"آخر العنقود"... عن لعنة الابن الأصغر

الأحد 4 أبريل 202109:52 ص

يذكرنا ما يشاع حالياً عن أزمة المملكة الأردنية، وخاصة ما يتعلق بالأخ الأصغر للملك عبد الله الثاني، الأمير حمزة، بلعنة الأخر الأصغر .

غالباً ما يفضل الآباء الابن الأصغر

صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يشفى وغائبهم حتى يعود"، تبدو هذه الحكمة شديدة المثالية وتهدف لنفي تفضيل ابن على آخر، لكن التاريخ، و(الإحصاءات أيضاً) تخبرنا شيئاً مغايراً تماماً، لكن هذه المقولة اللطيفة شديدة الوضوح، على الأقل في جزئها الأول، إذ غالباً ما يفضل الآباء الابن الأصغر على غيره من أخوته.

ينفي الآباء بالتأكيد هذه المقولة، لكنهم لا ينكرون وجود "روابط مختلفة" مع أحد الأبناء، والذي غالباً ما يكون الأصغر، أو وجود "مشاعر مغايرة للعادة"، لماذا؟ ما الذي يعنيه ذلك؟ هل لأنه الأضعف؟ لكنه يبقى مفضلاً حتى بعد أن يكبر. هل يكتشف الآباء أخطاءهم في التربية ومنح المشاعر للأخوة السابقين، فيقوموا بتعويض الحب مع "آخر العنقود"؟

 هل يكتشف الآباء والأمهات أخطاء التربية فيقوموا بتعويض الحب مع "آخر العنقود"؟

رغم أن البكورية تسيطر دائماً على القوانين التي تتعلق بتوزيع الإرث، خصوصاً الألقاب السيادية والملكية، ومرّت فترة ساد فيها منح الإرث المادي للابن الأكبر لمنع تفتت الأراضي وتحويلها إلى قطع صغيرة، في العصور الوسطى، ويحصل الأخوة الباقون على نصيب ضئيل من الإرث. 

إلا أن الطفل الأصغر كان دوماً يحتل موقعاً محبباً بالنسبة للوالدين، إذ غالباً ما تظهره الحكايات كشخص قريب للوالدين، يبقى معهم عند شيخوختهم ليعتني بهم، بينما يظهر الأخ الأكبر كشخص طماع، أناني، قصير النظر، وفي بعض الحكايات غير الطريفة، كزوج معدوم الشخصية يقوم بالاستماع لنصائح زوجته الشريرة. أما الأساطير الدينية فغالباً ما تتبع الترتيب العددي، فسام ابن نوح هو "أفضل" الأبناء، وهو الذي قام بتغطية عورة والده عندما كان مخموراً، بينما سخر منها الابن الثاني حام، وهو ما أورثه وذرّيته لعنة أبدية، أما أسوأ الأبناء فهو الأصغر، كنعان، الذي لم يصدّق والده عندما أُمر ببناء السفينة، فاستحق الغرق، حسب الرواية القرآنية للطوفان، فيبدو الابن الأصغر هنا متمرّداً، عاصياً، ورغم ذلك يحظى بعطف أبيه، الذي بقي يناديه ويستعطفه ليصعد معه.

 أسوأ الأبناء فهو الأصغر، كنعان، الذي لم يصدّق والده عندما أُمر ببناء السفينة، فاستحق الغرق، حسب الرواية القرآنية للطوفان، فيبدو الابن الأصغر هنا متمرّداً، عاصياً، ورغم ذلك يحظى بعطف أبيه، الذي بقي يناديه ويستعطفه ليصعد معه

في التاريخ الإسلامي وتعاقب الخلفاء على الإمارات المختلفة، غالباً ما كان يتم التخلّص من الابن الأصغر من قبل الأكبر، نظراً لما يمكن أن يشكله من تهديد على المُلْك واستمراره في أبنائه من بعده، ولنا في قصة المغيرة بن عبد الرحمن الناصر، أخي الخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر، الملقب بالمستنصر، ما يفيدنا في هذا الشأن، فالمستنصر بعدما أحسّ بدنو أجله أوصى بالبيعة لابنه هشام المؤيد، البالغ من العمر عشر سنوات فحسب، بالرغم من وجود المغيرة، البالغ من العمر سبع وعشرين عاماً، لكن لعنة الابن الأصغر طاردت المغيرة حتى تمّ قتله على يد الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، الموالي للابن هشام، عبر خنقه وتعليقه كالمشنوق، ليظهر الأمر كأنه انتحر لئلا يُجبر على مبايعة ابن أخيه هشام.

في التاريخ الإسلامي وتعاقب الخلفاء على الإمارات المختلفة، غالباً ما كان يتم التخلّص من الابن الأصغر من قبل الأكبر... عن لعنة "آخر العنقود" 

البنت الصغرى

لعنة الابن الأصغر لا تستقيم إلا مع الذكور، إذ هم من يقع عليهم عبء استمرار "الإرث والدم"، غالباً ما تذكر الحكايات البنت الصغرى بوصفها الأشد ذكاء وموهبة وجمالاً.

لكن، كأن لعنة الابن الأصغر لا تستقيم إلا مع الذكور، إذ هم من يقع عليهم عبء استمرار "الإرث والدم"، غالباً ما تذكر الحكايات البنت الصغرى بوصفها الأشد ذكاء وموهبة وجمالاً.

في أحد الحكايات التي جمعها الأخوان غريم، عن بنات الملك الثلاث اللواتي اختار الأب أن يختبر حبّهن له، فطلب منهن التعبير عن ذلك، أجابت الكبرى أنها تحب والدها أكثر من كل الذهب في الأرض، والوسطى بأنها تحبه أكثر من كل اللآلئ، بينما أجابت الصغرى أنها تحبه أكثر من الملح، في حكمة بعيدة النظر، لم يكتشفها الأب الغاضب بالطبع إلا بعد أن افتقد الملح في مملكته، وطردته ابنتاه اللتان قسّم المملكة بينهما، في هذه القصة يبدو بوضوح ذكاء البنت الصغرى وحكمتها البسيطة والصادقة، والتي عبّرت عنها بوضوح، إذ أنها لم تكن تظن أن الذهب واللآلئ هي أثمن ما في الدنيا لتقارب حبها لأبيها بهما، بل أضافت ما يعطي الطعم للعلاقات الأسرية، الاهتمام والحب.

وأيضاً في قصة أخرى وردت للراغب الأصفهاني، أنه كان لهمّام بن مرة ثلاث بنات لا يزوجهن من شدة غيرتهن عليهن، فاجتمعن واتفقن أن يفاتحنه بالموضوع خشية عدم الزواج، فلما جاء المساء جلست الكبرى قربه وقالت له: أهمّام بن مرّة حنّ قلبي/ إلى حمراء مشرقة القذال. فقال لها: تريدين ناقة؟ ومضى، فأخبرت أختيها، فقالتا لها: ما صنعت شيئاً. فما جاء اليوم التالي، اقتربت منه الوسطى وقالت له: أهمّام بن مرّة حنّ قلبي/ إلى ما تحت أثواب الرجال. فقال لها: تريدين سراويلاً؟ فلما أخبرت أختيها قالت الصغرى ما صنعتما شيئاً، أنا أعرف ما أخبره. فلما جاء اليوم التالي قالت له: أهمّام بن مرّة حنّ قلبي/ إلى أير أسدّ به مبالي. ففهم الأب وقال قاتلكن الله، وزوجهن.

في هذه الحكاية تبدو البنت الصغرى أشدّ إدراكاً لعدم جدوى "الكنايات" مع مراوغ مثل أبيها همّام بن مرّة، الذي يدّعي عدم الفهم، فاجتازت اللغة والتشابيه وقالت بوضوح ما تشتهيه، وأمام وضوح الخطاب والمطالب، لم يبقى للقناع الرمزي الذي اختفى خلفه الأب من قيمة، فكان لا بد أن يستجيب بوضوح لما طولب به بوضوح. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard