أن تكون روائياً وتحاكي مهنة الرب

الخميس 8 أبريل 202102:57 م

لا أحد يعرف من أين تأتي الموهبة. حتى علماء النفس عجزوا أمام هذه الظاهرة: ما الذي يجعل الموهوب موهوباً؟ يمكن أن ترجع الموهبة إلى النشأة الأولى أو إلى الثقافة. ولكننا في النهاية لن نظفر بتعريف جامع مانع للموهوبين. فلكل موهوب وفنان حالته شديدة الذاتية والتفرد. أبي مثلاً لم يكن مدركاً بأنه روائي؛ حكاء عظيم، ربما كان من طينة خيري شلبي. كان أبي يتفنن في ارتجال الحكايات، ودائماً ما يبدأ حكايته بافتتاحية مدهشة تضعني في قلب الحدث مباشرة، وتبث فيّ الفضول والرغبة في معرفة المزيد. أذكر من تلك الافتتاحيات سؤاله: "تعرف مين لبس أمه وركب أبوه وأكل من بطن الميت حي وشرب ماء لا من الأرض ولا من السماء؟" بالطبع لا أعرف، وأنتم أيضا بالتأكيد لا تعرفون هذا الشخص، فأرد على سؤاله بسؤال: "مين؟" فيجيب: "الرد في حكاية". ويبدأ في سرد حكايته؛ قصص ينسجها حول شخوص من العفاريت والجان والبشر. ويدخر لها نهاية تليق بكل هذا الإمتاع. كانت الحكايات، بالإضافة إلى الرسم والنحت، عالمه الخاص وملجأه الذي يلجأ إليه وقت الأزمات، وما أكثرها. أحياناً كنتُ أعلن تذمري من الفقر وضيق الحال، وأتساءل: "لم لا يعمل أبي مثل باقي خلق الله؟" لم أكن أعرف أنه يختلف عن باقي خلق الله، وأنه فنان، روائي لا يعرف شيئاً عن ماهية الرواية، ولا يجيد الكتابة والقراءة. تلك مأساته وأزمته. كان يتتبع حدسه، ويشبع موهبته بسرد القصص التي لا تنتهي. أما أنا فقد كنت أكثر حظاً منه، خاصة مع اكتشاف القراءة في سن مبكر. مكتبة الأسرة؛ ذلك المشروع القومي الذي تبنته السيدة سوزان مبارك، أتاحت لي مطالعة الأدب المحلي والعالمي من خلال مكتبة المدرسة. حينها عرفت أن أبي كاتب بلا كتابة، وأن ما يقصه عليّ يمكن الاستفادة منه إذا وُضع في كتاب. وحينها أيضاً قررتُ أن أكون كاتباً، ليس مثله، ولكن كاتباً حقيقياً له كتب تتصدر أرفف المكتبات. تلك الأمنية تحولت إلى هدف ثم إلى هاجس تحقق.

اعتقدت أن الناشر سيدفع لي مقابل عملي، خاصة مع حماسه للنشر. بدلاً من ذلك وجدته يسألني: "ناوي تساهم في النشر بكام؟" أخبرته أنني ساهمت بالفعل، وأن الأوراق التي يحملها الآن هي نتيجة عمل شاق

قبل أن أنشر روايتي الأولى، كانت لدي آمال كبيرة في الكتابة، منها أن يحصل الكاتب من كتابته على أموال طائلة تكفل له حياة رغدة. لكن الواقع يختلف كلياً. اعتقدت أن الناشر سيدفع لي مقابل عملي، خاصة مع حماسه للنشر. بدلاً من ذلك وجدته يسألني: "ناوي تساهم في النشر بكام؟" أخبرته أنني ساهمت بالفعل، وأن الأوراق التي يحملها الآن هي نتيجة عمل شاق أستمر لعدة أشهر. كنتُ لا أزال مستجداً. بعدها عرفت أن النشر لا يتم بتلك الطريقة. وكان الكاتب في فترة التسعينيات يستعين بالأصدقاء لنشر روايته عن طريق "الجمعية"؛ حيث يجمع الأموال اللازمة للنشر من الأصدقاء ثم يوزع عليهم النسخ المطبوعة. تلك الطريقة اتبعها عدد كبير من كتّاب هذه الفترة الزمنية ومنهم الكاتب علاء الأسواني. بالطبع، كانت هناك طرق أخرى للنشر كتقديم النص إلى هيئة الكتاب وانتظار عدة أعوام حتى يصبح كتاباً يُلقي به في مخازن الهيئة. وهناك طرق أكثر رحابة كالنشر في دار الشروق مثلاً. لكنها اقتصرت على كبار الكُتاب. ثم جاءت دار ميريت لتحقق الموازنة بين نشر الإبداعات الشابة الجديدة وطبعها بمقابل أو بدون، لتقدم لنا أعمالاً روائية مبتكرة وأقلاماً مبدعة كأحمد العايدي ومحمد صلاح العزب ومحمد علاء الدين وكثيرين غيرهم. كنتُ محظوظاً بهذه الدار. لكن هذا الحظ لا يمكن أن يوفر قوت اليوم. لذلك، كان عليّ أن أعمل إلى جانب الكتابة، ومع ذلك لم أستطع أن أتوقف عن الكتابة لحظة واحدة مهما كانت العقبات، لماذا؟ يتساءل ماركيز أيضاً "أي سر هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص هوس يمكن لكائن أن يموت جوعاً، أو برداً، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه. وهو شيء في نهاية المطاف، إذا أمعنا النظر فيه، لا ينفع في أي شيء".

قد أختلف مع رؤية ماركيز لفن الرواية، فالرواية شيء يمكن رؤيته ولمسه، بل معايشة شخوصه وعوالمه. وهو- أي الرواية- العلم الباقي النافع للإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالسيرة الذاتية؛ أرقي أنواع الفنون وأعلاها مرتبة. وهي رغبة الإنسان الدائمة في تخليد ما يدور حوله. لعل ذلك يبدو واضحاً منذ القدم، فالإنسان الأول كان حريصاً على تسجيل حياته على جدران الكهوف. الإنسان الذي عاصر مهد الحضارة فانشغل بتدوين حكاياته على جدران المعابد، ما الذي كان يرغب فيه ويدفعه لذلك؟ كأنه يقول لمن سيأتي بعده: جئتُ هنا، وهذا ما فعلته.

إذن، فالكتابة بوابة الخلود، والخلود جنة العظماء. أذكر الآن كافكا وحياته التعسة، هو الذي لم ينشر حرفا في حياته، هل كنا سنعرف عنه شيئاً لو ضاعت أوراقه أو هلكت؟ لقد خُلق الإنسان لتمرير معرفته، هذا جائز أيضاً، وليس هناك أصدق من المعرفة التي عاشها المرء في حياته القصيرة. لكن الأهم، من وجهة نظري، إحساس الكاتب وهو يكتب نصه. لهذه الأوقات متعة فريدة لا يمكن أن يتذوقها غير الكاتب. العديد من الكُتاب يكتبون من أجل الجوائز، وبعضهم لتحقيق شهرة أو منفعة زائلة، ولكن تبقى كتاباتهم معطوبة، كالطعام الذي ينتشر فيه العفن. أما الكاتب الحقيقي/ الجيد، فيقول عنه ماركيز: "الكاتب الجيد سيستمر في كتابة الروايات حتى وإن لم يجد ثمن ترميم حذاءه". هكذا هي الكتابة. ولكن، لماذا يعاني الكاتب كل هذا الكم من الضنك ونحن في عصرنا الحديث لا نعرف قيمة الكتاب وقدره؟

يكفينا ما نجده من متعة صادقة ولذة استثنائية أثناء الكتابة. لذة لو اختبرها غيرنا لقاتلونا عليها. فشكرا لك يا أبي، لقد أورثتني أعظم المهن على الإطلاق

هناك أسباب عديدة فرضت على الكاتب هذه الوضعية، ومنها: استغلال دور النشر لمحبة الروائي لأعماله. حين تنظر لحال الناشر وحال الكاتب ستتعجب من الفارق المادي الكبير، فالثاني يعمل بلا مقابل والأول يحصل على كل مقابل مادي. وكأن الروائي نبي يدعو بلا أجر، حتى الأنبياء يحصلون على ثلث الغنائم، ومن يفز منهم في حروبه ينعم بالسلطة والجاه، أما الكاتب فلا. ثانياً؛ غياب النقد تماماً. هل يمكن أن تذكر أسماء لخمس نقاد عرب؟ أنا شخصياً لا أعرف هذا العدد من النقاد، حتى الإسمين أو الثلاثة الذين أعرفهم لا باع لهم في النقد.

أنا لا أعتبر نفسي كاتباً مهضوم الحق، أبداً. كل عمل أنجزته حصل على جائزة أو تقدير، كل الأعمال باستثناء روايتي الأخيرة. ومع ذلك لم أقرأ جملة واحدة في صميم تلك الأعمال، وهذا لا يعني أنه لم يُكتب عن تلك الأعمال، على العكس، لو جمعت ما كتب عن هذه الروايات لأصبح لدي مجلد ضخم، ضخم وبلا معنى حقيقي. فالنقد اليوم اقتصر على تلخيص القصة، أضف إلى ذلك سطحية القراءة والتحليل. ثالثاً؛ الجوائز العربية، والتي انتشرت في الفترات الأخيرة، تقدم لنا أعمالاً مميزة كل عام. لكن تشوبها السياسة، سواء كانت سياسة الدولة التي تحتضن الجائزة أو سياسة الجائزة نفسها. بعض الجوائز لا تعترف بفن النوفيلا مثلاً، وتحرص دائماً على أن تذهب الجائزة للرواية ذات الكعب الضخم، يعني من وجهة نظر هؤلاء أن أعمال عظيمة مثل الشيخ والبحر لهمنجواي، بيدرو بارامو لخوان رولفو، الغريب لألبير كامو، المسخ لكافكا، رجال في الشمس لغسان كنفاني، والطوق والأسورة ليحيى الطاهر عبد الله، ليست أعمالاً تستحق جوائزهم القيمة.

يقول همنجواي: "الرواية الجيدة تحتاج لمزيد من المجهود، مزيد من الحظ". المجهود قد يتكفل به المبدع. أما الحظ فهو عامل خارجي قد يأتي عن طريق ناقد متفتح يعيد اكتشاف النص، أو جائزة كبيرة تعمل على الترويج والترجمة مثلاً. ومع ذلك يبقى الروائيون أكثر حظاً من الشعراء، خاصة شعراء النثر. لديّ صديقة تعاني من كتابة النثر. تختار الكلمة وتضعها على ميزان في غاية الحساسية. تقطع قطعة من روحها مع كل قصيدة. وحين انتهت من ديوانها الأول لم تجد الترحاب اللائق من دور النشر. فمعظم دور النشر تهتم بنشر الروايات، حتى أنه لا يوجد جائزة محترمة معنية بشعر النثر. الشعراء أكثر بؤساً من الروائيين. لكن في النهاية كلنا في قارب المعاناة والعوز، يكفينا ما نجده من متعة صادقة ولذة استثنائية أثناء الكتابة. لذة لو اختبرها غيرنا لقاتلونا عليها. فشكرا لك يا أبي، لقد أورثتني أعظم المهن على الإطلاق، مهنة تحاكي ما يفعله الرب في عليائه، إنها الخلق ذاته.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard