أحدثهم محمود عباس... هل ودَّع الرؤساء العرب الهراوة وأحبوا حرية التعبير؟

الأحد 21 فبراير 202105:20 م

فجأة؛ صارت قضية حقوق الإنسان تحتل جانبًا من تصريحات عدد من الرؤساء العرب، ولم تعد تلك التصريحات قاصرة على خطاباتهم التي يدافعون فيها عن أنفسهم وأنظمتهم، ويهاجمون المنظمات "المأجورة" التي تنتقد ملفات أنظمتهم في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير والتداول السلمي للسلطة. بل تأتي حقوق الإنسان وتحديداً حرية التعبير تأتي في تصريحاتهم، على سبيل "المبادرة" منهم بالحث عليها وطمأنة شعوبهم إلى ممارستها.

أحدث الرؤساء المنضمين إلى هذا الركب هو رئيس السلطة الفسلطينية محمود عباس، الذي أصدر يوم السبت 20 شباط/ فبراير قراراً يأمر فيه باحترام حرية التعبير في الوقت الذي تستعد فيه أراضي الحكم الذاتي الفلسطينية لإجراء الانتخابات التشريعية في أيار/ مايو المقبل.

يأتي قرار عباس بناء على مطالب من الفصائل الفلسطينية خلال اجتماعها الذي جرى في وقت مبكر من الشهر الجاري في القاهرة، لمناقشة الانتخابات واستعداداتها. خاصة وأنها تجري بعد 15 عاماً من آخر انتخابات تشريعية شهدتها البلاد، ونجم عنها الانقسام الفلسطيني الحالي بين أراض تخضع للسلطة الفلسطينية بقياد عباس شرق فلسطين (على الضفة الغربية لنهر الأردن)، وأخرى في الغرب في قطاع غزة المحاصر وتخضع إلى حركة حماس المعزولة دولياً.

بموجب القرار، منع محمود عباس قوات الشرطة في أراضي الحكم الذاتي الفلسطينية من ملاحقة أو اعتقال المواطنين بتهم تتعلق بالتعبير عن الرأي أو الإفصاح عن انتماءاتهم السياسية، والإفراج الفوري عن كل من اعتقل على خلفية اتهامات تتصل بالتعبير.

بن سلمان أعلن عن إصلاحات تشريعية في مجال الحقوق الفردية وأفرج عن لجين الهذلول عشية خطاب بايدن

هوس مفاجئ

تصريحات عباس تأتي في معرض فيض من التصريحات والإجراءات الصادرة عن حكام عرب من السعودية شرقاً إلى المغرب غرباً، تصب في خانة ما بدا احتراماً مفاجئاً لحرية التعبير عن الرأي والممارسة السياسية، في موجة بدأت منذ منتصف كانون الثاني/ يناير الماضي، بالتزامن مع تسلُّم الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن لمهام منصبه رسمياً.

أتت تصريحات عباس بعد أيام من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تحتل بلاده ترتيباً متأخراً فيما يتصل بأوضاع حقوق الإنسان وحرية التعبير وحرية الممارسة السياسية. إذ صرح السيسي في كلمة رسمية ألقاها في 16 شباط/فبراير أن الحق في حرية التعبير والمعارضة مرحب بهما في مصر. لكنه حدد شرطين لممارسة هذين الحقين، وهما أن يكون التعبير عن الرأي أو المعارضة مقصود بهما "مصلحة الناس"، وأن يكون من يعبر عن رأيه "عارف هو بيقول إيه" أي يعي جيداً ما يقول. وهو ما استدعى تعليقات ساخرة على شبكات التواصل الاجتماعي حول كون الشروط التي وضعها الرئيس السيسي تحوي في ذاتها – لمن يفهم الدارجة المصرية- تهديداً ضمنياً "لمن تسول له نفسه التعبير عن رأيه" بحسب تعليق أحد الوجوه المعارضة الشهيرة في منشور مغلق على الأصدقاء، كتبه عبر حسابه الشخصي. وانتقد البعض كون الشروط التي وضعها الرئيس "فضفاضة"، ويمكن تفسيرها على أي نحو لضمان استمرار قمع المعارضين ومن يبوحون بآرائهم علناً عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

أتت تصريحات الرئيس المصري بعد هجمات صريحة في بعضها، أو تلميحات مفهومة في معظمها، تشير إلى أن الإدارة الجديدة التي تدير الولايات المتحدة لا تنوي التسامح في ملفات حقوق الإنسان، وخاصة مع دول محددة منها مصر. وقال الرئيس الأمريكي بايدن قبل فوزه في الانتخابات في تصريح شهير عبر تويتر: "لا شيكات على بياض بعد الآن لديكتاتور ترامب المفضل" في إشارة إلى الرئيس المصري الذي جمعته علاقة مميزة بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

لكن الرئيس المصري بدوره ليس الوحيد الذي اتخذ مبادرة - ولو إسمية- نحو إتاحة حرية التعبير في بلاده خلال الأسابيع الأخيرة. ففي تحرك لم يفاجئ أحداً سوى في اختيار توقيته، أفرجت السلطات السعودية أخيراً عن الناشطة النسوية لجين الهذلول في العاشر من شباط/ فبراير الجاري. بعد ثلاث سنوات بقت فيها قيد الاعتقال، لمطالبتها بحق المرأة السعودية في قيادة السيارات. وأشاد الرئيس الأمريكي بالتحرك السعودي في مستهل خطاب ألقاه من مقر وزارة الدفاع الأمريكية في اليوم نفسه بعد دقائق تقريباً من الإفراج عن لجين.

ومع الموقف المتشدد الذي أبداه ترامب من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي يشار إليه في دوائر الديمقراطيين واليسار الأمريكي بـ"المنشار"، في إشارة لما يعتقد من صلته بقتل المعارض السعودي الراحل جمال خاشقجي، وإعلان بايدن أنه لن يخاطب سوى ملك البلاد الشرعي "سلمان بن عبد العزيز". بدأ بن سلمان الذي ينظر إليه باعتباره الرجل الأقوى والحاكم الفعلي للسعودية في اتخاذ خطوات في اتجاه إظهار حسن النوايا في ملف حقوق الإنسان.

حرية التعبير مرحب بها، ولم تعد مصدراً لتهديد أمن البلاد في خطابات الحكام العرب.

فقد أعلن بن سلمان عشية الإفراج عن الهذلول، حزمة من القرارات والإجراءات التي تستهدف دعم الحريات الفردية في المملكة. مبشراً بتعديلات واسعة في قوانين "الأحوال الشخصية، والمعاملات المدنية، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، ونظام الإثبات"، مبيناً أن تلك التعديلات تأتي لـ"تعزيز مبادئ الشفافية وتحقق التنمية الشاملة".

على الجانب الآخر من العالم العربي الكبير، أصدرت الرئاسة الجزائرية في 19 شباط/ فبراير، قراراً بالعفو عن معتقلين معارضين جرى احتجازهم خلال مشاركتهم في التحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد. وأفرج عن 12 معتقلاً منذ صباح الجمعة بحسب تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس عن معارضين لحكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي قال في تصريحات رسمية عشية بدء الإفراج عن السجناء: "بين 55 و60 فرداً، إن شاء الله سيلتحقون بعائلاتهم ابتداءً من هذه الليلة أو غداً".

صحوة مؤقتة؟

لم تعلن أي من الدول التي صرح حكامها مؤخراً بحرصهم المفاجئ على حرية التعبير وحقوق الإنسان – باستثناء السعودية- عن خطوات سياسية وتشريعية تهدف إلى تخفيف القيود المفروضة على الحقوق الأساسية، كحقوق التعبير والنشر والممارسة السياسية والتنظيم وغيرها. ما يجعل من تلك التصريحات غير ذات قدرة على التأثير المباشر على مجريات الأمور في هذه البلدان.

ولكن لا يزال أمام الإدارة الأمريكية الحالية حوالي 4 سنوات إضافية في الحكم، ولا يزال لدى المواطنين العرب بعض الأمل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard