"الفوضى المرورية تهدد حياتنا"... عن حوادث السير المتكررة بمدينة المحلة الكبرى بمصر

السبت 3 أبريل 202104:27 م

عندما كانت إيمان عمارة، الفتاة العشرينية التي تعيش بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، تسير في طريقها بكل أمان للذهاب إلى العمل، تغير مسار حياتها فجأة ودون سابق إنذار.

حالة من الصدمة تكسر هذا الحاجز الآمن الذي رسمته حول طريقها لتتحول كل قوّتها لصرخات عالية لا تنقطع، بعد أن صدمتها سيارة تقودها سيدة منشغلة بأطفالها، وباللحظة ذاتها تحولت أقدام إيمان من خطوات نحو المستقبل لأقدام تُدهس أسفل عجلات السيارة.

في أحد شوارع منطقة أبو راضي بيوم 18 شباط/فبراير، ومع حالة الهلع التي أصابتها بعد مشاهدة تضخم قدمها، مع الأوجاع التي لا تحتمل، نُقلت إيمان للمستشفى، وبعد عناء شاق بمزيج من الآلام الشديدة، والتي كانت تزداد بمجرد محاولة الطبيب تحريك قدميها لالتقاط صورة الأشعة، وبين نظرات عائلتها وقلقها القاتل، تُصدم الفتاة مرة أخرى إذ يتوجب إجراء عملية عاجلة لتتمكن من السير مرة أخرى.

حالة إيمان ليست الأولى من نوعها ولا الأخيرة، في هذه المدينة التي كثرت فيها حوادث السير في الأشهر الأخيرة، فسبقتها حالة دهس وتكسير واجهة محل بحافلة قادها طفل صغير، وفاة أحد عمال التوصيل بعد أن صدمته سيارة مسرعة وبات يعرف باسم "شهيد لقمة العيش"، إصابة سائق توصيل إثر حادث تصادم سيارة مع دراجة نارية، إصابة سائق دراجة نارية إثر اصطدام سيارة به، أو حتى حوادث تصادم بين دراجات وعربات توكتوك. ومن أواخر هذه الحوادث، ذلك الذي أشارت إليه وسائل الإعلام مطلع الشهر الفائت، بأنه "أطاح بمستقبل ثلاث فتيات صدمتهن سيارة مسرعة ونقلن للمستشفى بحالة صحية صعبة للغاية".

أطلق أهالي المحلة الكبرى حملة "#مرور_المحلة_فين"، للتعبير عن رفض الفوضى المرورية التي باتت تهدد حياتهم.

إثر ذلك، أطلق الأهالي حملة على مواقع التواصل، مستخدمين الوسم "#مرور_المحلة_فين"، للتعبير عن حالة من رفض هذه الفوضى المرورية التي باتت تهدد حياتهم.


خمسون جنيهاً تتحكم في الأرواح

طرح الأهالي في حملتهم هذه عدة تساؤلات، سواء عن تواجد شرطة المرور للحفاظ على السلامة، أو عن كيفية حصول السائقين على رخص القيادة على أرض الواقع.

وضمن قواعد الحصول على تصريح القيادة بحسب القوانين المصرية، يجب ألا يقل عمر السائق عن 18 عاماً، مع ما يفيد الحصول على شهادة إتمام مرحلة دراسية أو شهادة محو الأمية، إضافة إلى إثبات اللياقة الطبية بموجب شهادتين من طبيبي باطنية وعيون.

والقاعدة الأهم، هي عدم الحصول على أي تصريح قيادة إلا بعد اجتياز الاختبارين النظري والعملي في القيادة وفي قواعد وآداب المرور.

لكن، وبسؤال بعض الحاصلين مؤخراً على رخصة القيادة بالمحلة الكبرى، تبين لنا ما يدور تفصيلاً، بداية من تقديم الطلب مروراً بالمدرسة الإجبارية للمتقدمين حتى اجتياز الامتحان المزيف.

في لقاء مع رصيف22، تحدث أ.م. عن مجريات تجربته داخل المرور: "في البداية، يتم التقديم على الرخصة ومدرسة القيادة مع الحصول على كتيب صغير لا يتم الرجوع إليه ولا أهمية له، ومن ثم تحديد موعد، ومن الكوارث أن تنسى وصل دفع رسوم مدرسة القيادة، فهي المتحكم الأول في الحصول على الرخصة أو عدمها".

ويتابع المتحدث: "بعد ذلك تبدأ الاختبارات، جزء منها إلكتروني والجزء الآخر عملي. بدأت بالإلكتروني وفي حقيقة الأمر لم ألمس الفأرة أو لوحة المفاتيح، فكان المتحكم شخصاً آخر يضع الإجابات بنفسه حتى يمر الاختبار بنجاح. بعد ذلك بدأت اختبار القيادة وكان هو الآخر شبيه الإلكتروني، فأمين الشرطة الجالس بجواري هو المتحكم الأول في قيادة السيارة".

وأكمل حديثه مضيفاً: "لم أكن أعرف حتى الفرق بين الفرامل و'الدبرياج'، لكن مبلغ خمسين جنيهاً كان قادراً على جعل المسؤول عن الأمر سعيداً جداً، فبعد أن يجتاز لك هو الاختبار بنفسه، يضيف ثناءً عليك للضابط المراقب حتى تحصل على امتياز بالقيادة، ولا يمكننا فعل غير ذلك، لأنه هو ذاته قادر على أن ينجحك أو يجعلك تعيد الاختبار عدة مرات دون جدوى".

وعلى نفس المنوال سار الاختبار مع آية مجدي، كما تحدثت لرصيف22، بعد حصولها على رخصة القيادة. تقول: "كوني فتاة جعل الأمور أسهل. كان الجميع متعاونين معي، فحصلت على الرخصة سريعاً، خاصة لأني اشتركت بالمدرسة الخاصة بالقيادة، ومن دونها لم أكن لأحصل على الشهادة، وقد يتم تأجيل الاختبار لأكثر من شهرين ومن ثم قد يكلل بالفشل، لتحكّم الشخص الذي يقود معنا السيارة أثناء الاختبار بكل أمور القيادة".


أطفال يقودون السيارات والدراجات

بسؤال رصيف22 لأحد أصحاب المحلات في الشوارع الرئيسية بالمدينة، ويدعى محمد حسن، عما يشاهده بشكل يومي، قال: "يومياً نرى أطفالاً بأعمار 14 و16 عاماً يقودون سيارات، وغيرهم يتباهون بالسير على سرعات عالية وكأنها كما يطلقون عليها 'روشنة' أي فرفشة وصياعة".

يشير رجل آخر، وهو أحمد إبراهيم، أحد العاملين بشارع تكثر فيه الحوادث، إلى أنهم "يتسابقون من فيهم الأسرع أو من سيكون صوت الفرامل الفجائية لعجلات سيارته أعلى من صديقه".

يومياً نرى أطفالاً بأعمار 14 و16 عاماً يقودون سيارات، وغيرهم يتباهون بالسير على سرعات عالية وكأنها كما يطلقون عليها 'روشنة' أي فرفشة وصياعة

وتضيف سنية حسن، وهي واحدة من الباعة الجائلين بشوارع المحلة الرئيسية: "لا يمر يوم أو اثنان دون حادث ولو كان صغيراً. أيضاً سائقو التوصيل 'الدليفري' والدراجات البخارية يقودون بسرعات عالية جداً يصعب تفاديها، فتتكرر الحوادث".

وتشير أمنية كمال، وهي سيدة عاملة بأحد المحال في المنطقة: "غالباً لا نسمع عن أي حادث إلا ويذكر اسم توكتوك ماراً من المكان أو متسبباً في الحادثة. لذلك يجب أيضاً تقنين أوضاعه مع ضبط الصغار الذين يقودون الدراجات البخارية بسرعات عالية".

ويوافقها في الرأي أدهم حسن، وهو أحد أصحاب السيارات الخاصة: "أهم شيء لدى سائق التوكتوك أن يمر أولاً وسريعاً، أياً كان ما سيحدث بعد أن يمر بتلك الطريقة الهوجائية".


الأرقام الرسمية: حوادث السير إلى انخفاض

تتباين الأرقام المتعلقة بحوادث السير في مصر من عام لآخر، وتتعدد أسبابها وفق التصريحات الرسمية.

وقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع عدد حوادث السير في مصر على الطرق خلال عام 2019 مقارنة بالعام الذي سبقه، وارتفاع نسبة الوفيات الناتجة عن هذه الحوادث بأكثر من 12%. ويتبين من خلال بيانات الجهاز أن السبب الأساسي لحوادث السيارات على الطرق هو العنصر البشري، إذ بلغت نسبته 79.7%، يليه العيوب الفنية في المركبة، ثم حالة الطرق.

وفي عام 2020، أوضحت وزيرة التخطيط في بيان رسمي انخفاض وفيات حوادث الطرق بنسبة 44%، مرجعة ذلك لارتفاع الاستثمار على الطرق والكباري، وتطبيق المواصفات الدولية في قطاع الطرق، ما ساعد في تحسين مسافات الرؤية للسائقين، مع تحسينات الإنارة والعلامات الاسترشادية، إضافة لتواجد محطات الإسعاف على الطرق.

ولكن رغم كل هذه الإجراءات التي تتحدث عنها الحكومة المصرية، ما زال هناك من يفقدون أراوحهم أمام منازلهم.

ويتساءل هنا أحد أقارب ضحايا الحوادث بالمحلة الكبرى، ويدعى كريم محمد: "هل تأمين الشوارع أمر صعب لدرجة أن يموت الشخص وهو ذاهب للسوبر ماركت؟ فمع جهود الدولة المبذولة لتحسين هيئة الطرق تأتي رخص القيادة الفاسدة، وعدم التواجد المروري بالشوارع ليضيع هذا الجهد، وبالنهاية هناك ضحايا يومياً، إذاً ما زالت المنظومة غير مكتملة".


حملات مرورية ومطبات

في لقاء مع رصيف22، تحدث المقدم أيمن مكاوي، رئيس مرور مدينة المحلة الكبرى، وقال: "السبب الرئيسي لتلك الحوادث هو السرعة الهائلة من السائقين أنفسهم باختلاف أنواع مركباتهم، إضافة لأن أعداد الحملات المرورية قد لا تكون كاملة في أغلب الأوقات بفعل المناسبات العامة أو العطلات، ولكن يتم الالتزام بتخصيص حملات مرورية للشوارع الرئيسية أو الهامة، مثل شارع شكري القوتلي (الذي شهد حادثة شهيد لقمة العيش)، فتتخصص الحملات له يومياً وخاصة يومي الخميس والجمعة، إذ تبدأ حملات مكثفة من الساعة 7 حتى 11 مساء، حفاظاً على الحركة المرورية ومنعاً للتزاحم بفعل التجمعات الشبابية".

هل تأمين الشوارع أمر صعب لدرجة أن يموت الشخص وهو ذاهب للسوبر ماركت؟ فمع جهود الدولة المبذولة لتحسين هيئة الطرق تأتي رخص القيادة الفاسدة، وعدم التواجد المروري بالشوارع ليضيع هذا الجهد، وبالنهاية هناك ضحايا يومياً، إذاً ما زالت المنظومة غير مكتملة

وبالسؤال عن الحلول المطروحة لتلك الأزمة أضاف مكاوي: "تشمل هذه الحلول إضافة المطبات للشوارع الرئيسية، وكخطة مستقبلية، قد يتم طرح انقسام الشارع لأكثر من حارة بدلاً من اتساعه الذي قد يؤدي هو الآخر لتلك الحوادث المتكررة، فيعيق المارة عن تخطيه بطريقة آمنة، ويساعد على زيادة السرعة، فضلاً عن عدم التزام السائقين بالاتجاهات الأساسية للقيادة أو لتقسيم الحارات الرئيسية بشكل عام".

وفيما يخص القيادة تحت السن أو بدون رخص قيادة، قال مكاوي: "لا تهاون مع أي شخص لا يحمل رخصة قيادة".

وبالتواصل مع رئيس مجلس المدينة اللواء حاتم زين حتى تتضح الصورة كاملة، سواء الأزمة نفسها أو الحلول المطروحة مستقبلاً، لم نحصل على رد رغم التواصل أكثر من مرة على فترات مختلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard