بأساليب مختلفة... سعي النظام المصري إلى إحكام السيطرة على المجال الإعلامي مستمر

الأربعاء 24 مارس 202106:55 م

"سيدي.. لا يوجد مَن نقرأ له مقالاً في صحافتنا المصرية هذه الأيام.. بيانات ومنشورات وحسب، لا يوجد برنامج تلفزيوني واحد مقنع نلتفّ حوله ونتابعه، كلها نسخ كربونية في المقدمات وطرق الإقناع وأساليب التقديم.. إعلامنا يا سيدي لا يتحدث إلا لك، ولا يعنيه سوى رضاك.. ولذلك فَقَد كل شيء".

هذه كلمات كتبها أستاذ الإعلام ورئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور أيمن منصور ندا، الفائز بجائزة الدولة التشجيعية في الإعلام، في الـ18 من آذار/ مارس 2021، عبر حسابه على فيسبوك، متحدثاً عن المقدم أحمد شعبان باعتباره "أقوى رجل في المنظومة الإعلامية (والسياسية) في مصر".

لم يستمر نشر هذا المقال طويلاً، فقد حذف ندا منشوره وكتب بياناً بعد يومين يعتذر فيه لأفراد القوات المسلحة، وللعاملين في جهاز المخابرات، لكن بعض المواقع الإلكترونية والحسابات أعادت نشره.

في مقاله المحذوف والذي حمل عنوان "رسالة مفتوحة إلى رئيس تحرير مصر"، قاصداً شعبان، تحدث الأكاديمي المصري عن أدوار المقدَّم في الساحة الإعلامية وقال إن "صلاحياته لا حدود لها، وقراراته لا معقب عليها"، و"بطشه شديد.. وعقابه أليم.. لا شريك له.. أحد أحد.. يعزّ مَن يشاء، ويذل مَن يشاء.. يهب الملك والنفوذ لمَن يشاء، وينزعه ممَّن يشاء.. وهو على كل شيء قدير".

وبرز اسم الضابط في المخابرات العامة أحمد شعبان في السنوات الماضية، بوصفه أحد مهندسي ملف الإعلام في مصر. لا معلومات كثيرة متوافرة عنه في الصحف ووسائل الإعلام المصرية، وعادة ما يُذكر اسمه همساً.

تواصل رصيف22 مع الدكتور أيمن ندا، إلا أنه أبدى رغبةً في عدم التعليق.

فصل جديد من الاستحواذات؟

في سياق محاولات السيطرة على المجال الإعلامي، تناولت تقارير صحافية مؤخراً "أنباءً" عن صفقة استحواذ على صحيفة "المصري اليوم"، أقدم الصحف المستقلة في مصر. بعضها تحدث عن أن العملية هي لصالح إحدى "الجهات السيادية" دون أن يتمكن من تحديد هوية الشاري، وبعضها الآخر تحدث عن "أجهزة المخابرات المصرية" بالعامّ. كل ناقلي الخبر لم يتحدثوا عن صفقة تمت بحرية بل عن إجبار مالكها، رجل الأعمال صلاح دياب على بيعها.

وأتى ذلك بعد أيامٍ من إعلان عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس حزب مستقبل وطن محمد منظور، الرجل المقرّب من النظام المصري، عن شرائه لقناة المحور، أقدم القنوات التلفزيونية الخاصة.

وأفادت مصادر مُطّلعة، رفضت الكشف عن هويتها، لرصيف22 بأن ضغوطاً أمنية لاحقت رجل الأعمال صلاح دياب للتنازل عن حصته في المصري اليوم، والبالغة 55%، لكنّها لم تؤكد أن عملية البيع تمّت ولا أن هنالك عملية في طور المفاوضات. وحتى كتابة هذه السطور، لم تحدث أية تغيرات في مجلس إدارة الصحيفة، ولم يأتِ المشتري لاستلام المقرّ، لكن أحداً لم ينفِ الأخبار المتداولة عن بيع الصحيفة.

وقصة استحواذ الأجهزة الأمنية المصرية على وسائل الإعلام شديدة التعقيد وليست جديدة. ففي أيار/ مايو 2016، بدأت شركة "إعلام المصريين" التابعة للمخابرات العامة في بسط نفوذها على السوق الإعلامي. وخلال شهور قليلة باتت تمتلك محطة "أون تي في"، ومواقع اليوم السابع، صوت الأمة، دوت مصر، وبعدها بثلاث أعوام تقريباً نجحت في الاستحواذ على قناة CBC.

ومن جانب آخر تحركت المخابرات على استحياء عبر شركة D Media التي استحوذت على قناة DMC، موقع مبتدأ، ومحطة 9090. لكن الإخفاقات المتتالية التي منيت بها الشركة تحت إدارة ضابط المخابرات الحربية السابق طارق إسماعيل، أطاحت به من منصبه في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 وتقرر بعدها تقليص حجم الشركة بإغلاق قنوات الرياضية، والأخبار، والإبقاء على القناة العامة فحسب.

وبذلك، أصبح الملف الإعلامي بمحطاته التلفزيونه ومواقعه الصحافية ملكاً خالصاً للمخابرات العامة، باستثناء قلّة هنا وهنالك.

"السيسي صدّر نفسهُ كواجهة لكافة المشروعات الجارية في مصر وهو يدرك أن السماح بطرح الآراء المختلفة يعني النقد والمساءلة... وهذا أمر لا يقبله جنرال... وبالتالي فإن مسألة السيطرة على المعلومة أصبحت مسألة حياة أو موت"

وكانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قد حذّرت، في أيلول/ سبتمر 2018، من سيطرة المخابرات على وسائل الإعلام في مصر، وقالت إن "رجال المخابرات أقرب إلى وسائل الإعلام من أي وقت مضى".

ويُجمع الحقوقيون المستقلون على تردي وضع الحريات الإعلامية والحريات بشكل عام في مصر. واتهمت "مراسلون بلا حدود" في تقرير نشرته في كانون الثاني/ يناير الماضي النظام المصري بفرض "قبضة من حديد على الصحافيين ووسائل الإعلام"، معتبرة أن "لا خيار أمام الصحافيين الذين يئنون تحت وطأة القمع سوى الصمت ونقل الرواية الرسمية، وإلا فمصيرهم الاتهام بتهديد استقرار الدولة والزج بهم في السجون".

تعليقاً على "الأنباء" عن الاستحواذ على "المصري اليوم"، كتبت الكاتبة والصحافية مي عزام على فيسبوك أن "الإعلان عن بيع جريدة المصري اليوم وقناة المحور، هو بمثابة تفسير للتضييق الذي طال كتّاب داخل الصحيفة، وأنا واحدة منهم".

وكانت عزام تنشر مقالاً أسبوعياً على صفحات جريدة المصري اليوم منذ 2010 وحتى شباط/ فبراير الماضي.

وأضافت: "مبروك على النظام.. كل الصحف ومعظم القنوات الفضائية تحت تصرفه الآن، لقد امتلك الجزرة والعصا، ولعل الخطوة القادمة بعد تأميم الصحافة والإعلام هي سن قوانين لتنظيم النشر على مواقع التواصل الاجتماعي".

"تغوّل الأمن أصبح فجّاً"

يبدي الناشر والصحافي هشام قاسم، العضو المنتدب الأسبق لصحيفة "المصري اليوم" وأحد مؤسسيها، دهشته من شراء صحيفة لا تغرّد في الأساس خارج السرب، على حد وصفه.

ويقول لرصيف22 إن "مظاهر انفلات الأجهزة الأمنية وتغوّلها في الملف الإعلامي، أصبح فجاً إلى درجة أن صحيفة تعرّض مالكها للسجن ولم تستطع أن تنشر خبراً حول أسباب إلقاء القبض عليه".

وبحسب متابعين، تعرّض صلاح دياب لضغوط عديدة على مدار السنوات الماضية لبيع حصته في صحيفة "المصري اليوم"، كان من بينها حبسه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، على خلفية اتهامات بالفساد قبل أن يحصل على حكم بالبراءة في أيلول/ سبتمبر 2017، واعتقاله في أيلول/ سبتمبر الماضي بدعوى تورطه في مخالفة بناء في مصنع تابع له.

صلاح دياب

برأي هشام قاسم، "لا جدوى إعلامية ولا اقتصادية واضحة وراء شراء المزيد من الصحف ووسائل الإعلام، والهدف الوحيد الواضح هو التوسع في السيطرة على الإعلام"، لافتاً إلى أن هذه الوسائل في الوقت الحالي لا تساوي أيّة قيمة اقتصادية وأغلبها مُثقل بالديون.

ويتساءل قاسم: "لمّا كانت هذه الوسائل دون جدوى تجارية ولا تملك حصة حقيقية من السوق الإعلامي، فهل نحن أمام اغتصاب ملكيات خاصة لحساب أفراد داخل الأجهزة الأمنية؟ يُلقى بالمالك في السجن حتى يوقع عقد بيع بثمن بخس؟".

"مظاهر انفلات الأجهزة الأمنية وتغوّلها في الملف الإعلامي (في مصر)، أصبح فجاً إلى درجة أن صحيفة تعرّض مالكها للسجن ولم تستطع أن تنشر خبراً حول أسباب إلقاء القبض عليه"

يعتقد قاسم أن رؤية النظام بشأن الملف الإعلامي أثبتت فشلاً ذريعاً، لأن الزمن حالياً يتجاوز وسائل الإعلام التقليدية، و"محاولة (الرئيس المصري عبد الفتاح) السيسي استنساخ تجربة (الرئيس المصري الأسبق جمال) عبد الناصر لن تنجح".

وكثيراً ما عبّر السيسي، في أكثر من مناسبة، عن تقديره لتجربة عبد الناصر في ملف الإعلام.

وعن سؤال عمّا إذا كان يرى أيّة محاولات للإصلاح داخل الحقل الإعلامي، أجاب قاسم: "الإعلام تحوّل إلى خرابة غير قابلة للإصلاح وسيستلزم الأمر إعادة بنائه بأيادي المهنيين عندما تنزاح هذه الغمة"، مضيفاً أن تغول الأجهزة الأمنية هو مسألة وقت، و"لن يستمر طويلاً قبل أن تفقد السلطة المركزية السيطرة على أجهزتها بعد تكرار دهسها للقوانين، وعندئذ ستدفع ثمن إزدرائها لسلطة القانون والحكم الرشيد".

ماذا بعد؟

يعتبر الأكاديمي والأستاذ السابق في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية حسن نافعة أنّ حالة التردّي التي وصل إليها الإعلام المصري تفتحُ باباً للتساؤل: ماذا بعد؟

يلفت نافعة إلى أن التوسع في السيطرة على كل الوسائل الخاصة، رغم مهادنتها، "يُفسّر حالة من عدم الاطمئنان بين النظام ورجال الأعمال، وبالتالي لا يُسمح لهم بامتلاك أذرع إعلامية".

ويضيف لرصيف22 أن "السيطرة الأمنية على المشهد الإعلامي ليست سوى وهم، فبمجرد الاستحواذ تتحول المؤسسة الإعلامية من كونها وسيلة فعالة إلى وسيلة مُعطَّلة مُقيّدة بالمحاذير، ولا تعود تؤدي دورها الذي كان من قبل، وبهذا فأنت تخسرها قبل أن يخسرها صاحبها"، محذّراً مما يُسببه ذلك من إخفاق لصناعة الإعلام في مصر.

من جانبه، قال أستاذ الإعلام الممارس في الجامعة الأمريكية في القاهرة سابقاً حافظ الميرازي إن الأزمة في المشهد الإعلامي المصري تجاوزت مفهوم المصداقية والمهنية إلى حد رداءة مستوى الخدمة الإعلامية وكذلك القائمين على تقديمها.

واستبعد الميرازي المقيم في واشنطن أيّة آمال متعلقة بإصلاح الملف الإعلامي في مصر، وقال لرصيف22: "الإصلاحات تعني فتح المجال العام وطرح النقاش المجتمعي، وهذا ما لن يسمح به النظام الحالي".

ودأب الرئيس المصري على انتقاد الإعلام المصري، في تصريحات عبّرت عن عدم رضاه عن دور الإعلام والإعلاميين.

يعتبر الميرزاي أن "السيسي صدّر نفسهُ كواجهة لكافة المشروعات الجارية في مصر وهو يدرك أن السماح بطرح الآراء المختلفة يعني النقد والمساءلة حول تمويل المشروعات والإنفاقات وماهيتها وكيفيتها، وهذا أمر لا يقبله جنرال، يتباهى بأنه ليس سياسياً، وبالتالي فإن مسألة السيطرة على المعلومة أصبحت مسألة حياة أو موت، لدرجة لم يعد ينفع معها إصلاح".

وبرأيه، يعتقد السيسي أن هامش الحرية الذي سمح به الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك هو الذي فجّر الثورة وبالتالي أصبح من الصعب عليه شخصياً التراجع عن القرارات التي اتخذها.

ويشير الميرازي إلى صعوبة التنبؤ بالحال التي يمكن أن يكون عليها الإعلام في المستقبل المنظور، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن "التعامل العنيف من الدولة ضد الصحافيين يدفعهم دفعاً للتطرف في المعارضة".

"حاجة إلى توحيد الصف"

في مقاربة أخرى لما يجري، تعتبر الكاتبة والروائية والعضوة في لجنة الإعلام في مجلس النواب المصري ضحى عاصي أن الإدارة المصرية الحالية تولّت زمام الأمور في الوقت الذي كانت معه المؤسسات الإعلامية والثقافية في مصر تعاني إهمالاً شديداً على كافة الأصعدة.

وتقول لرصيف22 "إن تقييم الملف الإعلامي بمعزل عن السياق الزمني التي كانت فيه البلاد تُعاني من هجماتٍ إرهابية، إضافة إلى استقطاب حاد في أعقاب الثورة، يُعَدّ رؤية قاصرة". فبرأيها، كانت الإدارة السياسية بحاجة إلى توحيد الصف لإعادة البناء، وهو ما يستلزم وقتاً طويلاً.

وعن صفقات الاستحواذ المتعلقة بشراء أو بيع وسائل إعلامية، تؤكد عاصي أنها لم تُطرح في أي وقت من الأوقات على جدول أعمال لجنة الإعلام النيابية، مُعبرة في الوقت نفسه عن مخاوف من "احتكار المحتوى الإعلامي لصالح شركة واحدة".

وعلم رصيف22 من أكثر من مصدر مُطّلع داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، رفضوا الكشف عن أسمائهم، أن أعمال صيانة وتجهيز تجري داخل استوديوهات كانت تابعة لقنوات DMC، استعدداً لتدشين محطة تلفزيونية جديدة.

وتسعى مصر لإطلاق قناة فضائية تخاطب الرأي العام خارج مصر، لكنّ ثمة عقبات متعلقة بالتمويل.

واعتبر مسؤول داخل المنظومة الإعلامية المصرية أنّ هذه الخطوة ربما ستتبلور في المدى القريب في استراتيجية واضحة، خاصة في ظل انتقادات وزير الخارجية الأخيرة.

وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري قد قال في وقت سابق من آذار/ مارس الحالي إن مصر بحاجة "لآلة إعلامية نافذة تستطيع الوصول للآخرين وتكون مؤثرة وهذا يحتاج لجهد وإمكانيات".

وجاءت هذه التصريحات في أعقاب بيان أصدره مجلس حقوق الإنسان ووقعت عليه 31 دولة يدين الانتهاكات الجسيمة للحقوق والحريات في مصر، البلد الذي وصفته منظمة العفو الدولية سابقاً بأنه "سجن مفتوح للمنتقدين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard