مبادرة الراعي... لبنان أمام خطر التحلل الكامل

الاثنين 1 مارس 202105:58 م

قبل عام 2005، كان كل حديث عن احتمال نجاح حالة اعتراضية لبنانية في إخراج الجيش السوري من لبنان ينتهي بالشك. مع ذلك، استمرت الحركة المعارضة للوجود السوري في لبنان في سعيها الذي كان يبدو لكثيرين من أقطابها بلا طائل.

وفي حديث خاص مع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، قبل عام 2000، عام النداء الشهير، قال لي ما مفاده أن بكركي لا تملك الكثير من الأوراق، وأن تجارب السنوات السابقة في محاولة التدخل في الشأن العام اللبناني كانت مخيّبة خارجياً وداخلياً.

اليوم، تعاود بكركي افتتاح مسار مشابه في بعض جوانبه لوقائع تلك السنوات، باقتراحها تحييد لبنان عن الصراعات الدولية والإقليمية وعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان برعاية الأمم المتحدة. ووجه الشبه الأهم بين الحقبتين يتعلق بموقع رئاسة الجمهورية وشاغله.

حينذاك، لم يكن الرئيس الأسبق إميل لحود يملك تمثيلاً مسيحياً وازناً، رغم الدعم الذي كان يحوزه من حزب الكتائب الذي كانت قد آلت مقاليد الرئاسة فيه إلى كريم بقرادوني، بعد انشقاقات واستقالات لا تحصى، وصراعات داخلية، أججتها تدخلات من خارج الحزب ومن أجهزة الاستخبارات السورية، جعلت أحواله تبدو أشبه ما تكون بأحوال التيار الوطني الحر اليوم.

وعلى المنوال نفسه، يبدو الرئيس الحالي ميشال عون محاصَراً خارجياً وداخلياً، فهو الرئيس الأقل استقبالاً لزوار من الخارج منذ تأسيس الكيان اللبناني، وهو الرئيس الذي لم ينجح في ذروة مجده في تحقيق إجماع ماروني على رئاسته، وهو الرئيس الذي بدأت معالم عهده بالتحلل قبل أن تنتصف مدته، والأهم أنه الرئيس الأول منذ الحرب الأهلية عام 1975 الذي شهدت مناطق مسيحية في عهده تظاهرات صاخبة وحاشدة تطالب بإقالته.

بهذا المعنى، فإنّ أخذ البطريرك بشارة الراعي زمام المبادرة السياسية يعني في المقام الأول أن مقام الرئاسة الأولى في البلاد بات منصباً فارغاً من مضمونه، وأن "التيار" الذي يحتشد حول الرئيس وصهره الوزير السابق جبران باسيل لم يعد يتجاوز مجموع أعضائه بكثير. وهذا، والحق يُقال، مما أبرزته إلى العلن وظهّرت معالمه انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وعليه، فإنّ سعي البطريرك الراعي لتصدّر دور المقرر السياسي يعني أن الرئيس وتياره فقدا من الشرعية الأهلية والطائفية الكثير.

"الأوضاع في لبنان وصلت إلى المرحلة التي تسبق الانفجار العنيف والتشظي، إذا لم يبادر الطرف المهيمن بسلاحه، وهو حزب الله، إلى رعاية تسوية متوازنة بين الطوائف في البلد وليس بين قواها السياسية"

في مقلب آخر، ثمة أوجه شبه كبرى بين أحوال الطائفتين السنّية والدرزية في الحقبة التي سبقت "ثورة" 2005 ومهدت لها وفي الحقبة الراهنة. ففي تلك الفترة، استُبعد الزعيم السنّي الأبرز رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة وحل محله عمر كرامي، في حين لم يتمثل وليد جنبلاط، زعيم الكتلة الدرزية الأكبر، في الحكومة، واقتصر التمثيل الدرزي يومها على طلال أرسلان ومحمود عبد الخالق (الحزب السوري القومي الاجتماعي) ووئام وهاب.

بل ويمكن القول إن حكومة حسان دياب التي خلفت حكومة سعد الحريري جاءت أكثر تعنتاً وصلفاً من حكومة عمر كرامي عام 2004، لجهة أنها حوّلت منصب رئاسة الحكومة من منصب ميثاقي إلى مجرد وظيفة يمكن لأي كان أن يشغلها. هذا فضلاً عن المماطلة التي لا حدّ لها في تشكيل الحكومة التي كُلّف سعد الحريري بتشكيلها منذ أشهر، خلفاً لحكومة دياب المستقيلة.

"هيمنة حزب الله وتابعه العوني على مقدّرات السياسة اللبنانية، بكل وجوهها، لم تبقِ من شبهة الدولة بقية، ووضعت اللبنانيين، على نحو مباشر، أمام خيار وحيد يتمثل بالحرب الأهلية والدعوات إلى الانفصال والفدرلة والتقسيم"

ما تقدّم من توصيف لا يؤشر إلى حظوظ نجاح مبادرة البطريرك الراعي، بل هو محاولة لتعيين ضرورتها. والمعنى المضمر في ما يتعلق بضرورتها أن الأوضاع في لبنان وصلت إلى المرحلة التي تسبق الانفجار العنيف والتشظي، إذا لم يبادر الطرف المهيمن بسلاحه، وهو حزب الله، إلى رعاية تسوية متوازنة بين الطوائف في البلد وليس بين قواها السياسية.

وبهذا المعنى، لا يعود مجدياً الحديث عن اختيار شخصية سنّية أخرى غير سعد الحريري لرئاسة الحكومة، ليس لأنه الأكفأ، وقد يكون، بل لأنه الأقرب إلى الرمز. وعلى مستوى موازٍ، لا يبدو أن استبدال الرئيس ميشال عون بخصمه التقليدي سمير جعجع متيسراً، لأن كلا الزعيمين لا يمثلان المسيحيين في هذه اللحظة التاريخية. وحده "سيّد بكركي" مَن يستطيع التقاط عصا القيادة، باعتبار الرئيس، أي رئيس، هو واحد من رعيته في نهاية الأمر.

ارتدّ البلد إلى زمن سابق على استواء مكوّنات سياسية داخل طوائفه، تستطيع أن تحكم، وفق معايير جائرة في معظم الأحيان، وتوهم الأهل "والمواطنين" بقوة الدولة وعدل سلطانها. والحق، إنّ هيمنة حزب الله وتابعه العوني على مقدرات السياسة اللبنانية، بكل وجوهها، لم تبقِ من شبهة الدولة بقية، ووضعت اللبنانيين، على نحو مباشر، أمام خيار وحيد يتمثل بالحرب الأهلية والدعوات إلى الانفصال والفدرلة والتقسيم. وفي ظل هذا الجو المشحون تبدو مبادرة البطريرك كما لو أنها آخر ما في جعبة دهاقنة الطوائف من طلقات لإنقاذ ما تبقى من البلد قبل التحلل الكامل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard