"حالة شاذة"... قصة مثيرة لأمريكية مسيحية انضمت وأطفالها إلى داعش في سوريا

الثلاثاء 30 مارس 202107:39 م

ما الذي يجعل أماً مسيحية أمريكية شابة ميسورة الحال تترك حياتها المريحة في ولاية إنديانا (غرب أمريكا) وتصطحب أطفالها، معرضةً إياهم للخطر، لأجل الانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي؟ ما الذي دار في ذهنها حين صوّرت ابنها البالغ من العمر تسع سنوات وهو يجمع الأحزمة الناسفة ويفككها ببراعة؟ ما الذي يضطرها إلى تفضيل البقاء في سوريا، حيث القتال والدمار حتى بعد سقوط التنظيم؟

شغلت هذه الأسئلة وغيرها فكر المخرج والصحافي الاستقصائي البريطاني جوش بيكر (31 عاماً)، وألهمته البودكاست الناجح "لست وحشاً" عن القصة المثيرة لسامانثا سالي، المعروفة أيضاً باسم سام الحسّاني (35 عاماً)، والصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي عبر قناة BBC و"FRONTLINE" على قناة PBS.

سبق أن غطّى بيكر مناطق صراع منها الضفة الغربية المحتلة، لكنه كاد يفقد حياته في انفجار أثناء تواجده بمدينة الموصل عام 2016، رفقة الجيش العراقي الذي كان يشن عملية لتحرير المدينة من داعش. أنتج آنذاك بالتعاون مع صحافي محلي فيلم "معركة الموصل"، لحساب صحيفة الغارديان البريطانية.

لم يعده إلى مناطق الصراع ثانيةً عقب إصابته العميقة، جسدياً ونفسياً، سوى قصة سام وأطفالها، وكانوا عالقين في سوريا برغبة الأم على ما بدا. أسهم تتبعه لقصة الأسرة الأمريكية في الكشف عن جوانب مثيرة للغاية. 

ما الذي دفعها لذلك؟

في البودكاست المكون من 10 حلقات حول القصة، عجز بيكر عن الوصول لدافع واضح وراء انتقال الأسرة إلى سوريا. في الحلقة الثانية مثلاً، عُرضت مقابلات أجراها بيكر مع مقرّبين إلى سام؛ قال بعض أصدقائها إنهم لا يستطيعون فهم دافعها للقيام بهذا التصرف غير المسؤول والخطير على حياة أطفالها الذين تحبهم أكثر من أي شيء آخر، فيما أرجع آخرون فعلها إلى "الجانب المغامر" في شخصيتها.

تبنت طفلاً أيزيدياً واعتنت بمسترقة جنسياً امتلكها زوجها… تفاصيل مثيرة في قصة أمريكية سافرت وأطفالها مع زوجها إلى سوريا لأجل الانضمام لداعش

ولفت والدها إلى أنها كانت "متمردة دائماً" وعرّضها ذلك لمشاكل في كثير من الأحيان. في حين زعم زوجها السابق خوان، والد أكبر أطفالها ماثيو، أنها "متلاعبة" و"تستخدم جمالها وعقلها للحصول على ما تريد". 

وانفصل خوان وسام عندما كان ماثيو صغيراً جداً، ثم تزوجت عام 2012 من موسى الحسّاني الذي أنجبت له بنتاً في الولايات المتحدة، ثم اثنتين أخريين بعد المغادرة إلى سوريا.

قال بيكر إنه لم ير نمطاً مشابهاً لما فعلته سام، برغم أنه كتب سابقاً قصصاً عن أوروبيين انضموا إلى داعش. وشرح: "إنها حالة شاذة. حتى مكتب التحقيقات الفيدرالي لا يمكنه إثبات أنها انضمت إلى داعش بسبب دوافع أيديولوجية".

ملاك أم شيطان؟

بعدما عرف بيكر لأول مرة بقصة سام وأسرتها، ظلّ لأشهر يبحث عما إذا كانوا على قيد الحياة. كانت آخر أدلة على حياتهم بعض الرسائل الصوتية من سام لأختها لوري، وشريط فيديو دعائي لداعش استُغل فيه الطفل ماثيو لتهديد الرئيس الأمريكي -آنذاك- دونالد ترامب، بشن حرب محتملة من داعش على الأراضي الأمريكية، بسبب تصرفات الولايات المتحدة ضد التنظيم. وافتُرض أنهم قتلوا في إحدى الهجمات العسكرية الأمريكية.

بعد ثمانية أشهر من البحث، حدث اختراق في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017، حين صادف بيكر مقطع فيديو يظهر فيه نساء وأطفال ينزلون من شاحنة تابعة للقوات الكردية، التي تمكنت من دحر داعش وأسرت بقايا مقاتليه وعوائلهم. اعتقد أنه شاهد سام وأطفالها في حالة بائسة لكن أحياء.

سافر الصحافي البريطاني إلى سوريا واستغرق الأمر 10 أيام حتى عثر على سام في قاعدة عسكرية تسيطر عليها ميليشيات سورية. قال بيكر إنه فور دخول الأسرة الأمريكية عليه، اقتربت منه أصغر طفلات سام وعانقته وهمست في أذنه: "أبي مات".

اندهش بيكر من فعل الطفلة، لكنه رجح أنها أقدمت على ذلك ربما لأنه كان "أول رجل غير مسلح رأته طوال العام ويتحدث لغتها الأم".

إلى ذلك، أُعجب بيكر بماثيو بشكل خاص. قال إن الصبي البالغ الآن 13 عاماً، يتمتع بذكاء عاطفي رائع، حيث كان "يعي توازن القوى بين البالغين في الغرفة، وما يحتاجون إليه. لقد أذهلتني قدرته على فهم من كان أهم شخص في الغرفة. أعتقد أنه من الآثار الجانبية للعيش في بيئة يمكن أن تُقتل فيها إذا فُهمت بشكل خاطئ".

رفضت العودة لأمريكا حتى لا تُفصل عن أطفالها الذين تحبهم أكثر من أي شيء. وعقب إعادتها، حُكم عليها بالسجن 78 شهراً، وثلاث سنوات من الإفراج المشروط لأنها "أدارت ظهرها لبلدها لدعم منظمة إرهابية" 

في تلك المقابلة، كشفت له سام بعض خفايا قصتها؛ أخبرته كيف كان زوجها موسى يسيء معاملتها، وكيف خدعها للعبور إلى سوريا من تركيا، وكيف تعرضت للتعذيب من مقاتلي التنظيم الذين ظنوا أنها جاسوسة. وذلك علماً أن بيكر، في "لست وحشاً"، قدم العديد من الشهادات والأدلة على أن سام كانت تعرف بالضبط ما سيحدث، بل واحتفظت بصندوق ودائع آمن في هونغ كونغ حولت منه الأموال إلى داعش.

للحصول على صورة كاملة، سافر بيكر مرات إلى سوريا حتى بعد نقل سام وأطفالها إلى أمريكا عام 2018. التقى جيرانها السابقين الذين أقسموا أنها لم تكن تدعم داعش. وزار السجن الذي قالت سام إنها تعرضت للاحتجاز والتعذيب على أيدي مسلحي التنظيم فيه أثناء حملها. 

كما عثر على "أيهم"، الصبي الأيزيدي البالغ من العمر ثماني سنوات الذي تبنته الأسرة. دُهش بيكر حين علم أن سام كانت الأم الوحيدة التي يمتلكها هذا الصبي، بنفس درجة صدمته حين التقى في مخيم للاجئين بالعراق شابة أيزيدية تُدعى سعاد، كان موسى، زوج سام، قد اشتراها ليستغلها جنسياً وهي مراهقة. قالت سعاد إنها تشعر بأنها مدينة بحياتها لسام التي اعتنت بها.

برغم ذهابها إلى الجحيم وعودتها منه، حافظت سام على هدوئها، حسبما أظهرت مقابلاتها مع بيكر. وعقب إعادتها إلى أمريكا، أثبت تقييم نفسي أنها لا تعاني أي اضطراب في الشخصية عدا اضطراب ما بعد الصدمة.

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وكجزء من صفقة للاعتراف بالذنب، حُكم على سام بالسجن 78 شهراً بالإضافة إلى ثلاث سنوات من الإفراج المشروط لأنها "أدارت ظهرها لبلدها لدعم منظمة إرهابية"، عقب اعترافها بالقيام برحلات متعددة إلى هونغ كونغ لتهريب عشرات الآلاف من الدولارات والذهب، مع علمها أن الأموال ستستخدم لدعم داعش في سوريا.

خلال الحلقة الأخيرة من بودكاست بيكر، وقد بلغت مدتها 30 دقيقة ونُشرت الشهر الماضي، ركز الصحافي البريطاني على إعادة تأهيل سام وأطفالها مع الحياة في أمريكا. يعيش ماثيو مع والده خوان الآن، فيما شقيقاته الثلاث مع والدي سام.

بالإضافة إلى البودكاست، أصدر بيكر أيضاً فيلماً وثائقياً بعنوان "العودة من داعش"، العام الماضي، استناداً إلى القصة ذاتها. قالت سام في الفيلم إنها لا ترغب في العودة إلى أمريكا، وأعربت عن تخوفها من أن تفصلها الحكومة الأمريكية عن أطفالها الذين لم تفعل شيئاً سوى "الخوف عليهم".



لكن بيكر يخطط حالياً لإنتاج حلقة "إضافية" من "لست وحشاً"، ستتضمن معلومات لم يكن قادراً على استيعابها في الحلقات السابقة. ربما تزيل الحلقة الجديدة مزيداً من الغموض حول القصة المثيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard