ما يلزم ليس تعديلاً قانونياً، بل أخلاقياً ينزع "الشرف الأسري" عن فروج النساء

الاثنين 12 أبريل 202111:09 ص

تعتبر ظاهرة سفاح القربى في المجتمعات العربية والإسلامية "تابو" يستحيل أن تتطرق إليه الأسر التي عاشت جحيمه، أو يتحدث عنه المجتمع الذي يحمي مرتكبيه بالتواطؤ والصمت. فمن الصعب حصر ضحايا سفاح القربى أو قياس الظاهرة بالأرقام، نظراً للكتمان الذي يحيط بالموضوع. حتى أولئك الذين كسروا حاجز الصمت وواجهوا التحرش الجنسي العائلي بوجه مكشوف، يشكلون 10% أو أقل من مجموع الحالات.

وعلى سبيل المثال لا للحصر، وحسب الأرقام المتوفرة التي لا تخص إلا بلداناً معدودة وبتواريخ قديمة، فإن 54% من قضايا العنف الأسري في الأردن مثلاً هي قضايا تحرش جنسي، 12% منها هي حالات تحرش عائلي، وأن 90% من الفتيات المعنفات أسريا تعرضن لاعتداءات جنسية، 60% منهن حالات سفاح قربى. أما في مصر، فتعرض 18% من الأطفال القاصرين للتحرش الجنسي، و35% من حالات التحرش قام بها شخص على قرابة من الطفل.

وإذا كانت الأرقام، على قلتها، على هذا الحال بالنسبة للأردن مصر، فإن باقي الدول العربية، رغم غياب معطيات ملموسة حول الموضوع، ستسجل هي الأخرى، بشكل يومي تقريباً، حوادث سفاح قربى ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في فضحها. فمنذ مدة قصيرة، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب شريط فيديو يظهر فتاة تبلغ من العمر 13 سنة، تحكي بوجه مكشوف عن تعرضها للتعذيب من طرف جدتها وتتهمها بالتستر على عملية اغتصابها من طرف عمها، الذي كان يغتصبها بين الفينة والأخرى. قبل هذه الواقعة بقليل، وبالضبط في شهر آب/ أغسطس من السنة الماضية، ظهرت فتاة سعودية تدعى غدير عودة الأحمدي، في مقطع فيديو يظهر هويتها الشخصية، سجلته واتهمت فيه شقيقها وائل الأحمدي باغتصابها.

لا تجد الضحية أمامها إلا مواقع التواصل الاجتماعي كي تلجأ إليها وتستغيث بالرأي العام بعد أن رفض المحيط الأسري تصديقها أو مساعدتها

وقالت في مشاهد الفيديو إنها حاولت بشتى الطرق أن تقنع أهلها ليقوموا بالتصرف الصحيح تجاه شقيقها لكن دون فائدة، مشيرة إلى أن شقيقها أقسم يمينا على القرآن لذويها منكراً ما كان يفعل، فصدقوه وبقيت الحقيقة مخفية.

في نفس السياق، انتشرت في أكتوبر من العام نفسه قصة عن وقائع سفاح القربى أو الاغتصاب العائلي عندما ضبط الأهالي بمحافظة الجيزة في مصر عاملاً أثناء محاولته إلقاء طفل رضيع في صندوق القمامة. تجمعوا حوله ليعرفوا السبب وحاول الإنكار، إلا أنهم أبلغوا مباحث الجيزة لمعرفة حقيقة الأمر، ليعترف الأب بأن الطفل أنجبته ابنته من أخيها التوأم، وأنه كان يحاول التستر على "فضيحة" أبنائه، قبل أن تُظهر الأبحاث أن الطفل نتج عن واقعة اغتصاب كانت الأخت ضحيتها.

المشترك بين جميع الأمثلة التي تم ذكرها، وأمثلة أخرى أفظع يطول الحديث عنها، هو أن معظم إن لم نقل كل وقائع الاغتصاب العائلي التي خرج بها أصحابها إلى النور، أشاروا فيها إلى تواطؤ أفراد من الأسرة مع المجرم رغبةً منهم في "ستر الفضيحة" وحفظ ماء وجه العائلة، وفي أغلب الحالات لا تجد الضحية أمامها إلا مواقع التواصل الاجتماعي كي تلجأ إليها وتستغيث بالرأي العام بعد أن رفض المحيط الأسري تصديقها أو مساعدتها، بل وتتواطأ مع المجرم كي يتستر على الجرم. ورغم كل الفضائح المتكررة التي أدى إليها هذا السلوك، إلا أن الموضوع لا زال يشكل خطاً أحمر في المجتمع، حيث ترفض العائلات التعامل معه وتصديقه حتى لو اضطرها ذلك إلى اغتصاب الضحية مرة ثانية معنوياً، والحكم عليها بالموت الصامت الأليم خوفاً من الفضيحة وخجلاً مما قد يظنه المجتمع.

حين تكون ضحية حادثة سفاح القربى أو الاغتصاب عموماً طفلة أو رضيعة، وطالب بالإعدام للجاني، فإن تعامله مع المرأة البالغة، التي تعرضت لنفس الظلم، يكون مختلفاً

يتم تصنيف المرأة عموماً، في المجتمعات العربية الذكورية، من طرف الفئة المتطرفة على أساس أنها أصل الشرور، جالبة العار والسبب في الفضيحة التي قد تلحق باسم العائلة. فإذا تعرضت للتحرش سيكون ذلك غالباً بسبب لباسها الذي استفز المتحرش. وإذا اغتصبت فـ"عهرها" الذي أدى بها إلى هذه النهاية. وثمّة غيرها من الأحكام القيمية التي تنصب المشانق للمرأة أيا كان ما تعرضت له في الشارع، فما بالك إذا كان المعتدي رجلا "تقياً" و"ورعا" و"طيب السمعة" وينتمي للعائلة؟

وإذا كان المجتمع يغضب أحياناً، حين تكون ضحية حادثة سفاح القربى أو الاغتصاب عموماً طفلة أو رضيعة، وطالب بالإعدام للجاني، فإن تعامله مع المرأة البالغة، التي تعرضت لنفس الظلم، يكون مختلفاً. إذ يتم تجريدها من العفة واعتبارها آثمة تستحق ما جرى لها، ولا بد أن تكون هي من تلاعبت بالرجل المغلوب على أمره، واستفزت غريزته. فيقوم بعزلها وعزل عائلتها عقاباً لها على تعرضها للاغتصاب. وهذا ما يجعل أغلب العائلات تفضل الصمت، على مواجهة الحقيقة والدفاع عن حق ابنتها الذي تمت استباحته، تفاديا للعار الذي سيوصمون به.

صحيح أن القوانين، في معظم البلدان العربية، تم تعديلها خلال السنوات الأخيرة لفائدة الضحية، بحيث تتوفر لها الحماية القانونية اللازمة، وتتم مساعدتها على استرجاع "حقها". لكن الحماية القانونية في مجتمعات لا زالت تعاني من الرجعية لا تكفي لمحاربة هذه الظاهرة وتشجيع أسر الضحايا على تجاوز الخط الأحمر والجهر بالتضامن مع ابنتهم. ما يلزم حالياً هو تعديل أخلاقي لقيم المجتمع، يمحو فكرة "الشرف الأسري" المتواجد في فروج النساء، والخوف من الفضيحة التي يمكن في سبيل تفاديها أن يضحي المرء بكرامته وحق نساء بيته، وتفند خصوصا النظرة الدونية التي تنظر بها العقلية الذكورية للمرأة وتصورها كأداة جنسية تتعمد إيقاع الرجل في الخطيئة ولا تفرق في الغواية بين غريب أو محرم. حينها فقط يمكن كسر حجز الصمت الذي يطوق موضوع سفاح القربى المسكوت عنه في عدة بيوت تبدو آمنة من الخارج.

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard