هل بإمكان الكمامة أن تفضح النوايا وتكون دليلاً على كذب شخص ما؟

الخميس 25 فبراير 202106:00 م

في محاولة للحدّ من انتشار فيروس كورونا، قام عدد متزايد من الدول بجعل ارتداء الأقنعة إلزامياً للمواطنين/ات، ليس فقط في الأماكن العامة المغلقة ولكن أيضاً أثناء المشي في الشوارع، أما في حال عدم الامتثال لهذه الإجراءات، فعندها تُفرض على المخالفين غرامة مالية.

وعند مراقبة المارة في الشوارع يتبيّن وجود ثلاثة أنواع من الأشخاص: أولئك الذين يمتثلون تماماً للتعليمات، بحيث إنهم يرتدون قناعاً يغطي فمهم وأنفهم، أولئك الذين يضعون الكمامة بشكل غير صحيح، أي حول الذقن أو الرقبة، ومن يخالفون جميع الإجراءات ويسيرون من دون كمامة على الإطلاق.

ولكن ما الذي يمكن أن يخبرنا به علم النفس عن سبب عدم ارتداء بعض الأشخاص للأقنعة؟ وما هي العلاقة المحتملة بين الكمامة وتحلّي الشخص بالصدق والنزاهة؟

العوامل النفسية

صحيح أن وضع الكمامة للمساعدة في منع انتقال فيروس كورونا بات إلزامياً إلى حدّ ما على مستوى العالم، إلا أن بعض الأشخاص يمتعضون من هذه الفكرة، على اعتبار أن ارتداء القناع قد فُرض عليهم رغماً عنهم.

والواقع، إن هناك أسباباً وعوامل عديدة كامنة وراء الاختلافات السلوكية لجهة الامتثال لإجراءات التباعد الاجتماعي وارتداء القناع.

فقد أظهرت الأبحاث السابقة أن العوامل النفسية، مثل إدراك الفرد للمخاطر والميل نحو السلوك المحفوف بالمخاطر، هي من الأسباب التي تؤثر على الالتزام بالسلوكيات الصحية.

في المقابل، هناك ظاهرة تعرف بـ psychological reactance(التفاعل النفسي): "يعتقد الناس بشدة أن لديهم الحرية في التصرف بالطريقة التي يرغبون بها، وبالتالي عندما يُطلب منهم ارتداء القناع والالتزام بالتباعد الاجتماعي، فقد يشعر هؤلاء بأن حريتهم السلوكية مهددة، فينتابهم الغضب والمشاعر السلبية الأخرى، وهكذا يقررون استعادة حريتهم من خلال عدم الامتثال للتعليمات".

في هذا الصدد، قد يسأل البعض عن السبب الذي يدفع بعض الأشخاص لارتداء قناع يتدلى بطريقة غير فعالة على ذقنهم أو رقبتهم، طالما أنهم يدركون جيداً أن وضع القناع بهذه الطريقة لا يحميهم ولا يحمي غيرهم من تفشي فيروس كورونا.

 "يعتقد الناس بشدة أن لديهم الحرية في التصرف بالطريقة التي يرغبون بها، وبالتالي عندما يُطلب منهم ارتداء القناع والالتزام بالتباعد الاجتماعي، فقد يشعر هؤلاء بأن حريتهم السلوكية مهددة، فينتابهم الغضب والمشاعر السلبية الأخرى، وهكذا يقررون استعادة حريتهم من خلال عدم الامتثال للتعليمات"

على الأرجح أن هذه الفئة مستعدة لمواجهة محتملة مع الشرطة، وفي هذه الحالة يقوم بعض الأفراد بالكذب والادعاء بأن قناعهم انزلق بشكل غير ملحوظ من موضعه الصحيح.

وعليه، افترض الباحثون من خلال دراسة حديثة، وجود علاقة محتملة بين صفة الصدق وطريقة ارتداء الكمامة في الأماكن العامة.

تفاصيل الدراسة

لنتخيّل وجود شخصين غريبين يسيران في الشارع، هل بإمكاننا معرفة ما إذا كان أحدهما أكثر صدقاً من الآخر؟ بالطبع لا.

لكن الآن ومع تفشي فيروس كورونا، ربما يمكننا ذلك، بحيث يكفي إلقاء نظرة على كيفية ارتداء الكمامة في الأماكن التي تكون فيها الأقنعة إلزامية.

افترض الباحثون من خلال دراسة حديثة، وجود علاقة محتملة بين صفة الصدق وطريقة ارتداء الكمامة في الأماكن العامة

لنفترض أن هناك شخصاً ما يرتدي قناعه بشكل صحيح، ويغطي فمه وأنفه، في حين أن هناك آخر يضع القناع على ذقنه فقط أو حول رقبته. هذا الاختلاف البسيط قد يرجح فرضية أن يكون الشخص الثاني غير صادق في مواقف أخرى أيضاً.

هذا ما وجده يوسف توبول، من كلية القدس للتكنولوجيا، في دراسة حديثة نشرت في The journal Economic Letters، شملت 100 شخص كانوا يرتدون الكمامة بشكل صحيح، مقابل 100 آخرين يضعون القناع على الذقن أو الرقبة.

كيف تم قياس عدم الصدق في الدراسة؟

على مدار العقد الماضي ومع تزايد جاذبية التقنيات التجريبية، قام الباحثون وعلماء النفس الاجتماعي بتصميم العديد من التجارب بغرض البحث في النظريات التي تدور حول السلوك غير النزيه للأشخاص، وغالباً ما يكون التحفيز عبر المكافآت المالية.

من هنا وكجزء من التجربة التي أجراها يوسف توبول وزملاؤه، طُلب من كل مشترك رمي النرد على انفراد (تحت فنجان أو في أي مكان سري لا يمكن لأحد رؤيته فيه)، وتم وعد المشتركين بمكافأة مالية بحسب نتائج رمي النرد (من 1 يورو في حال ظهر الرقم واحد على النرد، وصولاً إلى 6 يورو في حال ظهر الرقم 6).

بالنسبة للمجموعة التي كانت ترتدي القناع بشكل صحيح، كان متوسط الحصيلة المبلغ عنها 4.05، في حين أن متوسط حصيلة الأشخاص الذين كانوا يرتدون أقنعتهم بشكل غير صحيح بلغت 4.91، وبشكل عام، اتضح أن هذه المجموعة على استعداد لخرق القواعد عندما يتعلق الأمر بسلامة كوفيد-19، بالإضافة إلى استعدادها لكسر القواعد في موقف آخر أيضاً.

العلاقة بين الصدق وارتداء القناع

قدم يوسف توبول تفسيراً عن سبب قيام بعض الأشخاص بوضع الأقنعة على الذقن أو الرقبة، مشيراً إلى أن هؤلاء ومن خلال هذه الطريقة، يستطيعون رفع قناعهم بسرعة ووضعه بشكل صحيح في حال وجود الشرطة، وذلك بهدف تجنب الغرامة، لكنهم غير مهتمين بالامتثال للتعليمات، بحسب ما أكّده الباحث: "كان هذا مظهراً خارجياً للامتثال، جنباً إلى جنب مع الخداع الخفي".

أما بالنسبة لمتوسط مجموع أولئك الذين لم يرتدوا الكمامة على الإطلاق فقد بلغت4.21، أي أعلى بقليل من المجموعة التي كانت ترتدي القناع، وأدنى من المجموعة التي كانت تضع القناع بشكل غير مناسب.

قد يتوقع البعض أن المجموعة من دون قناع هي التي تغش أكثر من غيرها، وذلك لكون أفرادها يخرقون القواعد تماماً، ولكن عند تحليل البيانات تبيّن أن هؤلاء الأشخاص لا يقومون بأي محاولة لخداع الآخرين، فهم ينتهكون جميع الإجراءات بشكل صارخ.

واللافت أن هذه الدراسة تتماشى مع العديد من الدراسات التي تحلل السلوك الصادق، عبر استخدام مجموعة متنوعة من المقاييس المختلفة، بغية الكشف عن أن الناس على استعداد للغش إلى حدّ ما إذا اعتقدوا ان بإمكانهم الإفلات من العقاب، والحصول على مكافأة في هذه العملية، مع العلم بأنه غالباً ما تنسب الأبحاث الحالية حول الصدق سلوكَ الغش المقيّد إلى الرغبة في الحفاظ على قدرتنا على التفكير في أنفسنا كأشخاص صادقين.

مجتمع الرقابة

من جهته، علّق الأخصائي في علم النفس محمد الطناوي، على هذه الدراسة، متسائلاً عن مدى صحة الربط ما بين الصدق وطريقة ارتداء الكمامة أو عدمها.

وفي حديثه مع موقع رصيف22، اعتبر الطناوي أنه ليس من الضروري أن يكون هناك علاقة فعلية بين صفة الصدق وكيفية وضع القناع، إذ إن التقيّد بالتعليمات قد يصب في خانة الامتثال: "بالنسبة للمجموعة التي التزمت بالتعليمات، وقام أفرادها بوضع القناع بشكل صحيح، فإن الأمر قد لا يكون متعلقاً بالصدق بل بالامتثالية".

من هنا، توقف محمد عند مفهوم "الرقابة" التي سبق وأن تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو، مشيراً إلى أننا كأفراد نعيش في "مجتمعات الرقابة": "هذه الرقابة تنطبق على جميع جوانب الحياة وتمتد حتى لحدود الأحلام والنوايا".

"بالنسبة للمجموعة التي التزمت بالتعليمات، وقام أفرادها بوضع القناع بشكل صحيح، فإن الأمر قد لا يكون متعلقاً بالصدق بل بالامتثالية"

وأوضح الطناوي أن هناك تاريخاً طويلاً من القمع الذي مارسته السلطات على المواطنين، الأمر الذي يدفع بعض الأفراد لأن يكونوا امتثاليين وخاضعين لقرارات السلطة، حتى ولو لم يكونوا مقتنعين تماماً بها.

هذا واعتبر محمد الطناوي أن الدراسة ربطت أيضاً ما بين التمرد والصدق، وذلك عند تحليل سلوك المجموعة الثالثة، التي ضمت أشخاصاً رفضوا وضع الكمامة في الشارع وتمردوا بشكل واضح على التعليمات: "التمرد هنا ليس على السلطة من الناحية الرمزية، بل قام هؤلاء الأفراد بالتمرد على السلطة كمصدر للمعلومات، بمعنى آخر، رفضت هذه الفئة منظومة الرقابة ومنظومة السلطة".

في نهاية المطاف، يمكن أن تكون طريقة ارتداء الناس للأقنعة، عندما يكون ذلك إلزامياً، بمثابة تحليل افتراضي على درجة صدق الأشخاص، إنما لا يجب التعميم، بخاصة وأنه من المفترض أن يتم تكرار هذه النتائج في بلدان مختلفة، بالإضافة إلى استخدام مقاييس أخرى للسلوك الصادق، وإجراء المزيد من الدراسات حول هذا الموضوع، فالمسألة قد تكون مجرد عبارة عن خضوع الأفراد لمنظومة الرقابة ولا تمت للنوايا بصلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard