توسيع رقعة الشطرنج... مستقبل الردع والردع المضاد بين واشنطن وطهران

الخميس 4 مارس 202111:06 ص

يقول دكتور سترانجلوف في فيلم ستانلي كيوبريك "كيف تعلّمت أن أتوقف عن الخوف من القنبلة وأن أحبها" (1964): "الردع هو فن إنتاج الخوف من الهجوم في ذهن عدوك". لكن الأمور على الأرض ليست بهذا التبسيط. فحتى بعد إنتاج الخوف المتبادل بين الأطراف، يحاول كل طرف التحايل على هذا الخوف لترهيب خصمه بأقل الأضرار الممكنة. فكيف تحاول كل من الولايات المتحدة وإيران التحايل على الخوف المتبادل في صراعهما حتى لا تنزلق المواجهة بينهما إلى تصعيد يرغب الطرفان في تجنبه؟

رسمت عملية استهداف مطار أربيل من قبل ميليشيا عراقية مقرّبة من إيران، والرد الأمريكي في البوكمال السورية تصوّراً لمستقبل الردع والردع المضاد بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وطهران.

فبعد عشرة أيام فقط من استهداف مطار أربيل، قررت الولايات المتحدة الرد في منطقة البوكمال، داخل الأراضي السورية، على الحدود العراقية، في 25 شباط/ فبراير. فما مستقبل توازن القوى بعد العمليتين؟ وهل تنجح إيران في خلق واقع جديد تجبر من خلاله الولايات المتحدة على الانسحاب من مناطق تأثيرها في المنطقة لتسيطر على العراق من خلال المليشيات التابعة لها؟ أم أن الولايات المتحدة استطاعت توسيع مناطق الاستهداف الإقليمية بحيث تستهدف إيران وأذرعها في نقاط بعيدة عن المناطق المتوقعة؟

أولاً: الجهود الإيرانية لاحتواء الردع الأمريكي

1ـ دولة الميليشيات أم دولة العراق؟

ترسخت فكرة الميليشيا الموازية للدولة في العراق منذ الأيام الأولى لظهور النظام العراقي الحالي، لكنها تأكدت بعد ظهور ما يُعرف بالهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية، وهي تنسيقية تضم ثلاث ميليشيات شيعية مسلحة: كتائب حزب الله العراق التي تتّبع إيديولوجيا فكرة ولاية الفقيه بولاء إيراني كامل، وكان مؤسسها أبو المهدي المهندس عضواً في الحرس الثوري الإيراني؛ وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي التي تشير تقارير إلى تدريبها وتمويلها تحت رعاية فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني؛ وحركة النجباء بقيادة أكرم الكعبي الذي أعلن أنه على استعداد للقتال ضد حكومة بلاده نفسها والإطاحة بها إذا ما طلب منه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ذلك.

ورغم الولاء للفقيه الإيراني أو التنسيق مع القادة العسكريين الإيرانيين، إلا أن هذه الفصائل هي في الأساس فصائل عراقية ترفع شعار المقاومة. وفي حين أنها لا تنسق بشكل كافٍ مع الحكومات العراقية، تنسق بشكل كبير مع إيران لدرجة أنها أوقفت كل عملياتها في الفترة الأخيرة من حكم الإدارة الأمريكية السابقة، خوفاً من ضربة أمريكية قوية لإيران في أيام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأخيرة.

تتبنى هذه التنسيقية أجندة تتعارض في كثير من الأحيان مع أجندات الحكومات العراقية وتخلق لها أزمات في قدرة الدولة على إنفاذ القانون، وتستفيد من شعار المقاومة لإضعاف الدولة وخلق مراكز صنع قرار بعيدة عن الحكومة وكسر احتكار الحكومة للسلاح وتوزيع المناصب الحكومية على الموالين أو حتى جمع الضرائب، ما يجعلها تفرض شروطاً على الحكومة، أو تتعقب المتظاهرين السلميين الذين يتظاهرون ضد الفساد الطائفي، أو تغتال ناشطين ينتقدون إيران دون خوف من ملاحقات قانونية، نظراً لسيطرتها على أدوات القوة والقمع.

هي حالة تحاول فيها إيران استنساخ حزب الله اللبناني في المشهد العراقي وقد نجحت في ذلك بشكل كبير.

يخلق هذا المشهد الضبابي أزمة كبيرة للولايات المتحدة إذا ما نفّذت هذه الميليشيات عمليات ضد مصالحها في العراق أو ضد حلفائها الإقليميين. فكون هذه الميليشيات عراقية، وبما أن أعضاءها من الشيعة العراقيين فإن أي استهداف لها يضعف الموقف الأمريكي في العراق ويستدرج المزيد من الغضب على الوجود الأمريكي لدى الرأي العام العراقي المستنفر من تحويل بلده إلى ساحة قتال بين أمريكا وإيران.

وكان استهداف الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني ولقائد كتائب حزب الله العراق أبي المهدي المهندس على الأراضي العراقية قد أدى إلى إحساس متزايد بالغضب ضد الوجود الأمريكي بين العراقيين.

هذا الوضع سهّل على إيران استخدام هذه الميليشيات للقيام بعمليات ضد المصالح الأمريكية وضد الناشطين العراقيين على حد سواء، دون أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك، بل إن أي رد من الولايات المتحدة ضد ذلك الاستهداف ربما يأتي بنتائج عكسية.

2ـ سيولة المسميات وشبكات التضليل

زادت سيولة المسمّيات من تعقيد الشبكة الإيرانية. هو تكتيك تستخدمه الميليشيات المدعومة من إيران، إذ تنشطر إلى أكثر من تنظيم يحمل أكثر من اسم. ففي حين أعلن تنظيم يسمّي نفسه "سرايا أولياء الدم" مسؤوليته على هجوم كبير مثل هجوم أربيل، انتشرت مسميات كثيرة لميليشيات وسرايا تقوم بعمليات ثم تختفي.

في حين أعلنت كتائب حزب الله العراق هدنة مشروطة مع الولايات المتحدة، تحرّكت سرايا تسمي نفسها "قاصم الجبارين" لتستكمل العمليات. نفس التكتيك استُخدم بظهور ميليشيا جديدة مثل "عصبة الثائرين"، و" وأصحاب الكهف": تقوم بعمليات ثم تختفي

فقد ظهرت العديد من هذه المسميات التي لا تعلن عن انتماء إيديولوجي ولكن تظهر تبعيتها من خلال العمليات على الأرض. ففي حين أعلنت كتائب حزب الله العراق هدنة مشروطة مع الولايات المتحدة، تحرّكت سرايا تسمي نفسها "قاصم الجبارين" لتستكمل العمليات. نفس التكتيك استُخدم بظهور ميليشيا جديدة مثل "عصبة الثائرين"، و" وأصحاب الكهف"، وغيرها: تقوم بعمليات وتعلن عن المسؤولية ثم تختفي أو تتراجع وتظهر أسماء جديدة.

في ظل حالة السيولة الشديدة للمسميات هذه، يصعب على الحكومة العراقية والولايات المتحدة وحلفائها تحميل أي مسؤولية لأي طرف. فالأطراف الرئيسية تعلن عدم مسؤوليتها والأطراف التي تعلن المسؤولية لها حضور إعلامي مؤقت أكثر من حضورها الفعلي على الأرض.

3ـ يتكلمون فرادى ويتحركون سوياً

تُظهر إيران قدرة كبيرة على تحريك ميليشياتها ضد الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة بصورة منسقة تماماً. وتظهر السعودية المتورطة في حرب في اليمن كمثال على ذلك. ففي حين تواجه الحوثيين في اليمن، يتم الهجوم عليها بصواريخ بدائية ومسيّرات إيرانية بهجمات منسقة ومخطط لها من اليمن، أو من العراق أو حتى من سوريا. وتوزّع إيران الأدوار في تحمل المسؤوليات.

ففي أيلول/ سبتمبر 2019، تحمل الحوثيون مسؤولية هجوم على مصافي النفط السعودية أتى من الشمال لا من الجنوب. ومؤخراً، أعلنت ميليشيا عراقية تطلق على نفسها اسم "ألوية الوعد الحق" المسؤولية عن هجوم آخر بمسيّرات على المملكة في 23 كانون الثاني/ يناير 2021 استهدف قصر اليمامة الملكي في العاصمة الرياض، وتوعدت الميليشيا بمزيد من الهجمات على الولايات المتحدة وشركائها.

قررت الولايات المتحدة الاستفادة من الميزة النسبية التي صنعتها إيران لنفسها وهي الانتشار الجغرافي لأماكن توزيع أذرعها. فكما أن إيران تستخدم أي من هذه الأذرع كمنصات هجوم من أي مكان، تؤكد واشنطن أن الرد قد يأتي في أي مكان فيه تواجد إيراني

تتحرك الميليشيات المدعومة من إيران سوياً لتنفيذ ضربات منسّقة على خصوم إيران، ووفقاً لأجندة إيرانية لا محلية، إذ إن مصلحة إيران تأتي في المقدمة حتى لو تعارضت مع المصالح المحلية. وتتحرك في بقعة جغرافية كبيرة يمكن أن تشتت خصومها. فالهجمات يمكن أن تأتي من الجنوب أو الشمال، وبدعم لوجستي من شبكة معقّدة تمتد من إيران نفسها إلى لبنان، العراق، سوريا، واليمن.

كل ذلك جعل ردود الولايات المتحدة على هجوم أربيل تبدو معقدة وتحتاج إلى حلول مختلفة عن الحلول التقليدية وميادين جديدة غير العراق نفسه.

ثانياً: الجهود الأمريكية للحفاظ على الردع

تريد الولايات المتحدة أن تنفّذ هدفين في ما يتعلق بعلاقتها مع إيران: الأول، حفاظها على قنوات تواصل دبلوماسي لإعادة الاتفاق النووي مع إيران مرة أخرى وذلك لمنعها بالجهود الدبلوماسية من امتلاك سلاح نووي؛ والثاني، الحفاظ على قدراتها على الردع العسكري ومصداقية هذا الردع بعمليات عسكرية محدودة لكن مؤثرة لكي تحتوي إيران وتمنعها من تصعيد الهجمات العسكرية القاتلة.

1ـ توسيع رقعة الشطرنج

أظهرت عملية البوكمال أن الولايات المتحدة تهدف إلى توسيع رقعة المواجهة مع تقليل الأَضرار الجانبية. فقد نفّذت ضربة محدودة تستهدف ميليشيا شيعية عراقية مدعومة من إيران لكن ليس على الأراضي العراقية، وذلك لكي تتجنب الثمن السياسي لغضب العراقيين.

أرادت الولايات المتحدة من توسيع رقعة المواجهة أن تستفيد من الميزة النسبية التي صنعتها إيران لنفسها وهي الانتشار الجغرافي لأماكن توزيع أذرعها. فكما أن إيران تستخدم أي من هذه الأذرع كمنصات هجوم من أي مكان، تؤكد الولايات المتحدة بضربتها الأخيرة أن الرد سيكون في أي مكان فيه تواجد إيراني.

سعت الولايات المتحدة إلى توسيع رقعة الشطرنج لتشمل أماكن كانت آمنة نسبياً وأرسلت رسالة مفادها: نعرف مَن أنتم وسنتعقبكم في أي مكان أياً ما كان الاسم الذي قررتم أن تطلقوه على أنفسكم.

2ـ الاستثمار في التناقضات الداخلية

تعلم الولايات المتحدة أن الميليشيات المستهدفة بالغارة الأخيرة (كتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء) على علاقة متوترة مع الحكومة العراقية، نظراً لدورها في عمليات تهريب السلاح وتحصيل الجمارك من المنافذ، لذا ظهرت الأخيرة غير مكترثة بالضربة الأمريكية أو حتى متعاونة بتقديم معلومات استخبارية عن الميليشيات وفقاً لوزير الدفاع الأمريكي.

يبدو أن الإدارة الأمريكية تريد أن تستفيد من التناقضات الداخلية بين الجهات المتصارعة في العراق وفي بلدان أخرى، إذ يمثّل تصاعد الخلافات بين الحكومة العراقية وهذه الميليشيا من جهة، والخلاف بين هذه الميليشيا والأكراد من جهة أخرى فرصة مؤاتية للولايات المتحدة لتقديم نفسها كحليف أمني للحكومة العراقية المركزية أو لحكومة إقليم كردستان العراق، مما يسهل جمع معلومات استخبارية على الأرض وتوجيه ضربات مركزة ومنخفضة التكلفة السياسية قدر الإمكان.

وفي هذا السياق، أدى تصاعد الضغط على الحكومة العراقية من قبل الميليشيات الموالية لإيران إلى سعي الحكومة لتوسيع تنسيقها الأمني والتدريبي مع قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ وافق حلف الناتو في 24شباط /فبراير على زيادة عدد قواته العاملة في العراق من 500 إلى 4000 عنصر، وصرّح الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ أن "مهمتنا تأتي بناء على طلب الحكومة العراقية".

3ـ يد تمتد للمصافحة وأخرى تستعد لإطلاق النار

تؤكد الإدارة الأمريكية الجديدة أنها، ورغم رغبتها الشديدة في إبرام اتفاق نووي جديد مع إيران، إلا أنها لن تتردد في استخدام القوة العسكرية إذا استُهدف الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط عسكرياً، مع استمرار فتح القنوات الدبلوماسية لعودة المفاوضات النووية.

وأرادت إدارة بايدن توجيه ضربة للجهود الإيرانية التي تهدف إلى خلق شبكة معقدة لاستهداف خصوم إيران دون أن تتحمل طهران المسؤولية. فعلى الرغم من تعقيد شبكات التضليل الإيرانية، إلا أن الولايات المتحدة لا زالت تحمّل المسؤولية لإيران مباشرة وتستهدف أدواتها عسكرياً.

لا أحد يستطيع التنبؤ برد الفعل الإيراني تجاه الجهود الأمريكية للحفاظ على الردع في المنطقة وحصار ميليشياتها، إلا أن الخيارات الإيرانية أصبحت محدودة، فإما تكبح جماح ميليشياتها لتعود إلى مفاوضات طويلة، وإما تواجه تصعيدات عسكرية تؤجل الوصول إلى اتفاق تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى لإنقاذ نفسها من حصار اقتصادي بات يهدد شرعية نظامها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard