مشهد جديد. حاولوا أن تجعلوا مني بطلاً خرافيّاً في ألف كلمة.

ربّما أصبحت دولتنا قادرة على اختراق الأجهزة المحمولة أو قراءة الأفكار

لكني لم أرسل المقال بعد، ربّما أصبحت دولتنا قادرة على اختراق الأجهزة المحمولة أو قراءة الأفكار. كنت أفكّر بكتابة هذا المقال اليوم صباحاً عند مروري على "حاجز طيّار". طلبوا مني دفتر العسكرية والهوية. هل شعرتُ بالخوف؟ منذ سنة ونصف لم أقف أمام حاجز للجيش أو للشرطة في هذه البلاد، في بلادي أنا. كان الموقف مخيفاً وكان معي أخي، وأخي معتادٌ نوعاً ما على هذه المواقف، لكنني أحسست بخوفه وبتجاعيد وجهه تزداد احتراماً لعنصر الأمن العسكري. لا هرب من الخوف. قد تهرب من الاعتقال في هذه البلاد، وقد تهرب من الرصاص والموت، لكن لا مهرب من الخوف، يأتيك الخوف من كلّ مكان. إن غاب عنك صوت الرصاص ستحضر في ذهنك مئات الأفكار التي تدعوك لأخذ الحيطة من كلّ شيء، حتّى من الجدران والصور والتماثيل الخالدة.

يزرعون الخوف في كلّ مكان

يزرعون الخوف في كلّ مكان، رأيت في الشوارع والطرق مئات الصور لزعيم بلادي وزعماء بلاد أخرى. إذا أردتم زيارتي في سوريا غداً، لا تنظروا للصور المعلّقة في الشوارع. تصوّر عزيزي القارئ أن يتصادف نظرك إلى إحدى تلك الصور مع مغص عَرَضي في المعدة، ستظهر أعراض المغص على وجهك، وسترى مئات العناصر باللباس العسكري المبرقع يسألونك عن شعورك وعن سبب تعابير وجهك وعن سبب المغص وعن نظامك الغذائي (وعن جرة الغاز وباقة البقدونس ولفة الفلافل) وعن فضائلك السياسية والحزبية.

يزرعون الخوف في كلّ مكان، رأيت في الشوارع والطرق مئات الصور لزعيم بلادي وزعماء بلاد أخرى. إذا أردتم زيارتي في سوريا غداً، لا تنظروا للصور المعلّقة في الشوارع.

ستُقسم لهم أن الأمر لا يتعلّق بالصورة وإنما بمغص عرضي في المعدة، وأنك أخطأت صباحاً حين تناولت السمك مع اللبن. سيجبرونك على الاختيار بين تجريم السمك وتجريم اللبن، وسيخبرونك بأنه لا يمكنك أن تكون رماديّاً. صديقي القارئ، أنصحك باختيار اللبن، فقد يأخذوا اختيارك للسمك مأخذاً سياسياً نحن بغنى عنه.

الصور والتماثيل في بلدي مقدّسة وتُمسح عنها الأتربة يومياً. هذا حقّ دولتي في حماية صور زعماء العالم. بذلك حقَّقنا أسمى صور العولمة وعلى طريقتها الفريدة والمجيدة والخالدة، بقيادة القائد الفريد والمجيد والخالد بطبيعة الحال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard