بين اللذة والجفاء... كيف تبدو الحياة الجنسية للأزواج بعد فقدان الجنين؟

الجمعة 9 أبريل 202106:05 م

يُعتبر فقدان الحمل من المواضيع الحساسة والمؤلمة جداً، بخاصة بالنسبة للأزواج الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر اليوم الذي سيصبحون فيه آباء وأمهات، ويحملون طفلهم بين أيديهم، وعليه يصبح الجهد المبذول أحياناً من قبل هؤلاء للحمل من جديد عبئاً إضافياً يقف في طريق عملية الشفاء، سواء كان ذلك على المستوى النفسي وحتى الجسدي.

وعلى الرغم من أن الأبحاث الحديثة تكشف أنه كلما أسرع الثنائي في ممارسة الجنس بعد الإجهاض (مع مراعاة التوصيات الطبية) كلما زاد احتمال حدوث الحمل مرة أخرى، إلا أن مسألة فقدان الحمل تبقى تجربة نفسية وجسدية صعبة ومرهقة للغاية، فالعملية الجنسية بحدّ ذاتها قد لا تختلف بالضرورة بعد الإجهاض، لكن السياق العاطفي للجماع يتغيّر بطريقة معيّنة، بحيث من الطبيعي أن يشعر بعض الأزواج، وتحديداً النساء، بالحزن والتردد وحتى الخشية من العملية الجنسية، كما أنهن يعجزن في الكثير من الأحيان عن الوصول إلى اللحظات الحميمية الحقيقية التي كان يتم اختبارها في السابق.

الأوقات الأنسب للجنس بعد الإجهاض

قد تكون العلاقة الجنسية آخر ما يخطر ببال الثنائي مباشرة بعد خسارة الحمل، ولكن بينما تتعافى المرأة جسدياً ونفسياً، من المحتمل أن تبدأ في التساؤل عن الوقت الأنسب لاستعادة حياتها الجنسية مرة أخرى، مع العلم بأن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن ممارسة الجنس في وقت مبكر ليس له تأثير سلبي على حالات الحمل المستقبلية، لا بل يمكن أن يساعد في الواقع في زيادة فرص الحمل.

من الناحية الطبية، أوضحت القابلة القانونية فرح كنج، لرصيف22، أنه في حال حدث الإجهاض بشكل طبيعي، أي من دون أي تدخل جراحي، كالتمدد والكشط (D&C)، يُسمح عندها بممارسة العلاقة الجنسية بعد مرور أسبوعين تقريباً على الإجهاض، بحيث يكون عنق الرحم قد عاد إلى طبيعته، لكون الإجهاض يجعله أكثر اتساعاً، وبالتالي فإن إدخال أي شيء في المهبل خلال هذه الفترة يزيد من خطر الإصابة بالعدوى، أما عند حدوث التمدد والكشط فإن النزيف قد يطول لفترة أطول، بحسب ما أكدته كنج.

غير أن فرح شددت على أن مسألة التعافي بعد خسارة الحمل تختلف بطبيعة الحال من سيدة إلى أخرى، وفق وضعها الصحي وحالتها النفسية.

قد تكون العلاقة الجنسية آخر ما يخطر ببال الثنائي مباشرة بعد خسارة الحمل، ولكن بينما تتعافى المرأة جسدياً ونفسياً، من المحتمل أن تبدأ في التساؤل عن الوقت الأنسب لاستعادة حياتها الجنسية مرة أخرى

وعمّا إذا كان الجنس بعد الإجهاض مؤلماً بالنسبة للسيدات، كشفت كنج أن المرأة المعنية قد تشعر بتقلصات مؤلمة تشبه التقلصات التي تعاني منها في العادة أثناء الدورة الشهرية، ومع مرور الوقت، يهدأ هذا التشنّج بينما يستمر الرحم بالتعافي.

ومع ذلك، قد تشعر بعض السيدات بتقلصات أثناء ممارسة الجنس أو بعده، خاصة في الأيام الأولى، ولكن الألم قد يكون في بعض الأحيان ناتجاً عن عدوى تشمل بعض الأعراض، بما في ذلك: الحمى، القشعريرة وإفرازات كريهة الرائحة.

وعليه، أوضحت فرح كنج أن المرأة التي خضعت للإجهاض قد تختبر آلاماً معيّنة عند ممارسة الجنس مع شريكها، بخاصة في حال كانت تعاني من الجفاف المهبلي، مشددة على الدور الكبير الذي يلعبه العامل النفسي في هذا السياق: "قد تشعر المرأة بالألم في في حال كانت غير مستعدة نفسياً وعم تغصب حالها على ممارسة الجنس كرمال تلبي رغبات الشريك".

مصير العلاقة الزوجية

على الرغم من أن التعافي الجسدي قد يستغرق وقتاً أطول في حال حدث الإجهاض بعد الثلث الأول من الحمل، إلا أن حالات الإجهاض التي تحدث في وقت مبكر من الحمل غالباً ما يتم معالجتها طبياً.

وبمعزل عن الشفاء الجسدي، قد تشعر المرأة بالتردد والقلق لمجرد التفكير في الانخراط في العلاقة الجنسية الحميمة، بسبب مشاعر الحزن التي تولّدت لديها جرّاء خسارة الجنين.

بالإضافة إلى ذلك، قد يؤثر الإجهاض أيضاً على علاقة المرأة بجسدها، بسبب الشعور بالذنب والخجل الذي قد يرافقها على اعتبار أنها مسؤولة عن خسارة الحمل، كما قد تكون له تداعيات على علاقة الزوجين، سواء لازدياد قربهما من بعضهما البعض أو العكس، وذلك بحسب كيفية تعامل الثنائي مع هذه المسألة.

"قد تشعر المرأة بالألم في في حال كانت غير مستعدة نفسياً وعم تغصب حالها على ممارسة الجنس كرمال تلبي رغبات الشريك"

في هذا الصدد، كشفت الباحثة كريستين إم سوانسون في دراستها، أن 23% من السيدات أبلغن أن علاقتهنّ الشخصية مع أزواجهنّ كانت أقرب بعد الإجهاض، في حين أن 6% فقط كشفن أن علاقتهنّ الجنسية كانت أقرب.

وأظهرت الدراسة أن 44% من الإناث شعرن أن العلاقة الشخصية قد عادت إلى حالة ما قبل الإجهاض، وكشفت 55% من المشتركات أن رباطهنّ الجنسي قد عاد أيضاً، هذا وشعرت 32% من السيدات بالبعد عن أزواجهنّ في العلاقات الشخصية و39% أعربن عن شعورهنّ بالبعد الجنسي.

الجروح النفسية

تنتهي نحو 10 إلى 20% من حالات الحمل المعروفة بالإجهاض، ما يجعل خسارة الجنين تجربة شائعة نسبياً، لكن الطريقة الفعلية التي يحدث بها الإجهاض وسبل التعامل معها يختلف من شخص إلى آخر، بحيث أن الشق النفسي يلقي بثقله على المسألة، فالأزواج يتعاملون في هذه المرحلة مع أحداث مؤلمة ومرهقة لها تداعيات سلبية على صحتهم النفسية وعلى رغباتهم الجنسية.

في حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم النفس، لولوا كالويروس، أن خسارة الجنين هو موضوع متشعب وتختلف التداعيات النفسية من سيدة إلى أخرى: "لا يوجد Profile واحد ينطبق على جميع السيدات، لأن النتائج مبنية في الأساس على الأسباب التي أدت إلى خسارة الحمل ونوعية العلاقة بين الزوجة وشريكها".

"بحمّلوا المرأة مسؤولية خسارة الجنين، فبتحسّ حالها ناقصة وتُلام من قبل المجتمع، فهي التي تملك هالحدث بجسدها والخسارة بتتعلق فيها وكأنو شي انفقد منها ومن جسمها"

وفرّقت لولوا بين الإجهاض الذي يكون عبارة عن خيار تتخذه المرأة بكامل إرادتها لإنهاء حالة حمل، وبين عدم نمو الجنين بشكل طبيعي وخسارته لأسباب طبية، مشيرة إلى أن الحالة الثانية تؤدي لفقدان المرأة ثقتها بنفسها، بالإضافة إلى التأثير السلبي على كيفية تقييمها لنفسها اجتماعياً وعلى صحتها النفسية، وفق العمر والتجارب الحياتية: "قد تشهد المرأة حالات قلق واكتئاب، بالإضافة إلى الشعور بعدم القيمة واليأس".

وأوضحت كالويروس أن العملية الجنسية لدى المرأة التي تعاني من هاجس الحمل، قد تتحول إلى مجرد عملية آلية تفتقر إلى الرضا والإشباع الجنسي: "لا يعود الهدف من العملية الجنسية اللذة أو التعبير عن الحب بل تصبح العلاقة الجنسية بين الزوجية وفق مواعيد الخصوبة وأيام الإباضة".

وبحسب لولوا، فإن هاجس الحمل هذا الذي يشكل بدوره عبئاً كبيراً على الرجل، قد يؤدي إلى فشل العلاقة العاطفية بين الشريكين: "نشهد تدهوراً في العلاقات بين الزوجين، بسبب طريقة المعالجة الخاطئة لموضوع خسارة الجنين وعدم اللجوء لأخصائي/ة للحصول على مساعدة نفسية سليمة، والتفرقة بين اللذة الجنسية والعمل الجنسي للإنجاب".

وأشارت كالويروس إلى أنه عندما يحدث إجهاض طوعي لأسباب طبية، فإن ذلك من شأنه أن يؤثر سلباً على العلاقة الجنسية التي ترتكز بشكل أساسي على الصحة النفسية: "ما بتقدر المرأة تكون بحالة جنسية مناسبة إذا كان عندها اكتئاب، قلق أو خوف، وفي حال عملت صلة بين خسارة الجنين والجنس"، كاشفة أن هذه العوامل مجتمعة تغيّر الهرمونات وتؤثر سلباً على اللذة، فتفقد المرأة حينها رغبتها الجنسية وقد تعاني من الجفاف المهبلي.

"لا يعود الهدف من العملية الجنسية اللذة أو التعبير عن الحب بل تصبح العلاقة الجنسية بين الزوجية وفق مواعيد الخصوبة وأيام الإباضة"

من هنا، أوضحت لولوا أن فقدان الرغبة قد يؤثر على علاقة المرأة بشريكها، بخاصة في حال طالت فترة "الجفاء" بينهما: "كلما ابتعدت المرأة عن المشاركة في العملية الجنسية، كلما أصبحت الرغبة أقل وكلما زاد الشرخ بين الزوجين وخفّت شعلة الحب وكثرت الخيانات".

وتطرقت كالويروس إلى غياب المساواة بين الجنسين في موضوع الحمل وخسارة الجنين: "بالرغم من ان مسألة الحمل تتطلب مشاركة الرجل والمرأة سوياً، إلا أنه ليس هناك مساواة بين الطرفين، فالمرأة هي التي تحمل وهي التي قد تخضع للإجهاض"، وتابعت بالقول: "بحمّلوا المرأة مسؤولية خسارة الجنين، فبتحسّ حالها ناقصة وتُلام من قبل المجتمع، فهي التي تملك هالحدث بجسدها والخسارة بتتعلق فيها وكأنو شي انفقد منها ومن جسمها".

هذا وأشارت لولوا إلى أن مدى تأثير هذه الحادثة الأليمة، أي الإجهاض، على العلاقة الجنسية، مبني على صحة العلاقة الإنسانية التي تجمع الزوجين ومدى التفاهم والحب الذي يجمعهما: "العنصر الأهم هو التجربة الشخصية وقديه الأزواج بحبوا بعض وبيتشاركوا وبيحكوا وبيتفهموا بعض، وقديه في احترام لجسم المرأة وحاجاتها، وقديه العلاقة الجنسية بيناتن منها بس intercourse (الجماع)".

باختصار، يمكن القول إن المشكلة في الإجهاض تكمن في كون العديد من النساء يعتقدن أنه يجب عليهنّ استعادة الحياة الجنسية بمجرد أن يكون جسدهنّ قد أصبح مستعداً لذلك، ولكن غالباً لا يكون الأمر كذلك.

ففي حين أن جسم المرأة قد يتعافى بعد مرور فترة بسيطة على خسارة الحمل ويصبح الجنس آمناً لها من الناحية الطبية، إلا أن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول لتضميد الجروح العاطفية لفقدان الجنين الذي يمكن أن يتحول إلى حالة حداد، من هنا يجب على المرأة المعنية أن تمنح نفسها كل الوقت الذي تحتاجه قبل استعادة الحياة الجنسية.

واللافت أن مستوى الحزن الذي تشعر به الأنثى قد لا يكون مرتبطاً بمدة استمرار الحمل، بل يتعلق بكيفية معالجة العواطف كفرد، مع التنويه بأن المسألة تصبح أسهل في حال كان لديها شريك متفهم وشبكة دعم قوية من العائلة والأصدقاء، أو في حال قررت اللجوء إلى أخصائي/ة في علم النفس، للتحدث بأريحية عن مشاعرها ومخاوفها.

أما بالنسبة إلى العلاقة مع الشريك، فالحل يكون من خلال المصارحة بين الطرفين وإيجاد طرق أخرى لتعزيز الترابط، فاللمسة الجسدية بشكل عام يمكن أن تكون مثيرة تماماً مثل الجنس نفسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard